Minbar Libya

في 20 تموز/يوليو، أقرّ المشرّعون المصريون تفويضاً بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، حيث يتخذ حليف القاهرة المشير خليفة حفتر موقفاً دفاعياً هناك. في أعقاب تدخل تركيا لصالح حكومة طرابلس، يمكن لتدخل مصر أن يؤدي إلى تصعيد في الحرب بشكل دراماتيكي. ولذلك، ينبغي على جميع الأطراف أن تسعى للتوصل إلى تسوية.

يشكل تهديد مصر بإرسال جيشها إلى ليبيا المجاورة رداً متوقعاً ومفهوماً لكن خطيراً على انخراط تركيا العسكري الذي يزداد عمقاً ويخاطر في توريط كلا البلدين في حرب مكلفة. لقد حذرت القاهرة من أنها ستتدخل مباشرة إذا حاولت القوات المدعومة من تركيا والموالية لحكومة طرابلس استعادة مواقع رئيسية في وسط ليبيا والمنشآت النفطية المجاورة الواقعة تحت سيطرة التحالف الخصم المدعوم مصرياً بقيادة المشير خليفة حفتر.

من وجهة نظر مصر، فإن تقدماً مدعوماً من تركيا إلى وسط ليبيا سيشكل تجاوزاً لخط أحمر، ويعرّض للخطر حدودها وأمنها الوطني. ينبغي على أنقرة والقاهرة التراجع والسعي للتوصل إلى تسوية حول وضع المواقع الاستراتيجية في وسط ليبيا، بما في ذلك أصولها النفطية ذات الأهمية الكبيرة. كما ينبغي على العواصم الأجنبية التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع كلا البلدين أن تساعدهما على خفض تصعيد التوترات بينهما والتوصل إلى مثل تلك التسوية. أما البديل فسيكون المزيد من ’أقلمة‘ ما أصبح حرباً لا يمكن الفوز فيها.

أتت آخر نقطة تحوّل في الصراع الليبي المستمر منذ ستة أعوام في أعقاب الهجوم المضاد الناجح الذي شنه التحالف الموالي لطرابلس في غرب ليبيا، والذي نجح بفضل دعم الجيش التركي والمقاتلين السوريين الذين يدفع رواتبهم. وأتى إرسال أنقرة لقواتها استجابة لطلب بالمساعدة من حكومة رئيس الوزراء فايز السراج في طرابلس في مطلع عام 2020. الطبيعة العلنية للتدخل التركي، الذي أُقرّ عبر تصويت في البرلمان التركي، مكّن تركيا من إرسال أصولها العسكرية بسرعة وحرية أكبر مما تمكّن من فعله خصومها الإقليميون.

بعد تحقيقها لنصر عسكري، تصر حكومة طرابلس الآن على أن تنسحب قوات حفتر من معقل القذافي السابق في سرت ومن قاعدة الجفرة الجوية في وسط ليبيا، اللتان تستعملان كلتاهما من قبل الداعمين الخارجيين لحفتر كمراكز عمليات. إضافة إلى ذلك، تريد طرابلس من قوات حفتر أن تنسحب من “الهلال النفطي” المجاور كشرط مسبق لوقف إطلاق النار.

تشكل هذه المطالب تحولاً عن مطلب حكومة السراج السابق بأن يعيد حفتر قواته إلى مواقعها التي كانت تحتلها قبل نيسان/أبريل 2019، أي قبل هجوم طرابلس، عندما كان الهلال النفطي والجفرة ما يزالان تحت سيطرة التحالف الذي يقوده حفتر.

ليس من الصعب تفسير هذا التغير؛ فأنقرة وطرابلس تعتقدان الآن أنهما لا تستطيعان صد حفتر وحسب بل إلحاق الهزيمة به، رغم الدعم الذي يتمتع به من مصر، والإمارات العربية المتحدة، والسعودية، والأردن، وروسيا وفرنسا. ورغم أن طرابلس وضعت اسمياً شروطها لوقف إطلاق النار، فإنها تستمر في رفض المفاوضات السياسية مع معسكر حفتر، محملة إياه المسؤولية عن شن هجوم استمر عاماً كاملاً قتل فيه ما لا يقل عن 3,000 شخص، مدنيين ومقاتلين. وبفرض شروط لوقف إطلاق النار تعرف أنه سيكون من الصعب على معسكر حفتر القبول بها، فإن طرابلس تأمل بشرعنة رفضها للتفاوض.

