Minbar Libya

تتواجه الأطراف الليبية المتقاتلة، مدعومة بقوى خارجية، في الخط الرابط بين قاعدة الجفرة ومدينة سرت الساحلية، وستحدد العلاقات التركية-الروسية وجهة الأحداث إما نحو التفاوض لتسوية النزاع وإما حسمه بالمواجهة المسلحة.

الجزء الأول

نجحت حكومة الوفاق، الحكومة الشرعية للدولة الليبية المنقسمة على نفسها، في سلسلة من الهجمات السريعة، انطلقت في منتصف أبريل/نيسان2020 ، في طرد قوات اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، من الشريط الساحلي الغربي الاستراتيجي الذي يتحكم في الطريق إلى الجارة، تونس. وخلال أسابيع قليلة تالية، نجحت قوات الوفاق في إبعاد قوات حفتر كلية عن المحيط الجنوبي للعاصمة طرابلس، بعد أن أجبرت مرتزقة فاغنر الروسية على الانسحاب من المنطقة. وفي الخامس من يونيو/حزيران، حصلت الوفاق على الجائزة الكبرى من تحركها الهجومي عندما استعادت مدينة ترهونة، المقر الرئيس لعمليات قوات حفتر في الغرب الليبي.

ما شهدته ساحة الصراع بعد ذلك كان أكثر غموضًا ومدعاة للتساؤل. في الأيام القليلة التالية على استعادة ترهونة لم يُخْفِ مسؤولو الوفاق، العسكريون بينهم والسياسيون، عزمهم مواصلة الاندفاع نحو الشرق للسيطرة على سرت والجفرة، ومن ثم المنطقة النفطية، بهدف إخراج حفتر وقواته كلية من ساحة العمل العسكري والسياسي. بيد أن طوابير قوات الوفاق المسلحة، التي اتجهت على الطريق الساحلي من مصراتة إلى سرت، في نهاية الأسبوع الأول من يونيو/حزيران، سرعان ما تعرضت لغارات جوية دقيقة، من المرجح أن طائرات روسية نفذتها، أوقعت بقوات الوفاق خسائر، وإن محدودة، في الأرواح والمعدات، فاضطرت قوات الوفاق إلى التراجع قليلًا، بمسافة تقدر بثلاثين كيلومترًا، عن مشارف سرت، التي كانت على وشك الوقوع تحت حصار من ثلاث جهات.

منذ منتصف يونيو/حزيران، وعدا اختراقات محدودة من الجانبين، يسيطر الهدوء على خطوط المواجهة، بالرغم من تصريحات مسؤولي الوفاق المتكررة حول استعدادهم للتقدم إلى ما خلف خط سرت-الجفرة، سلمًا أو حربًا. كما لا يبدو أن الجهود السياسية، سواء للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، أو إطلاق جولة جديدة من المفاوضات السياسية بين الوفاق وقادة معسكر شرق ليبيا، حققت بعدُ تقدمًا ملموسًا، بخطوات واضحة نحو إطار سياسي وجدول زمني محدد للتفاوض.

فلماذا أصبحت الأزمة الليبية أكثر تعقيدًا بمرور الأيام؟ وأين تكمن مسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية، ذات المصلحة في مجريات الأزمة، في هذا التعقيد؟ من المسؤول عن فرض حالة الترقب وعدم الحسم العسكري والسياسي؟ وإلى أي حد يرتبط المسار السياسي بالتطورات العسكرية على الأرض؟ وهل يمكن توقع مسار الأزمة المستقبلي على المديين، القصير والمتوسط؟

ساحة تدافعات دولية وإقليمية

بخلاف الثورتين، التونسية والمصرية، تطورت مجريات الثورة الليبية في 2011 لتصبح ساحة للتدخلات الأجنبية، سيما بعد أن تحول الحراك الشعبي ضد نظام القذافي إلى نزاع مسلح بين معارضي النظام، الذين نجحوا في دحر قوات النظام من الشرق الليبي واتخذوا من بنغازي مركزًا لهم، والقوات الموالية للعقيد القذافي. رفض القذافي وأغلب قادة نظامه الاستجابة للمطالب الشعبية، وأظهر تصميمًا على مواجهة الثورة بقوة السلاح وقمع الحركة الشعبية؛

