بقلم السنوسي بسيكري

بدت مبادرة المغرب الهادفة للجمع بين الفرقاء الليبيين غير متماسكة، فقد حضر ممثلو الطرفين، عقيلة صالح وخالد المشري، إلى الرباط دون أن يقع اجتماع، غير أن مؤشرات من هنا وهناك تؤكد أن المغرب يمكن أن تكون قد ألتقطت إشارات اعتبرتها مقدمات عن قرب التسوية السياسية فسارعت باحتضان لقاءات تمهيدية بالخصوص.

موقف مغربي متميز

نجحت المغرب في أن تكون حاضنة الاتفاق السياسي بمدينة الصخيرات، وقد أكسبها ذلك موقعا مهما ومتميزا من بين الأطراف العربية المعنية بالشأن الليبي.

فمن بين دول شمال أفريقيا والمغرب العربي حافظت المغرب على موقع حيادي وبالتالي صارت مؤهلة لكسب ثقة كافة الأطراف، إذ لم يعترض أي من الطرفين على الوساطة المغربية، وقبلا أن تكون الصخيرات هي نقطة الالتقاء للتفاوض والوصول إلى تسوية في ديسمبر 2015م.

هذا الموقع الحيوي وضع المغرب في خانة ميزتها عن الجزائر وتونس ومصر، فمصر متورطة بشكل كبير في الأزمة الليبية وموقفها منحاز بقوة لصالح جبهة الشرق، وحُسبت الجزائر كمؤيد لجبهة طرابلس، وإن لم تقدم أي نوع من أنواع الدعم المادي لحكومة الوفاق، كما أنتج الخلاف بين مكونات دوائر صناعة القرار في تونس موقفا مرتبكا تجاه الأزمة الليبية، لذا صار دور المغرب في أي تسوية رئيسي.

إشكاليات تعيق التفاوض

حدد الاتفاق السياسي سلطة مراجعة الاتفاق أو التعديل عليه إلى البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، والذين اكتسبا شرعيتهما من الاتفاق السياسي، ولأن برلمان طبرق برئاسة عقيلة صالح تورط في العدوان على طرابلس ودعمه بقوة، صار الالتقاء بهم ليس بعيدا عن الالتقاء بحفتر في سوئه، ولأن الوضع يستدعي التقارب مع طرف في جبهة الشرق، ولأن الالتقاء بحفتر خط أحمر بالنسبة لجبهة الوفاق، فصار التفاوض مع عقيلة شر لا مناص منه.

ويبرر عدد من أعضاء المجلس الأعلى للدولة التقارب مع عقيلة من أنه فضلا عن أنه الشريك وفق الاتفاق السياسي، فإن خلافه مع حفتر يشكل فرصة للتأكيد على إخراج الأخير من المشهد.

معضلة مستحكمة

الخطاب التعبوي الذي تبناه قادة جبهة الوفاق وفي مقدمتهم خالد المشري لم يفرق طوال فترة العدوان بين خليفة حفتر وعقيلة صالح، فقد منح عقيلة صالح، بصفته رئيسا للبرلمان الذي عين حفتر، المشروعية لعدوانه على طرابلس وجاء ذلك على لسان عقيلة نفسه في مناسبات عدة.

ولم يعط عقيلة لنظرائه في المجلس الأعلى للدولة ما يبرروا به التفريق بينه وبين حفتر، وتجارب التفاوض معه في السابق تعزز الشك الذي ينتاب الجمهرة العريضة من جبهة الوفاق.

من ناحية أخرى، فإن الاتجاه إلى تكريس سلطة البرلمان في طرابلس والذي انتهى إلى انتخاب رئاسة منافسة لعقيلة صالح يضع المجلس الأعلى ورئيسه في حرج بقولهم أنهم يلتقون مع الطرف الذي حدده الاتفاق السياسي، فصفة عقيلة صالح كرئيس للبرلمان باتت محل جدل كبير، بالمقابل لن يقبل عقيلة ولا أنصاره ولا حتى الاطراف الاقليمية والدولية اعتباره مفاوضا عن جبهة الشرق وليس مفاوضا بصفته رئيسا للبرلمان.