سيكون أحد الدوافع الرئيسية الكامنة خلف تجدد القتال الرغبة بالسيطرة على المنشآت والعائدات النفطية. وسيرقى انسحاب حفتر من الهلال النفطي إلى تسليم المنشآت النفطية الرئيسية في البلاد إلى طرابلس. فرضت قوات حفتر حصاراً على صادرات النفط في كانون الثاني/يناير احتجاجاً على ما تزعم أنه إساءة استخدام طرابلس للعائدات النفطية، بما في ذلك على ما ذكر تمويل الجهود العسكرية التركية في ليبيا.

لقد أوقف الحصار الصادرات النفطية بشكل كامل تقريباً، وأدى إلى خفض الإنتاج اليومي من نحو مليون برميل يومياً إلى 100,000 برميل فقط، ما أدى أيضاً إلى انخفاض كبير في العائدات (المتأثرة أصلاً بأسعار النفط المنخفضة دولياً).

بالنسبة للاعبين الدوليين، ومصر على وجه التحديد، فإن الرهانات تتجاوز ليبيا وقطاعها النفطي؛ إذ يتمثل هاجسها الرئيسي في الدفاع عن رؤيتها للنظام الإقليمي. فمصر وحلفاؤها العرب – السعودية (التي قدمت الدعم السياسي والمالي)، والأردن (الدعم العسكري السري) والإمارات (المساعدة المالية والعسكرية) – تعارض وجود القوات التركية والمقاتلين السوريين الموالين لأنقرة في ليبيا وترى في السوريين، بشكل خاص، إسلاميين متشددين.

مصر تعتبر الوجود العسكري التركي الموسع في وسط ليبيا تهديداً محتملاً لأمنها الوطني نفسه. وتخشى أن هجوماً مدعوماً من تركيا من شأنه أن يغير توازن القوى في شرق ليبيا، ويسمح للقوات الموالية لطرابلس باستخدام هذه المنطقة نقطة انطلاق لهجمات داخل مصر. حلفاء مصر العرب يشاطرونها هذه الرؤية، في حين أن فرنسا على نحو خاص متخوفة من تداعيات الصراع في جنوب ليبيا، الذي يجاور تشاد، الحليفة المهمة لباريس.

لقد دفعت هذه الهواجس القاهرة لاتخاذ خطوة غير مسبوقة تمثلت في التحضير لتدخل عسكري معلن، بدلاً من الاستمرار بدعم قوات حفتر سراً. لم تفكر مصر في اتخاذ مثل هذه الخطوة حتى في عام 2015، عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على سرت وأسس وجوداً له في بنغازي. تحاول القاهرة الآن اتخاذ موقف موازٍ في مواجهة أنقرة، التي ترى فيها راعياً إقليمياً لتنظيم الإخوان المسلمين، العدو اللدود للحكومة المصرية.

تعتمد مصر على المؤسسات الليبية الحاكمة الموازية لتوفير غطاء من الشرعية لتدخلها. في 13 تموز/يوليو، طلب مجلس النواب الذي يتخذ من طبرق مقراً له رسمياً من القاهرة أن تتدخل. بعد عدة أيام، اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع وفد من زعماء القبائل من شرق ليبيا في القاهرة، دعوا مصر أيضاً إلى التدخل.

رفضت طرابلس الدعوتين ووصفتهما بأنهما غير شرعيتين، وأشارت إلى أنه ليس للزعماء القبليين سلطة رسمية وأن البرلمان الذي يتخذ من المنطقة الشرقية مقراً له، والذي لا يتجاوز عدد أعضائه النشطين أكثر من 40 من أصل 200 عضو اسمي في البرلمان، لم يصوت على هذا الطلب. بصرف النظر، في 20 تموز/يوليو، استجاب البرلمان المصري بالتفويض بإرسال القوات المصرية في مهمات قتالية خارج البلاد دفاعاً عن أمنها الوطني ضد “الميليشيات المسلحة الإجرامية والعناصر الإرهابية الأجنبية”. وفي خطاب تصعيدي، أدانت حكومة طرابلس هذا القرار بوصفه “عملاً معادياً وتدخلاً مباشراً يرقى إلى إعلان حرب”.

