بقلم محمود جمال

في دراسة شاملة سابقة نشرها المعهد المصري للدراسات بعنوان “الدور المصري في ليبيا: المحددات والمسارات” تحدثنا عن أن احتمالية تدخل الجيش المصري بشكل مباشر ومعلن  في الساحة الليبية بدأت تزداد عن ذي قبل؛

الجزء الأول

تم ربط هذا التدخل المصري المحتمل بفشل إيجاد مسار سياسي لحل الأزمة، واندلاع معارك تخوضها حكومة الوفاق ضد مليشيات خليفة حفتر للسيطرة على سرت والجفرة، ذلك الخط التي توقفت عنده قوات حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، بعد تحريرها لعدة مناطق في غرب ليبيا كانت تسيطر عليها مليشيات خليفة حفتر خلال الأشهر الماضية.

وبمتابعة المستجدات المستمرة في الملف الليبي، لم تظهر نتائج لأي تحرك سياسي جاد، سواء كان دوليا أو إقليميا لمحاولة تجنب حالة الصراع في الداخل الليبي، ولم تخرج إلى العلن أية مبادرة سياسية، دولية كانت أو إقليمية، لجمع طرفي الصراع الليبي على طاولة المفاوضات، بخلاف المبادرة المصرية التي طرحها عبد الفتاح السيسي خلال شهر مايو 2020م، ولم تحظَ بالقبول من قبل حكومة الوفاق.

وبمتابعة الأوضاع في الداخل الليبي، يظهر أن حكومة الوفاق ما زالت متمركزة عند خط سرت – الجفرة والذي كانت توقفت عنده بعد تحرير عدة مناطق في الغرب الليبي خلال الشهور الماضية، ولكن بالرغم من هذا فقد قُصفت قاعدة الوطية التي تقع الان تحت سيطرة حكومة الوفاق الشرعية خلال الأيام الماضية عدة مرات من قبل طيران حربي لم يعلن تبعيته لأي جهة.

ولكن كشفت تقارير إعلامية مؤخرا،  وفقا لمصدر خاص في رئاسة الجمهورية التركية، بأن من قام بقصف قاعدة الوطية هي روسيا وليست مصر او الإمارات أو فرنسا، وأفاد المصدر أن القصف يبدو أنه تجنب التجهيزات التركية إلا أن أنباء أخرى أفادت أن القصف نتج عنه خسائر لبعض منظومات الدفاع الجوي التركية.

وقوبل قصف قاعدة الوطية التي تسيطر عليها قوات حكومة الوفاق، بقصف على قاعدة الجفرة والتي تتركز فيها قوات “فاغنر” الروسية ومليشيات خليفة حفتر، وقد نفت قوات حكومة الوفاق مسئوليتها عن ذلك القصف.

وبخلاف هذا، فقد شهد الملف الليبي عدة تطورات جديدة منذ نشر المعهد المصري للدراسة السابق الإشارة إليها، نرصدها ونحللها في هذه الدراسة، على النحو التالي، وذلك بهدف تقييم إمكانية التدخل المصري عسكرياً بشكل واسع النطاق في المرحلة المقبلة.

أولاً: تطورات مواقف نظام السيسي والقوى الداعمة لحفتر:

كما تحدثت دراسة المعهد المصري المذكورة سابقاً، فإن هناك عددا من المحددات التي تحكم السياسة المصرية تجاه ليبيا، منها محددات كانت سائدة منذ بداية دعم السيسي لخليفة حفتر في 2014م، ومنها محددات طرأت بناء على تطورات الأحداث في الداخل الليبي، على سبيل المثال التدخل التركي في الساحة الليبية دعماً لحكومة الوفاق، ومنها أيضاً محددات تتعلق بالبلدين بصرف النظر عمن يكون في سدة الحكم من الطرفين.

من أهم تلك المحددات التي تحكم سياسة مصر في التعامل مع الملف الليبي التي ذكرناها، هو محدد “الأمن القومي المصري” أو “أمن النظام”؛ فليبيا تمثل عمقاً استراتيجياً لمصر نظراً لموقعها الجغرافي المجاور من الحد الغربي الاستراتيجي، ولذلك فإن عدم استقرار الأوضاع داخل الأراضي الليبية يعتبر تهديداً مباشر اً للأمن القومي المصري.

