بقلم محمود جمال

في دراسة شاملة سابقة نشرها المعهد المصري للدراسات بعنوان “الدور المصري في ليبيا: المحددات والمسارات” تحدثنا عن أن احتمالية تدخل الجيش المصري بشكل مباشر ومعلن  في الساحة الليبية بدأت تزداد عن ذي قبل؛

الجزء الثاني

ثانياً: تطورات مواقف حكومة الوفاق وتركيا

فى 11 يوليو 2020م، أعلن الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني أنه سيعزز منظومته الدفاعية استعدادا لمعركة محتملة في مدينة سرت، وأضاف أنه سيشكل قوة مشتركة لتأمين المنطقة الغربية عقب طرد مليشيات خليفة حفتر منها؛

وقال آمر غرفة عمليات سرت والجفرة، التابعة لحكومة الوفاق، العميد إبراهيم بيت المال أن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج وقادة عسكريين اتفقوا خلال اجتماع عُقد يوم السبت الموافق 11 يوليو 2020م، في طرابلس على زيادة الدعم الفني لمحاور القتال غرب سرت، وتحسين المنظومة الدفاعية بشكل أكبر وأوسع، وأضاف بيت المال أن ذلك جاء بعد رصد تعزيزات لقوات حفتر في المنطقة الواقعة بين سرت (450 كيلومترا شرق طرابلس) والجفرة.

وأعلن الجيش الليبي أن السراج بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي ناقش مع آمري المناطق العسكرية الغربية وطرابلس والوسطى، وآمر غرفة عمليات سرت – الجفرة؛ يوم السبت الموافق 11 يوليو 2020م، الوضع العسكري في البلاد بشكل عام، وجاهزية القوات في مختلف المناطق، وسير العمليات في منطقة سرت–الجفرة، إضافة إلى مراجعة إجراءات تأمين المناطق المحررة.

وبحث الاجتماع تنظيم المؤسسة العسكرية، وآليات تنفيذ برنامج دمج واستيعاب التشكيلات العسكرية المساندة، وبرامج تطوير القدرات العسكرية الدفاعية لقوات الوفاق، في إطار برامج الشراكة مع عدد من الدول.

وعُقد اجتماع السراج والقادة العسكريين في وقت تواصِل فيه قوات حكومة الوفاق تعزيز قواتها غرب مدينة سرت تحسبا لمعركة يقول ناشطون ليبيون إنها على الأبواب. كما يأتي ذلك في مقابل استمرار قوات حفتر في تعزيز مواقعها بالمدينة، مدعومة بمجموعات مسلحة سودانية وتشادية، بالإضافة إلى المرتزقة الروس من شركة “فاغنر”.

الجانب التركي، وهو الداعم الأهم لحكومة الوفاق الشرعية، ما زال حاضراً في المشهد الليبي وبقوة، فخلال شهر يوليو 2020م، قام وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بزيارة إلى العاصمة طرابلس وكان برفقته رئيس الأركان يشار غولر، وقائد القوات البحرية الأدميرال عدنان أوزبال؛ وأكد وزير الدفاع التركي أثناء الزيارة مضي بلاده في الوقوف إلى جانب حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليًّا.

 من جهته، جدد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو موقف بلاده الداعم لحكومة الوفاق، وقال إن الحكومة الليبية لا تقبل وقف إطلاق النار في ليبيا إلا في حال انسحاب مليشيا حفتر من سرت والجفرة، والعودة إلى خط اتفاق الصخيرات، وحذر أوغلو في مقابلة مع صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية من أن تصعيد التوتر قد يؤدي إلى نشوب صراع مباشر بين القوات الأجنبية الداعمة لمختلف الأطراف في لبيبا.

كما صرح الرئيس رجب طيب أردوغان بعد تصريحات السيسي أثناء اجتماعه بشيوخ قبائل ليبيا، وقال إن خطوات النظام المصري في ليبيا ووقوفها إلى جانب حفتر الانقلابي تدل على أنها تسلك نهجا غير مشروع، وأضاف الرئيس أردوغان “مسؤولياتنا في ليبيا ستستمر كما كانت ولن نترك الليبيين وحدهم”.

في حين قالت وسائل إعلام تركية منذ أيام أن القوات البحرية التركية أعلنت اعتزامها إجراء مناورات بحرية قبالة سواحل ليبية عدة، أطلق عليها “نافتيكس”. وتتضمن المناورات، التي سُتجرى في غضون الأيام المقبلة، تدريبات ضخمة للقوات الجوية والبحرية.

إلا أنه في المقابل كشفت تقارير صحفية عن مصادر مصرية مطلعة عن سعي الحكومة التركية لتجنب وصول الخلافات مع مصر إلى مرحلة الصدام، و كشفت هذه المصادر عن استضافة الخارجية المصرية لوفد تركي في 27 يونيو الماضي، وسط تكتم إعلامي، حيث ضم الوفد دبلوماسيين و مسئولين أمنيين رفيعي المستوى، و بحث الوفد مع مسئولين مصريين عددا من قضايا الخلاف بين الجانبين، و على رأسها الأزمة الليبية، و اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة و طرابلس، و وفق المصادر، فإن أنقرة سعت من وراء اللقاء إلى تبديد مخاوف القاهرة بشأن الاتفاق، و أن تدخلها عسكريا لدعم حكومة طرابلس لن يمس أمنها القومي.

