Minbar Libya

بقلم إسماعيل القريتلي

من المتوقع أن تبقى الأزمة الليبية في حالة تأرجح نظرًا للشروط التعجيزية التي يطالب بها كل طرف ليبي منافسه؛ حيث بات من الصعب الانخراط في العملية السياسية بينهما قبل اختبار القدرة على فرض الشروط المتناقضة، فقبول أي طرف بشروط الآخر يعني اعترافه بالهزيمة.

منذ أن أعلن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في 20 يونيو/حزيران المنصرم (2020)، خط سرت-الجفرة خطًّا أحمر لم تتوقف التكهنات بشأن مدى تماسك هذا الخط أمام عزم حكومة الوفاق المدعومة من تركيا على بسط سيطرتها على مدينة سرت وقاعدة الجفرة، ثم التقدم شرقًا لاستعادة السيطرة على حقول وموانئ النفط في منطقة الهلال النفطي، التي أعلن حفتر استمرار إغلاقها بتأييد قَبَلي محلي وإقليمي مصري.

ورغم أهمية استعادة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا سيطرتها على أغلب مناطق الغرب الليبي فإنها بحاجة ملحَّة إلى استعادة السيطرة على الهلال النفطي؛ لتضمن تدفق صادرات النفط والغاز الأمر الذي يمكِّنها من تمويل موازنة الحكومة الملزمة بدفع مرتبات أكثر من 1.8 مليون موظف عمومي، إلى جانب توفير ولو الحد الأدنى من الخدمات الصحية والكهرباء والمياه والوقود إلى كل الليبيين.

أهمية خط سرتالجفرة

من الناحية الاقتصادية والأمنية، تمثل المنطقة الواصلة بين مدينة سرت بقاعدتها الجوية (القرضابية) مع قاعدة الجفرة الجوية الاستراتيجية التي تمتد إلى 300 كلم الحدود الفاصلة بين غرب وشرق ليبيا، والبوابة الغربية للهلال النفطي الذي يحوي النسبة الأعلى من خام النفط وموانئ تصديره.

إلى جانب ذلك، تمثل قاعدة الجفرة الجوية المطورة حديثًا قدرات عسكرية لوجستية متقدمة وموقعًا يتوسط إلى حدٍّ كبير الجغرافيا الليبية.

وتمنح السيطرة على هذا الخط إطلالة مرنة للمتحكم فيها تجاه الغرب والشرق والجنوب الليبي؛ فالطريق السريع الواصل بين سرت والجفرة، ثم الطريق الواصل بين الجفرة ومناطق ومدن الجنوب والغرب الليبي تمثل مجتمعة نقاط الاتصال الرئيسة بين أقاليم ليبيا الثلاث، ولذا تولي حكومة الوفاق أهمية خاصة لاستعادة السيطرة بهدف حماية وحدة التراب الليبي الذي يواجه بعض دعوات الانفصال أو فك الارتباط.

إلى جانب ذلك يمثل خط سرت-الجفرة مع منطقة الهلال النفطي أهمية بالغة للتطلعات الخارجية المتجهة للاستثمار في مجال إنتاج الطاقة وتصديرها، خاصة أن المنشآت النفطية هناك بحاجة إلى صيانة وتطوير ما يمنح شركات الطاقة ودولها فرصًا استثمارية كبيرة.

أطراف النزاع حول سرت والجفرة

محليًّا، تمثل حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا الطرف الرئيس الذي يسعى إلى استعادة السيطرة وفرض سلطته على المنطقة أمنيًّا واقتصاديًّا وإداريًّا. إلى جانب ذلك، فإن مدينة مصراتة ذات القوة العسكرية الأكبر في ليبيا تنظر إلى سرت على أنها امتداد لأمنها المحلي، يضاف إليها الحالة العاطفية للمقاتلين من مصراتة التي تمنحها لهم المدينة التي فقدوا فيها إبَّان حرب تحريرها من تنظيم داعش في 2017 أكثر من 700 مقاتل أغلبهم من الشباب المتطوعين.

في الشرق، يحاول خليفة حفتر ومؤيدوه المحليون أن تستمر سيطرتهم على خط سرت-الجفرة؛ لأنه يمنحهم مواصلة السيطرة على الهلال النفطي؛ الأمر الذي قد يمنحهم بعض أوراق التفاوض بعد هزائمه الكبيرة حول طرابلس مما سبَّب له خسارة أوراق تفاوضية رئيسة من بينها بسط سيطرته على أغلب جغرافية ليبيا ومحاصرته للعاصمة وتحكمه لعدة أشهر في الأجواء الليبية، وتلك الأوراق هي التي طارت به قبلًا إلى موسكو وبرلين، وقبلها إلى باريس وباليرمو الإيطالية وأبوظبي.