وفاق ضمن الوفاق

إن تماسك جبهة الوفاق المعتدى عليها والمغدور بها مسألة في غاية الأهمية، وهذا لن يتحقق بارتباك الموقف تجاه العملية السياسية والتفاوض المرتقب، لهذا فإن على المجلس الأعلى للدولة أن يبني موقفا واقعيا يأخذ في الاعتبار ضغوط المرحلة على أن يقنع أصحاب القضية وهم الجبهة السياسية والعسكرية والاجتماعية والمجتمعية التي ساهمت في التصدي للعدوان.

إن ترك الرأي العام العريض المناصر لجبهة الوفاق للأحداث والتطورات دون تقديم شرح أو تفسير مسبق، سيكون سلبيا وستترتب عليه نتائج ستضعف من جبهة الوفاق وتضعها أمام منعطف مشابه لما وقع في الصخيرات العام 2015م

**********

في حاجة ليبيا إلى توافقات دولية

بقلم عبد الباسط سيدا

ما تعيشه منطقتنا راهناً هو واقع أقرب ما يكون إلى حرب عالمية بمقاييس محلية، إذا صح التعبير، تشارك فيها القوى الدولية والإقليمية الأساسية. وما تتسم به هذه الحرب، مقارنة بغيرها، أنها تتم بالوكالة، وتعتمد على الجيوش غير النظامية، والمليشيات المحلية التي ترتكب كل الانتهاكات من دون أي محاسبة، مقابل التزامها بالمهام المطلوبة منها.

وتحقق هذه السمة للقوى الدولية والإقليمية المعنية أهدافاً عدة في الوقت ذاته، فهي أقل كلفة، خصوصا على صعيد العنصر البشري، ولا تحمّلها مسؤولية أخلاقية، على الرغم من أن الأخيرة قد باتت عديمة المعنى والجدوى أمام المصالح العارية لشركات السلاح والمافيات المتعدّدة الجنسيات؛ وأمام الحسابات الخاصة بالدول الكبرى التي تتحاشى الاصطدام المباشر.

لذلك يبقى تصارع هذه الدول وتنافسها مقصوراً على المنطقة الغنية بثرواتها، المتخلفة باقتصاداتها وفساد إداراتها وبؤس شعوبها.
وطالما أن هذه الحرب لا تكلف الدول المعنية، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية وتركيا، الضحايا البشرية، ولا تلزم دافع الضريبة، خصوصا في الولايات المتحدة، بتحمّل نفقات هذه الحرب التي تستخدم لضبط المعادلات، وتعزيز المواقع، استعداداً للتطوّرات والمتغيرات المستقبلية؛ فإن الحسابات الانتخابية لن تتأثر بها، وبالتالي لن تكون هناك خشية من أن تتأثر الخطط والحسابات العسكرية بضغوط الرأي العام.

يؤكد ما يجري اليوم على الأرض الليبية صحة التوقعات التي كانت قبل نحو عشر سنوات؛ أي منذ بدايات الثورة السورية، مارس/ آذار 2011، فقد كان الاعتقاد أن سورية ستكون مركز التنافس والصراع بين القوى الدولية والإقليمية، لأنها دولة مفتاحية في المنطقة؛ فهي تتشارك بحدود برية طويلة مع كل من تركيا والعراق في الشمال والشرق.

وفي الغرب تحيط بلبنان من جميع الأنحاء ما عدا جهة البحر. وفي الجنوب هناك الأردن و”إسرائيل”. وكان من الواضح، ومنذ اليوم الأول، أن الأخيرة لن تسمح بأي تغيير نوعي يهدّد أمنها الراهن والمستقبلي المحتمل، وأن هذا الموقف الإسرائيلي المتشدّد كان بالتنسيق والتفاهم مع الحليف الاستراتيجي، الولايات المتحدة.

وكان هذا الشرط هو الركيزة التي استند إليها التفاهم الروسي الأميركي الإسرائيلي الذي فتح الطريق أمام القوات الروسية للتدخل بقوة، خصوصا عبر سلاح الجو، في معركة النظام على السوريين المناهضين لحكم الاستبداد والفساد.