يعتقد الخبراء العسكريون أن من المرجح أن تقصر القاهرة تدخلها على تأمين المنطقة الحدودية داخل ليبيا. ويمكن أن تدعم مثل تلك العملية بضربات جوية على القوات الموالية لطرابلس، إذا حاولت التقدم. وبالنظر إلى أن سرت تقع على بعد 1,000 كم من الحدود المصرية، فإن إرسال القوات إلى وسط ليبيا سيشكل تحديات لوجستية كبيرة للجيش المصري، إذ سيطيل خطوط الإمداد ولا يؤمن سوى غطاء جوي غير متسق للقوات البرية.

لكن لا ينبغي استبعاد حدوث تدخل واسع، تدخل من شأنه أن يعرض القوات المصرية لمواجهة مباشرة مع القوات التركية والمقاتلين السوريين التابعين لها في وسط ليبيا. كما أن المتعاقدين العسكريين الخاصين العاملين مع شركة فاغنر المملوكة من قبل روس يعززون حضورهم أيضاً في وسط ليبيا، حيث يذكر أنهم يشغّلون طائرات مقاتلة في الجفرة وينقلون التعزيزات إلى سرت وإلى مناطق المنصات النفطية في محاولة لتعزيز مواقع قوات حفتر هناك.

ستكون تداعيات استئناف الأعمال القتالية على السكان المدنيين المحليين كارثية؛ إذ إن الانخراط المتزايد للجيوش التقليدية يثير شبح ازدياد حدة العنف، خصوصاً في المناطق السكنية في سرت. وعلى نحو مماثل، فإن ما يشاع عن وجود خطة مصرية لنقل الأسلحة إلى المجموعات القبلية الليبية في الشرق يخاطر بإطلاق أعمال عنف محلية وإجراءات انتقامية ضد المدنيين.

كما يمكن لتجدد القتال في الهلال النفطي أن يؤدي أيضاً إلى أضرار يصعب عكسها على منشآت النفط والغاز، وفي حين أن هذه الأضرار تأتي في المرتبة الثانية بعد الهواجس الإنسانية، فإنها يمكن أن تكون مثيرة للقلق، بالنظر إلى أنها يمكن أن توقف تدفق التمويل الضروري لمكانة ليبيا وقدرتها على الحياة على المدى البعيد. وأخيراً، فإن احتمال اقتراب القوات التركية والمصرية إلى درجة المواجهة وضلوع المقاتلين العاملين في شركات روسية خاصة في الأمر، يخاطر باحتمال وقوع مواجهة إقليمية أوسع.

ينبغي على جميع الأطراف اتخاذ خطوات فورية لخفض التصعيد لتقليص هذه المخاطر وحماية حياة المدنيين. وينبغي على طرابلس تجميد تقدمها العسكري في وسط ليبيا والسعي إلى التوصل لاتفاق تفاوضي حول سرت والجفرة، وكلتاهما تقعان حالياً تحت سيطرة القوات الموالية لحفتر بمساعدة مقاتلي فاغنر.

في سرت، يمكن لمثل هذا الاتفاق أن يتضمن انسحاب حفتر والقوات الداعمة له من المنطقة، ليحل محلها وجود عسكري محدود للقوات الموالية لطرابلس تستثني القوات المدعومة تركياً والعتاد المقدم من تركيا؛ وفي الجفرة، يمكن لمثل هذا الاتفاق أن يسمح بوجود رمزي للمقاتلين المتحالفين مع حفتر وتقديم ضمانات بخروج القوات الأجنبية العاملة هناك حالياً. سيشكل هذا خطوة واحدة نحو نزع جزئي للسلاح في وسط ليبيا بدلاً من النزع الكلي الذي دعت إليه برلين وواشنطن والذي سيكون من الصعب تحقيقه.