إقليميًّا، لا يمكن لتركيا أن تُفعِّل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع حكومة الوفاق، في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، إلا باستكمال سيطرة الأخيرة على الهلال النفطي، ثم التوسع شرقًا حتى الحدود مع مصر؛ إذ يمثل الساحل البحري الليبي بين مدينتي درنة وطبرق الحد البحري الاقتصادي بين تركيا وليبيا. وهذا يعني ضرورة عدم سقوط حكومة الوفاق أولًا، وهو ما حدث بعد هزيمة حفتر في غرب ليبيا، ثم مد سلطانها على طول الساحل الليبي ثانيًا.

والأمر ليس ببعيد عن مصر التي تتخوف من أمرين:

الأول: يتمثل في تمدد نفوذ الخصم التركي الأمني والسياسي والاقتصادي إلى حدودها الغربية، على الرغم من عدم إضرار اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا بالمصالح المصرية الاقتصادية بشكل مباشر،

الثاني: في استعادة حكومة الوفاق بسط سلطتها على كامل الأراضي الليبية بما يعني تمكُّن -ولو نسبيًّا- تيار الإسلام السياسي أو حركة الإخوان المسلمين من الحفاظ على نفوذها النسبي في ليبيا؛ الأمر الذي لا يخيف مصر فقط، بل من ورائها حليفتاها: الإمارات والسعودية.

دوليًّا، تبرز روسيا وفرنسا بشكل أساس في الصراع الليبي إلى جانب إيطاليا، ولعل هزيمة حفتر بالنسبة لروسيا تعني فقدانها الورقة التي منحتها المكانة الحالية في أي مفاوضات متعلقة بالحل النهائي في ليبيا؛ ما يجعلها قوة دولية مؤثرة في أزمات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية المتعلقة بوجودها في المياه الدافئة جنوب أوروبا، فضلًا عن التمكين لمشروعها السياسي في ليبيا القاضي بإعادة سيف القذافي، للمشهد السياسي في ليبيا.

أما فرنسا فلها مصالح اقتصادية ترتبط بشركة توتال، وعقود السلاح التي كانت قد أبرمتها مع القذافي، إلى جانب رغبتها في توسيع حضورها الاستراتيجي في الجنوب الليبي المطل على مناطق نفوذها الاستعماري التاريخي.

وتمثل ليبيا بالنسبة لإيطاليا إلى جانب المصالح الاقتصادية مع شركة إيني وتأمين إمدادات الغاز، إرثًا استعماريًّا لا تقبل المنافسة الفرنسية عليه؛ الأمر الذي دأب المسؤولون الإيطاليون على التصريح به.

أين تقف الولايات المتحدة؟

بعد غياب السياسة الأميركية لسنوات في ليبيا، ربما منذ تولي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مقاليد البيت الأبيض رسميًّا، في 20 يناير/كانون الثاني 2017، بدأت الولايات المتحدة تنكفئ على نفسها مع رفع شعار: أميركا أولًا، وظهر ذلك في انسحابها العسكري من مناطق عدة، إلى جانب انسحابها من العديد من الاتفاقات الدولية.

لكن الأمر تغير منذ بروز الدور الروسي في ليبيا، سنة 2018، من خلال دعم خليفة حفتر بالعتاد العسكري وطباعة العملة لصالح مصرف ليبيا المركزي الموازي في مدينة البيضاء شرقي ليبيا، ثم توسع هذا الدعم عن طريق السماح بانتشار مسلحي شركة فاغنر الروسية المقربة من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، منذ بدء حفتر عدوانه للسيطرة على طرابلس، في 4 أبريل/نيسان 2019، قبيل أيام من انعقاد الملتقى الليبي الوطني في غدامس للوصول إلى صياغة اتفاق سياسي نهائي بشأن مسائل الخلاف بين حفتر وحكومة الوفاق الوطني، وتتهم واشنطن شركة فاغنر بتوسيع حالة الفوضى في ليبيا.

وأهم ملامح التغيير في الموقف الأميركي ما صرَّح به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد اتصاله بنظيره الأميركي من أن سياسة البلدين متطابقتان؛ الأمر الذي فسره مراقبون بالاتفاق على رفض الوجود الروسي في ليبيا، أو توسع هذه الوجود على أقل تقدير إلى جانب منح أنقرة ضوءًا أخضر للتقدم إلى جانب حكومة الوفاق.