إلا أن المتابع للتصريحات الرسمية المصرية والتغطية الإعلامية في وسائل الإعلام المعبرة عن النظام، لا تعكس أي استعداد لتقبل مثل تلك المحاولات التركية، على الرغم من أن بعض الأجهزة الرسمية البيروقراطية والسيادية في مصر قد تكون مرحبة بالتوجه التركي، لكن السيسي ونظامه المسيطر على منظومة الحكم لا يبدو مستعدا لأي تفاهم مع تركيا.

ثالثاً: التطورات المحتملة في المرحلة المقبلة

خلال الشهور الماضية طبقت قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، عسكرياً بامتياز في المناطق الغربية تكتيكات مراحل الحرب الثلاث خلال فترة قصيرة، فانتقلت تدريجياً من مرحلة الاستنزاف (الدفاع الاستراتيجي) إلى مرحلة التوازن (التوازن الاستراتيجي) ثم مرحلة الحسم (الهجوم الاستراتيجي)، وخلال الشهور الماضية سيطرت قوات الوفاق على مساحات كبيرة كانت تسيطر عليها ميليشيات خليفة حفتر.

 ويرى خبراء عسكريون أن توقف قوات حكومة الوفاق عند خط سرت–الجفرة لبعض الوقت متفهَّم عسكرياً، لأن قوات حكومة الوفاق كلما سيطرت على أراضي جديدة، تحتاج إلى تجهيزات إضافية من مضادات طائرات ومنظومات دفاع جوي وتسليح بري لإحكام السيطرة على الأراضي المحررة والدفاع عنها من أي هجوم مضاد جوي أو بحري، وسيحتاج هذا من حكومة الوفاق لبعض الوقت، و يدعم هذا الرأي أن القوات الحكومية كانت قد سيطرت على قاعدة الوطية ونشرت بمحيطها منظومات دفاع جوي بشكل مكثف لتأمينها، لكى تتجنب أي أعمال عدائية ضدها وتحافظ على ذلك المكتسب الهام، إلا أن القاعدة وهذه المنظومات تعرضت لقصف جوي من عناصر “مجهولة”، مما يشير إلي صعوبة توفير الحماية الكاملة للقاعدة في الوقت الراهن.

إن عنصر المباغتة في العمل العسكري عنصر هام، وتكتيك الهجوم الاستراتيجي في المعارك يحتم استغلال التفوق الميداني لاكتساب أراضي جديدة في حالة القدرة والاستطاعة، ولذلك فإن توقف قوات حكومة الوفاق وعدم تقدمها لخوض معارك للسيطرة على سرت قد يشير بالفعل إلى أنها حاولت استغلال مكاسبها العسكرية في فرض عملية تفاوض سياسي لصالحها، على الأقل في الوقت الراهن.

 لذلك من الوارد أن يكون توقف حكومة الوفاق المدعومة تركياً عند ذلك الحد، كان بغرض السيطرة على سرت والجفرة ودخولها عن طريق التفاوض السياسي لتجنب  الدخول فى معارك عسكرية أخرى  قد لا تكون نتيجتها محسومة بشكل كامل، ويمكن أن يكون انسحاب مسلحي شركة فاغنر الروسية من سرت (450 كيلومترا شرق طرابلس) في اتجاه موانئ الهلال النفطي التي تقع شرقا وتخضع لسيطرة قوات حفتر خلال الأيام الماضية قد يشير الى تلك التفاهمات .

ولكن من وجهة نظرنا، وكما نقل بعض العسكريين، فإنه لا توجد أية بوادر  عسكرية فعلية على الأرض تشير الي أن هناك تفاهمات جادة نتج عنها اتفاق بين الأطراف المتصارعة في الداخل الليبي، وأن سحب قوات فاغنر ما هو إلا إعادة تموضع وانتشار وتوزيع أدوار بين القوات والمليشيات الداعمة لخليفة حفتر في مناطق الاشتباك المحتملة، وقد يكون إغراء حكومة الوفاق والجانب التركي الداعم لها بإمكانية الحل السياسي من قبيل الخداع لكسب الوقت لاستكمال تجهيزات تزيد من صعوبة السيطرة على سرت والجفرة.

كما أفادت المعلومات عن بعض تلك التجهيزات و التي تم استعراضها سابقا في هذه الورقة، أو حتى الاستفادة بالوقت للتجهيز لهجوم مضاد على المناطق المحررة في الغرب (يرجع إلى الدراسة الشاملة للمعهد و التي تم الإشارة إليها سابقا، و التي أفادت باحتمال أن تكون السيطرة على المنطقة الواقع فيها حقل الشرارة النفطي جنوبا، جزء من عملية تطويق واسع للأراضي المحررة في الغرب بتشكيل قوس يمر بسرت–الجفرة–أوباري).