وبشكل عام، فإن الأوضاع في ليبيا ستكون محل اهتمام أي نظام يحكم مصر، بغض النظر عن خلفياته وتوجهاته، وسيعمل هذا النظام من باب مصلحة الأمن القومي المصري على دعم وحفظ الاستقرار داخل الأراضي الليبية بشكل كامل، وهو ما أفادت بعض التصريحات الرسمية التركية مؤخراً بتفهم مقتضياته.

لكن على الجانب الأخر، فإنه في الدول غير الديمقراطية، يجري الخلط بين الأمن القومي للبلاد وأمن النظام إلى حد المساواة بين الأمن القومي للدولة (كيان، مؤسسات) وشخص الحاكم. لذا، فإن الإكثار من استخدام هذا المصطلح في مثل هذه الدول إنما يشير إلى الإجراءات التي من شأنها إبقاء الحاكم في السلطة، وحماية سلطته في حكم البلاد حتى لو تعارض ذلك مع المصلحة الوطنية أو أدى ذلك إلى انهيار الدولة أو تهديد عوامل بقائها، كما حصل في الكثير من البلدان العربية حتى الآن. 

ومن هذا المنطلق، فإن السيسي ينظر إلى ليبيا من خلال الخلط المتعمد بين الأمن القومي المصري وأمن نظامه الشخصي، وهذا من أهم محددات التعامل المصري الحالي مع الأوضاع في ليبيا. فنظام السيسي ينظر إلى الأراضي الليبية على أنها بيئة حاضنة للتيارات المسلحة التي تهدد أمن نظامه في حال سيطرة مشروع آخر غير مشروع حفتر على كامل الأراضي الليبية، أو حتى على الأقل على المنطقة الشرقية، تخوفاً من التهديدات المحتملة التي قد ترشح عن مثل هذا الوضع، وخاصة أن تواجد هشام عشماوي وعماد عبد الحميد (الضابطين السابقين في الجيش المصري الذين قادا تمردا مسلحا ضد النظام) فى مدينه درنه لسنوات زاد من تلك التخوفات.

ولذلك، فالسيسي لا يبدو أنه ينوى التنازل عن مشروع حفتر بالسيطرة على كامل الأراضي الليبية، وحتى إن لم يستطع الأخير السيطرة على الأراضي الليبية بالكامل، فلن يكون هناك مانع لدى السيسي أن يتم تقسيم ليبيا شرقاً وغرباً، لكي يحافظ على أمن نظامه. أما مقتضيات الأمن القومي المصري الحقيقية فتحتم أن تكون الأراضي الليبية موحدة تحت قيادة مركزية وطنية مسيطرة؛ ولكن عندما يفشل حفتر في تنفيذ مشروعه، فسيجعل السيسي أمن نظامه مقدماً على مصلحة الأمن القومي المصري.

في الوقت الراهن، لا توجد أية بادرة لحل سياسي للملف الليبي، وبناء على التطورات العسكرية داخل ليبيا خلال الأيام الماضية، يبدو أن احتمالية نشوب عمليات عسكرية بين أطراف الصراع متزايدة خلال الفترة المقبلة؛ ومما أعطى الجيش المصري خلال الأيام الماضية مبرراً للقيام بعدة تدريبات عسكرية على الجانبين الغربي والشمالي القريب من الحدود المصرية الليبية خلال شهر يوليو 2020م، وعلى رأس تلك التدريبات جاءت تدريبات حسم 2020 والتي شاركت فيها كافة أفرع الجيش المصري “برية- جوية- بحرية”. 

بالإضافة الى ذلك، كما نقلت مصادر عسكرية خاصة، فهناك حشد عسكري بري وجوي وبحري مصري ناحية الاتجاهين الاستراتيجيين الغربي والشمالي بالقرب من الحدود الليبية بشكل مكثف في الوقت الراهن، سواءً في قاعدة محمد نجيب العسكرية بمدينة الحمام، أو قاعدة سيدي براني قرب الحدود، وذلك تحسباً لأي طارئ قد يدفع الجيش المصري للتدخل المعلن في ليبيا.

وكما نقلت مصادر خاصة، فخلال الأيام الماضية تم نقل كميات كبيرة من دفاعات ومنظومات الدفاع الجوي للجيش المصري تجاه الحدود المصرية -الليبية، فضلا عن معلومات بتواجد وحدات غير مصرية في تلك المواقع.