وفي الوقت نفسه، ينبغي على الأطراف التوصل إلى حل بشأن المواجهة في القطاع النفطي. وينبغي على مصر السعي لإقناع حفتر وحلفائها الإقليميين الآخرين بإسقاط مطلبهم بإعادة توزيع الأرباح بين غرب وشرق ليبيا (في غياب إطار قانوني يمكن أن ينظم هذا الترتيب)، والقبول بدلاً من ذلك بحل وسط تقدمت به الولايات المتحدة، والأمم المتحدة والمؤسسة الوطنية الليبية للنفط.

ينص هذا المقترح على إعادة فتح الإنتاج النفطي والصادرات مقابل وضع العائدات النفطية المستقبلية في حساب تملكه المؤسسة الوطنية للنفط لمدة 120 يوماً بدلاً من وضعها في المصرف المركزي في طرابلس، كوسيلة لتطمين حفتر بشأن كيفية استخدام الأموال.

يعتقد داعمو هذه الخطة أن الإطار الزمني سيسمح بالتفاوض على إعادة هيكلة الإدارة العليا للمصرف المركزي كإجراء يسبق إعادة توحيد المصرف، الذي انقسم إلى مؤسستين متوازيتين متنافستين بعد عام 2014. كما سيعني هذا الاتفاق أن القوات التي يقودها حفتر ستبقى، في الوقت الراهن، مسؤولة عن المواقع.

ستكون مثل هذه الترتيبات أقل مما يريده كل من الطرفين، لكن من شأنها أن تمهّد الطريق لمسار تفاوضي إلى الأمام. علاوة على ذلك، فإن القبول بهذه الترتيبات سيساعد في بناء الثقة الضرورية جداً بين التحالفين وداعمي كل منهما. من وجهة نظر القاهرة، فإن تقديم تنازلات بشأن سرت والجفرة وإقناع معسكر حفتر بالقبول باتفاق نفطي سيساعد أيضاً في تجنيب مصر وحلفائها الليبيين العديد من النتائج المجهولة التي ستترتب على أي مغامرة عسكرية.

بالنسبة لأنقرة وطرابلس، فإن عودة رمزية إلى سرت والقبول بنزع سلاح جزئي في الجفرة سيضمن ألا تستخدم هذه المواقع لشن هجمات عسكرية تهدف إلى السيطرة على طرابلس أو مصراتة، في حين أن اتفاقاً نفطياً سيوفر عائدات ليبيا في أمس الحاجة إليها للاستمرار في دفع رواتب موظفي القطاع العام.

بالنسبة لتركيا، ينبغي أن تكون حريصة على عدم التوسع في أنشطتها أكثر مما ينبغي. لقد أوضحت سلطاتها أنها لن تعتبر حفتر، أو أي شخص آخر في معسكره، شريكاً في المفاوضات. بدلاً من ذلك، يقول المسؤولون الأتراك إنهم يريدون استعادة سيطرة حكومة طرابلس على جميع الأراضي الليبية.

إن استراتيجيتهم مألوفة بشكل مثير للقلق؛ فهي تهدف إلى إعادة فرض السيطرة العسكرية لوكلائها بهدف العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة. مشكلة هذه المقاربة أن الطرف الآخر وداعميه الأجانب من غير المرجح أن يقبلوا بعملية تفاوضية غير متوازنة، كما أظهرت السنوات السابقة من الصراع والدبلوماسية في ليبيا. في النهاية، من شبه المؤكد أن تنشأ حلقة جديدة للعنف، مع محاولة الطرف الخصم إعادة التوازن إلى الميدان عن طريق التصعيد المضاد.

ينبغي على تركيا تحاشي الوقوع في هذا الفخ وبدلاً من ذلك دفع حلفائها في طرابلس إلى القبول بحل وسط بشأن الترتيبات الأمنية في وسط ليبيا وعائدات النفط يمكن أن يؤدي، في مرحلة لاحقة، إلى اتفاق عسكري وسياسي شامل لإعادة توحيد البلاد.

مع كل تصعيد لحدّة الصراع، تبدو فرصة التوصل إلى تسوية أكثر بعداً، في حين أن المخاطرة باندلاع حرب إقليمية أكبر تبدو أكثر احتمالاً. إذا كان ما يزال هناك فرصة لعكس مسار الأحداث، ينبغي على اللاعبين الإقليميين أن يغتنموها بشكل مشترك – الآن – وإلا سيجدون أنفسهم منخرطين في مواجهة إقليمية لا نهاية لها.

________________________