وهذا ما أطلق تحركًا عربيًّا ودوليًّا، وُلِد من مناخ التعاطف مع حركة الثورة والتحول الديمقراطي في المجال العربي. نجح عدد من الدول العربية والكتلة الغربية في تمرير قرار أممي رقم 1973، صيغ بلغة عامة، في مجلس الأمن، يشجب موقف النظام ويفرض منطقة حظر على الطيران ويتعهد بحماية المدنيين؛ وسرعان ما استُخدم القرار كمسوِّغ قانوني دولي لتدخل عسكري، شاركت فيه فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ثم الولايات المتحدة بعد ذلك، لمنع قوات القذافي من اقتحام بنغازي وارتكاب مجزرة في ثاني أهم مدينة ليبية.

وفَّر التدخل الإقليمي، العربي والدولي، سيما بعد الدخول الأميركي إلى ساحة المواجهة، دعمًا ملموسًا للثوار المعارضين للنظام، الذين نجحوا بعد سلسلة من المواجهات في الوسط الليبي في اقتحام العاصمة، طرابلس، وإسقاط النظام. ولكن الليبيين لم يستطيعوا بناء نظام انتقالي مستقر، ولا في تجاوز مرحلة التحول الديمقراطي بسلام. في 2014، وبالرغم من وجود نظام سياسي قلق في طرابلس تحت مظلة المجلس الوطني، أعلن اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، عن تشكيل ما أسماه: الجيش الوطني الليبي وقيادته، متخذًا، في البداية، من مدينة طبرق في أقصى الشرق، مقرًّا لقيادته.

كان واضحًا أن حفتر يتحرك بدعم من مصر والإمارات والأردن، وأن هدفه السيطرة على ليبيا بقوة السلاح وإنشاء نظام شبيه بنظام السيسي في مصر، يقضي على التعددية السياسية ويكرِّس سيطرة العسكر على الحياة السياسية. لم يُخْفِ حفتر ازدراءه للتنافس السياسي بين القوى الجديدة في طرابلس وبنغازي، واصفًا كافة من عارضوا أو رفضوا تـأييد تحركه بالإرهاب أو الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين.

بيد أن القوى الموالية لحفتر في البداية لم تكن كافية لتحقيق ولو جزء من أهدافه؛ كما لم تستطع منع الانتخابات، التي جاءت بمجلس النواب الليبي في صيف 2014، ولا الوقوف أمام المفاوضات التي رعتها الأمم المتحدة بين مجلسي النواب والمجلس الوطني، ونجحت في التوصل لاتفاق الصخيرات الذي أسس لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس ورسم طريق ليبيا إلى الوحدة وبناء الاستقرار الدستوري والدولة الديمقراطية التعددية.

الملاحظ بعد ذلك أن رئيس مجلس النواب وعددًا ملموسًا من نوابه أبدوا تعاطفًا مع حفتر، وأقاموا علاقات وثيقة مع داعميه في مصر والإمارات. في نهاية 2015، أعلن رئيس المجلس، عقيلة صالح، بتأييد من بعض النواب، اللواء المتقاعد، حفتر، قائدًا للقوات التابعة للمجلس. لم يكن حفتر في الحقيقة ليكترث بالمجلس أو أعضائه، ولا بآلية عمله ودوره الدستوري؛ ولكن القرار وفَّر له شرعية داخلية، ومهَّد الطريق أمامه ليُحسب طرفًا سياسيًّا رئيسًا.

في 2017، نجحت قوات حفتر في السيطرة على مدينة بنغازي، ولم يعد من الممكن تجاهله ولا تجاهل نفوذه المتنامي، سيما بعد أن أخذ في الإشارة إلى أن هدفه النهائي هو التقدم نحو العاصمة، طرابلس، ووضع نهاية لحكومة الوفاق.