وكما كشف الناشط والمراسل الحربي إبراهيم قصودة، خلال شهر يوليو 2020، فإن قوات عسكرية مصرية وصلت صباح يوم الاثنين الموافق 12 يوليو 2020، لمعسكر القاطع الحدودي سابقاً ومنطقة الخليج العسكرية بمنطقة إجدابيا؛ وحسب المراسل، فإن هناك دفعة قوات مصرية أخرى أُرسلت إلى سرت.

وكما نقلت لنا مصادر خاصة، فإن هناك مجموعة من الضباط والجنود المصريين من المجموعة 129 صاعقة “ك 13” المتواجدة في محافظة الإسكندرية بالنطاق الاستراتيجي الشمالي المصري، عبرت إلى الأراضي الليبية خلال الفترة الماضية لتقديم شكل من أشكال الدعم العسكري لمليشيات خليفة حفتر.

وخلال شهر يوليو 2020م، رصدت قوات حكومة الوفاق الليبية، وصول إمدادات عسكرية قادمة من مصر إلى مدينة طبرق شمال شرقي ليبيا. ونشر المركز الإعلامي للجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق، صور لسيارات نقل مخصصة لحمل الأسلحة والعتاد الحربي.

لم يكثف الجيش المصري فقط من تواجده قرب الحدود المصرية الليبية، بل عملت الدول الأخرى الداعمة لحفتر أيضا على حشد قواتها في سرت والجفرة تحسباً للمعارك القادمة فى حالة فشل حدوث عمليه سياسية بين أطراف الصراع.

وكما صرح الناطق باسم قوات حكومة الوفاق العقيد طيار محمد قنونو يوم الجمعة الموافق 26 يونيو 2020م، فقد وصلت أنظمة روسية جديدة مضادة للطائرات إلى ميليشيات خليفة حفتر في مدينة سرت، وأكد أن “6 عربات (بانتسير) مضادة للطائرات وصلت إلى سرت، قادمة من روسيا”، وأشار قنونو إلى أن “أكثر من 11 رحلة لطائرات شحن روسية هبطت بمطار القرضابية جنوب مدينة سرت”، وأشار قنونو أيضاً إلى أن الطائرات الروسية كان على متنها مرتزقة سوريون وأسلحة وذخائر.

كما أفادت بعض المصادر أن قوات حفتر تحشد مرتزقة من السودان وتشاد في جنوب إجدابيا وأرسلتهم إلى مدينة سرت، فضلا عن تواجد مجموعات من المرتزقة داخل الموانئ النفطية. وأشارت مصادر أخرى يوم 28 يونيو 2020م، أن قوات مرتزقة فاغنر ومرتزقة سوريين تنصب منصات صواريخ سكود في منطقة جارف في سرت، وتوقعت تلك المصادر أن تستهدف هذه الصواريخ مدينة مصراته إلى الغرب.

كما أكدت تقارير إعلامية صدرت مؤخرا وتم تأكيدها عن طريق صور أقمار صناعية واضحة بأن شهر يونيو شهد إرسال طائرات روسية من طراز سوخوي 24 وميج 29 وطائرات شحن عسكرية من طراز إليوشن 76 وطائرات استطلاع، فضلا عن تحديث وحدات الدفاع الجوي في قاعدة الجفرة الجوية.

وفي سياق أخر لما قد يشير أن الأيام المقبلة ستشهد تطورات عسكرية على الأرض، أكد العميد إبراهيم بيت المال قائد غرفة عمليات تحرير “سرت- الجفرة” بأن قوات حكومة الوفاق استكملت كل التجهيزات لبدء عملية تحرير مدينة سرت، وتنتظر فقط قرار إشارة البدء من قبل حكومة الوفاق.

وفي وقت سابق، نشرت غرفة عملية “بركان الغضب” التابعة لحكومة الوفاق الوطني صورا قالت إنها لحشود لقوات حفتر بعربات مسلحة ومنظومتي دفاع جوي من نوع “بانتسير” روسية الصنع، وأضافت عملية “بركان الغضب” أن هذه التعزيزات العسكرية لقوات حفتر متجهة إلى مدينة سرت، التي تسيطر عليها قوات حفتر المدعومة بمرتزقة شركة “فاغنر” الروسية، والجنجويد وسوريين.

البقية في الجزء الثاني

__________