لكن لم يستطع المراقبون رسم حدود هذا التحرك: هل هي سرت الجفرة فقط، أم سرت وحدها، أم الذهاب حتى السيطرة على الهلال النفطي؟؛ لأن المعلومات التي تنشرها وسائل الإعلام تشير إلى أن الولايات المتحدة هددت حفتر بوجوب التأخر إلى مدينة إجدابيا، البوابة الشرقية للهلال النفطي؛ لإعادة تصدير النفط، وكذلك تشير المعلومات إلى أفكار أميركية أولية تقترح وضع منطقة الهلال النفطي تحت حماية دولية أممية أو أوروبية مؤقتة حتى الانتهاء من الاتفاق النهائي بين الليبيين.

من يطلق الرصاصة الأولى؟

يبدو أن الأمر وصل إلى انتظار من يطلق الرصاصة الأولى بعد أن أعلن طرفا الحرب المحليان استكمال استعدادهما لخوض الحرب هجومًا أو دفاعًا على خط سرت-الجفرة. والأمر كذلك بالنسبة للطرفين الإقليميين الرئيسين في هذه المواجهة المحتملة: تركيا ومصر اللتين لا تتوقفان عن التصريح، وكذلك العمل على استكمال استعدادهما لخوض المواجهة التي يصعب التكهن بمن سيبدأها، وإن كان المرجح أن حكومة الوفاق هي التي ستبدأ الهجوم؛ لأن حفتر وداعميه غير مستعدين سياسيًّا لإطلاق الرصاصة الأولى لأسباب تتعلق بضعف الموقف العملياتي لمصر؛ بسبب بُعدها عن خط التَّماس في سرت والجفرة (حولي 1000 كلم)، وانشغالها بأزمة سد النهضة مع إثيوبيا، في مقابل استكمال تركيا لاستعداداتها العسكرية والعملياتية سواء بنشر آلاف المقاتلين السوريين والليبيين غربي سرت والجفرة، أو بتثبيت مضادات الطائرات وأجهزة التشويش ونشر طائرات بيرقدار (TB2) والبوارج والغواصات، فضلًا عن الخبرة القتالية الفعلية للجيش التركي، والعقيدة العسكرية لديه، التي توسِّع من مفهوم جغرافية الأمن القومي الاستراتيجي لتركيا.

في المقابل، لا تبدو مصر مستعدة لإطلاق الرصاصة الأولى رغم تصنيف جيشها بأنه الأقوى في المنطقة، إلا أن الجاهزية القتالية غير مختبرة عنده، ولغياب الاستعدادات الميدانية داخل الأراضي الليبية مع وجود مسافة إمداد طويلة ليست فقط على خطوط الإمداد البرية بل والجوية كذلك، وأخيرًا، أزمتها المزمنة مع إثيوبيا المتعلقة بسد النهضة.

معركة أم حرب؟

ربما يحدد الموقف الأميركي غير الواضح بشكل كامل إن كانت المواجهة في سرت والجفرة ستكون معركة يُقصد بها تثبيت خط وقف نار يحقق عدة أهداف أهمها كبح جماح روسيا، وإعادة فتح المنشآت النفطية في منطقة الهلال النفطي للإنتاج والتصدير، ثم الذهاب في حوار سياسي شامل ينهي الانقسام السياسي في ليبيا، ويحدد آليات توزيع عوائد الصادرات النفطية، ومراقبة أوجه صرفها من قبل الأمم المتحدة.

وهذا في حدِّ ذاته يحقق الأهداف التركية من التدخل في ليبيا المتعلقة بتثبيت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، ومن ثم البدء لاحقًا في عمليات التنقيب عن النفطـ فيها، إلى جانب الحصول على حصة مرضية من عقود إعادة الإعمار في ليبيا.

غير أن أي ضبابية في الموقف الأميركي المتأثر بمعركة مواجهة وباء فيروس كورونا المستجد، والحملة الانتخابية المتعثرة بسبب الجائحة، والجمود التقليدي للسياسية الأميركية في السنة الانتخابية، قد تشعل حربًا لا تقف عند معركة السيطرة على خط سرت-الجفرة، بل تمتد لأوسع نطاق ممكن؛ الأمر الذي قد يغري أطرافًا أخرى، مثل: روسيا وفرنسا، بتوسيع حضورها العملياتي في تلك الحرب المحتملة.

يبقى التوقع الأرجح أن الأزمة في ليبيا يصعب الانتقال بها إلى حدِّ العودة إلى العملية السياسية قبل الخروج من عنق الزجاجة الذي تقف على طرفه الغربي حكومة الوفاق وتركيا، وعلى طرفه الشرقي قوات حفتر ومصر وروسيا؛ لأن مستوى الخلافات على من يملك الشرعية بين الأطراف المتنازعة، والشروط التعجيزية التي يطالب بها كل طرف تجعل من الصعب الانخراط في العملية السياسية قبل اختبار القدرة على فرض الشروط المتناقضة، فقبول أي طرف بشروط الآخر تعني اعترافه بالهزيمة.

_____________