وتشير القراءة الأولية للأوضاع الراهنة في الداخل الليبي إلى أن هناك تأزم في إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية خلال تلك المرحلة، ولذلك فإن احتمالية اندلاع معارك قادمة بين حكومة الوفاق ومليشيات خليفة حفتر للسيطرة على سرت والجفرة، والتي يراها النظام المصري خطا أحمر، تزداد بشكل كبير خلال الفترات المقبلة، وهو ما يفسر الحشد العسكري المكثف في الوقت الراهن لكافة الأطراف الدولية والإقليمية المتواجدة في الداخل الليبي.

وربما ما صرح به أنور قرقاش وزير الدولة للشئون الخارجية الإماراتية منذ أيام يشير الى ذلك، فقد كتب “قرقاش” على حسابه على موقع تويتر “طبول الحرب التي تقرع حول سرت في ليبيا تهدد بتطور جسيم وتبعات إنسانية وسياسية خطيرة”.

ومن ناحية أخرى، يعمل نظام السيسي من الآن على إيجاد المبرر الذي يشرعن دخوله في المعترك الليبي خلال المرحلة القادمة في حالة تدهور الأوضاع ونشوب معارك قادمة بين حكومة الوفاق ومليشيات خليفة حفتر المدعومة مصرياً للسيطرة على سرت والجفرة؛

و في هذا السياق خرج عدد من البيانات المتكررة التي يصدرها رئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، والتي كان آخرها منذ أيام وجاء فيها “للقوات المسلّحة المصرية التدخّل لحماية الأمن القومي الليبي والمصري إذا رأت أنّ هناك خطراً داهماً وشيكاً يطال أمن بلدينا”، ووصف البيان مصر بأنها “عمق استراتيجي لليبيا على كافة الأصعدة، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية على مرّ التاريخ”.

لم يقف الأمر على ذلك فقط بل يعمل النظام المصري على استغلال كل أوراقه في الداخل الليبي ليشرعن ما هو محتمل مستقبلاً من التدخل العسكري المصري، فقام نظام السيسي يوم الأربعاء الموافق 15 يوليو 2020م، باستقبال وفد من المجلس الأعلى لشيوخ وأعيان القبائل الليبية على متن طائرة خاصة قادمة من بنغازي. وكما تناولت الصحف المصرية المؤيدة لنظام السيسي، فإن هذه الزيارة تزامنت مع دعوة مجلس برلمان طبرق الجيش المصري للتدخل العسكري في ليبيا لحماية الأمن القومي المصري والليبي، لتأييد ذلك الأمر في حال حدوثه. 

استقبل السيسي وفد القبائل يوم الخميس الموافق 16 يوليو 2020م، والكلمات التي تحدث بها السيسي أثناء اللقاء تشير أيضاً الى استنفار النظام المصري وتأكيده على التدخل المصري المعلن في حال فشل الحل السياسي بين أطراف الصراع، وفي حالة تجاوز خط سرت– لجفرة من قبل قوات حكومة الوفاق كونه سيسبب تهديدا للأمن القومي المصري كما صرح السيسي أثناء اللقاء.

حرص السيسي في حديثه لشيوخ قبائل ليبيا على إظهار قوة الجيش المصري وجهوزيته للتدخل العسكري في ليبيا حيث قال “إنه بالرغم من قدرة مصر على تغيير المشهد العسكري، بشكل سريع وحاسم حال رغبتها في ذلك، وأن لديها أقوى جيش في المنطقة وفي أفريقيا، لكن هذا الجيش رشيد جدًا ولا يعتدي ولا يغزو خارج أراضيه”، وظل السيسي يؤكد طوال حديثه مع شيوخ قبائل ليبيا على أن النظام المصري لن يسمح بانتقال المعارك أو “الفوضى” الى مناطق الشرق الليبي،.

وأكد السيسي أثناء حديثه على أن الجيش المصري سيلبي نداء برلمان طبرق في حال تدهور الأوضاع، أو كما قال السيسي “إن تستنصروا بنا فسننصركم”، وكل هذا يشير إلى جدية التدخل العسكري المصري في حالة تجاوز سرت والجفرة ونقل المعارك الى مدن الشرق الليبي، لأن هذا يعتبره السيسي تهديداً لأمنه الشخصي وأمن نظامه، والمتابع للإعلام المصري يلحظ تحشيداً واضحاً لمعركة قادمة تتزايد احتمالاتها لمواجهة ما يطلق عليه في الإعلام المصري “الاحتلال التركي العثماني” لليبيا.

التوافق السياسي في الوقت الحالي في حالة تأزم؛ ومع احتمال فشل الوصول إلى حل سياسي، فقد ينفجر الموقف في أي لحظة، مما سيترتب عليه جر الجيش المصري إلى مستنقع صراع لا يمكن على الإطلاق التنبؤ بعواقبه، ليس فقط على مستوى ليبيا، ولكن على الداخل المصري أيضا بشكل كبير.

البقية في الجزء الثالث

________________