أما النظام الإيراني فقد استثمر كثيراً في علاقته مع النظام الأسدي بمرحلتيه؛ واعتبر سورية عقدة المواصلات الأساسية في مشروعه التوسعي، الممتد نحو البحر المتوسط. كما أنه اعتبر سورية، باستمرار، القاعدة الأهم التي ستمكّنه من الاحتفاظ بالهيمنة على العراق، دولة ومجتمعاً وثروات. أما الدور العربي في سورية، فلم يكن منذ اغتيال رفيق الحريري في لبنان عام 2005 مؤثراً.

وكانت التكتلات العربية، إذا جاز استخدام هذا التعبير، مشغولة بإدارة الأزمات في أقاليمها، وتعمل دولها على تلافي مخاطر الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية على أنظمة حكمها، فهي كانت مشغولة بأوضاعها الداخلية، فدول الخليج، مثلاً، كانت تواجه التحدّي اليمني، وتتحسّب لاحتمالات تفاعله مع دواخلها. هذا في حين أن الأوضاع في المغرب العربي كانت تعاني من تعقيدات وحساسيات كثيرة، خصوصا بعد اندلاع الثورة في كل من تونس وليبيا. أما مصر فكانت وما زالت مشغولةً بأوضاعها الداخلية.

واليوم نرى أن ما يحصل على الأرض الليبية إنما هو تأكيد للتوقعات التي كانت بشأن مآلات الوضعية السورية؛ وهي كانت مبنية على الوقائع، وقراءة إجمالية للواقع الإقليمي وتفاعلاته مع التوجهات الدولية.

ولعل من المفيد أن يُذكر هنا أن الصراع في ليبيا كان محتدماً منذ البداية بين توجهين إقليميين ودوليين، ولكنه لم يكن واضحاً معلناً كما حاله اليوم، فالوضع السوري كان يستقطب اهتمام الجميع، ويلقي بظلاله على تفاصيل المشهد الليبي. وربما كانت الآمال معقودة على إمكانية تفاهم ليبي – ليبي في سياق تفاهم إقليمي دولي، وقد تجسد ذلك في اتفاقية الصخيرات 2015، وتشكيل حكومة الوفاق 2016.

ولكن ما حصل لاحقاً أن تفاعلات الوضعين، السوري واليمني، والاصطفافات الجديدة بعد التفاهم التركي الروسي، وعودة العلاقات الدبلوماسية التركية الإسرائيلية، والتفاهمات الروسية التركية الإيرانية في إطار ما عرف بمسار أستانة، وأستانة سوتشي لاحقاً، ذلك كله أدّى إلى تصاعد وتيرة المجابهات في ليبيا، خصوصا بعد بيان اللواء المتقاعد المتمرد، خليفة حفتر، الذي “بشّر” بقرب السيطرة على العاصمة طرابلس خلال أيام، وتحت شعار “مكافحة الإرهاب”.

ويبدو أنه كان قد تلقى وعوداً من حلفائه، أو بتعبير أدق من داعميه بمؤازرة كبيرة، فوعدهم بنصر مبين سريع مضمون النتائج. ولكن حسابات البيت لم تتطابق مع حسابات السوق، كما يقول المثل الكردي؛ وتبين لاحقاً أن الإرادات الدولية والإقليمية لم تكن متوافقةً بخصوص سيطرة حفتر على كامل التراب الليبي.

فكان التدخل التركي القوي اللافت إلى جانب حكومة الوفاق، والذي لم يكن بالإمكان أن يحصل لولا ضوء أخضر أميركي. أما بواعث الموقف الأميركي هذا فهي عديدة، من أبرزها أن الولايات المتحدة ترى نفسها في أجواء توجه إيران نحو الصين، ملزمةً بضبط معادلات المنطقة وتوازناتها، في ظل المتغيرات الجديدة.

وما يستنتج من هذا أنه ليس من المعقول أن يضحّي الأميركيون بعلاقاتهم الاستراتيجية مع تركيا، على الرغم من كل التباينات المعلنة التي كانت، وربما ما زالت موجودة بين الطرفين.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الموقف الأوروبي المرتبك. بينما تعلن فرنسا معارضتها الصريحة للدور التركي في ليبيا، بناء على اعتبارات استراتيجية مفهومة؛ يُلاحظ أن الموقف الألماني هو بين بين، فالألمان ينتقدون الحكومة التركية، ولكنهم يستمرون في اتصالاتهم معها، بحثاً عن إمكانات الوصول إلى مخارج.