بعد مرحلة بنغازي، تزايدت الأدلة على أن الدعم المقدَّم للجنرال لم يعد يقتصر على الإمارات ومصر (والتدريب المموَّل إماراتيًّا في الأردن)، بل فرنسا أيضًا. كما التقى حفتر وزير الدفاع الروسي، مع ظهور بوادر على تزايد تعاطف موسكو معه. لماذا اتخذت فرنسا جانب حفتر في مواجهة حكومة مؤيَّدة ومعترف بها دوليًّا في طرابلس؟ وأية مصالح أمَّلت بتحقيقها من سيطرة حفتر على ليبيا؟

ليس واضحًا، خاصة أن حكومة الوفاق حافظت على علاقات جيدة مع باريس، قبل وبعد صعود ماكرون لموقع الرئاسة الفرنسية، لكن قد يكون التقارب المتزايد بين أبوظبي وباريس في وجهات النظر والمصالح عاملًا مفسرًا لانحياز فرنسا الفعلي إلى حفتر. وأما تعاطف موسكو مع حفتر، وتحركها الحثيث خلال السنوات التالية لدعمه، فيبدو أسلس تفسيرًا.

في 2011، اعتقد الروس أن الغرب خدعهم، بعد أن غضَّت موسكو النظر عن تمرير قرار مجلس الأمن واتخذت القوى الغربية القرار مسوغًا للتدخل العسكري وإطاحة نظام القذافي. ربطت بين ليبيا -خلال حكم القذافي- وروسيا صلاتٌ وثيقة، سياسية واقتصادية؛ ولم تكن موسكو سعيدة بعودة ليبيا منطقة نفوذ غربي. إضافة لذلك، نظرت موسكو بعين الشك لكل ظاهرة الثورة في المجال العربي، خاصة بعد أن أخذت القوى الغربية في إظهار دعمها لعملية التحول الديمقراطي في دول الثورة العربية. ولم يكن خافيًا أن موسكو، سيما بعد الثورة الأوكرانية، باتت تخشى استخدام الغرب سلاح الديمقراطية لإطاحة الأنظمة الموالية لموسكو في الجوار الروسي، بل ونظام بوتين نفسه.

كما في مصر بعد انقلاب 2013، وجدت موسكو في حفتر الرجل العسكري القوي، الذي سيضع نهاية  لما تعتبره أوهام الديمقراطية الغربية، ويستعيد التحالف مع روسيا، ويعيد الاستقرار إلى ليبيا. خلال السنوات التالية لما بعد بنغازي، وبعد أن بدأ حفتر هجومه الكبير نحو طرابلس، في ربيع 2019، تصاعد الدعم الروسي للواء المتقاعد.

في المقابل، وحتى توقيع اتفاق التعاون العسكري بين حكومة الوفاق وتركيا، لم تتلقَّ الوفاق دعمًا مباشرًا وملموسًا من أي من القوى الإقليمية والدولية، بالرغم من أنها تمثل الحكومة الشرعية الليبية الوحيدة المعترف بها دوليًّا. قطر وتركيا، وكما موقفهما من كافة عمليات التحول الديمقراطي في دول المجال العربي، أكدَّتا دائمًا على التأييد والدعم السياسي لحكومة الوفاق؛ ولكن أيًّا منهما لم تقدم دعمًا عسكريًّا مباشرًا للوفاق. دول عربية أخرى، مثل المغرب، الذي وُلِد اتفاق الصخيرات بتسهيلات ودعم منه، التزم هو الآخر موقف التأييد السياسي للوفاق.

أما دوليًّا، فبالرغم من أن كافة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن اعترفت ضمنيًّا بالوفاق، لم تعمل أي منها على توفير الدعم العسكري الضروري لطرابلس. حتى الولايات المتحدة، التي راقبت النشاط الروسي المتزايد في ليبيا إلى جانب حفتر، لم تتخذ أية خطوة ملموسة لمواجهة التدخل الروسي أو تعزيز موقف حكومة الوفاق.

الاستثناء الوحيد كان الدعم الأميركي الذي قُدِّم لقوات الوفاق عندما خاضت معركة سرت ضد تنظيم الدولة، في 2016، التي انتهت بتحرير المدينة من التنظيم ودحره، قبل أن يطلق حفتر هجومه ضد طرابلس.

___________________________