أما بقية الدول الأوروبية فهي مشغولة بأوضاعها الداخلية، في ظل تبعات جائحة كورونا المستمرة، والحسابات الانتخابية. وهذا الاضطراب في الموقف الأوروبي، في جانب منه، هو الحصيلة المنطقية لإخفاق الجهود التي كانت من أجل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وليس سرّاً في هذا المجال أن قوى أوروبية كانت أصلاً ضد دخول تركيا إلى الاتحاد استغلت، وتستغل، موضوع إخفاق الدولة التركية في الوصول إلى اتفاقٍ عادلٍ في القضية الكردية في تركيا. كما أن قضايا حقوق الإنسان التي تُحرّك عادة عند اللزوم كانت من بين الأدوات التي اعتمدتها القوى المعنية.
لدى تركيا اليوم أكثر من خيار، وعلى الأغلب يظل الخيار الأميركي هو الأرجح. أما الخطوات الأخرى الفرعية التي اتخذتها الحكومة التركية، على الصعيدين الداخلي والإقليمي، فهي تندرج ضمن حزمة الإجراءات الرامية إلى تعزيز الجبهة الداخلية، أو بتعبيرٍ أدق توسيع القاعدة الشعبية لحزب العدالة والتنمية، وضمان المحافظة عليها. وفي هذا السياق، يشار إلى الهجوم التركي على قواعد حزب العمال الكردستاني في كردستان العراق، وموضوع تحويل متحف آيا صوفيا جامعا، بالإضافة إلى إعادة طرح موضوع الإقليم المتنازع عليه مع أرمينيا، ناغورني قره باخ.

ومن الواضح أن المعارضة التركية وجدت نفسها في موقفٍ لا تحسد عليه، فهي تطرح نفسها من جهة بديلا عن نظام حكم “العدالة والتنمية” بقيادة الرئيس أردوغان؛ ولكنها، من جهة أخرى، لم تتمكن من مواجهة حجم التأييد الشعبي الكبير لخطوة الأخير بخصوص آيا صوفيا على سبيل المثال.

هذا على الرغم مما أثارته الخطوة من نقاشات ساخنة بين مؤيد ومعارض خارج تركيا. ولكن يبدو أن هذا الموضوع سيتم تجاوزه سريعا، وذلك بمعزل عن كل المحاولات التي كانت من أجل استغلال الحساسيات الدينية، لتسجيل نقاط سياسية هنا وهناك. ويبقى

السؤال: هل ستحدث المواجهة التركية المصرية على الأرض الليبية؟
ما نراه في أنه على الرغم من كل حملات الضجيج الإعلامي، لا تبدو في الأفق معطيات واقعية لمثل هذه المواجهة، وإنما هي ضغوط متبادلة، ورسائل داخلية، ومحاولة لتسجيل النقاط على المستويين، الإقليمي والدولي. ولكن في نهاية المطاف، لا بد من مخرج سياسي لكل ما يحصل.

والمخرج الأضمن هو الذي يراعي مصالح الليبيين ويحترم تطلعاتهم. ولن يتم هذا من دون توافق الليبيين أنفسهم على مشروع وطني ينقذهم جميعاً. هذا في حين أن العودة إلى العصبيات القبلية، والاستقواء بالخارج، من أجل تحقيق انتصار وهمي على الشقيق الشريك في الوطن والمصير، مؤدّاه فتح البلاد أمام الطامعين من مختلف الجنسيات والتوجهات والمحاور.

وليس مستبعدا، في هذه الحالة، أن تتكرر النسخة السورية من ناحية تقسيم البلد إلى مناطق نفوذ، قد تصبح ركائز تقسيم مستقبلي لن يكون مطلقاً في مصلحة الليبيين، ولا مصلحة الأمن والاستقرار في الإقليم المغاربي، وحوض البحر المتوسط على نطاق أوسع.

____________