Minbar Libya

بقلم محمود جمال

في دراسة شاملة سابقة نشرها المعهد المصري للدراسات بعنوان “الدور المصري في ليبيا: المحددات والمسارات” تحدثنا عن أن احتمالية تدخل الجيش المصري بشكل مباشر ومعلن  في الساحة الليبية بدأت تزداد عن ذي قبل؛

الجزء الثالث

رابعاً: دوافع وكوابح التدخل العسكري المصري

من واقع تحليلاتنا السابقة، فهناك عدة دوافع تدفع السيسي للتدخل العسكري المعلن والواسع في ليبيا في الوقت الراهن، وفى المقابل أيضاً هناك عدة كوابح قد تجعله لا يخطو خطوة كتلك حتى لا يكون هناك مردود سلبي على نظامه بسبب هذا التدخل، وسنستعرض في السطور القادمة كلا الأمرين:

1-الدوافع:

أ– أمن النظام:

فالسيسي كما ذكرنا سابقاً يتعامل مع الملف الليبي كونه يمثل بعداً لأمنه الشخصي وأمن نظامه، ونقل المعارك إلى أراضي الشرق من الغرب يعتبره السيسي تهديدا مباشراً كما صرح مراراً، مما يمكن أن يدفعه إذا قدر أن الموقف العسكري سيترتب عليه تهديد لأمن نظامه حال انهيار منظومة حفتر أمام قوات الوفاق.

بلُحمة الصف الداخلي:

يعاني السيسي من عدة مشاكل وأزمات داخلية بسبب سوء إدارته لبعض الملفات السياسية والاقتصادية، وتتواجد داخل المؤسسات السيادية أطراف معارضة له ولنظامه، وتحاول تلك الأطراف الضغط على النظام طوال الفترة الماضية لتحقيق عدة مكاسب، وفي أوقات الحروب تحدث حالة وطنية وتجنب للصراعات البينية، وقد يكون فتح الجبهة الليبية دافع هام للسيسي في الوقت الحالي لتحشيد المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية الأخرى وإسكات الأصوات المعارضة.

جخطة للهروب إلى الأمام:

الوضع المحلي المصري يشهد حالياً العديد من الصعوبات الاقتصادية والأمنية، ومن المرجح أنها ستزداد سوءًا نتيجة الأثار الصحية والاقتصادية المترتبة على سوء التعامل مع أزمة جائحة “كورونا”، فضلاً عن ملف سد النهضة، مما قد يترتب عليه اشتعال احتجاجات واسعة النطاق.

وفي ضوء ذلك، ومع تدهور الأوضاع في ليبيا وتأزم مشروع حفتر بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة، والذي سيعتبره النظام تهديدا مباشرا على أمنه واستقراره، فقد يعمل نظام السيسي على التدخل العسكري بشكل أكبر في الملف الليبي كخطة للهروب من الوضع الداخلي المتأزم، وإشغال الرأي العام المصري بقضية أخري، وهي الدفاع عن الأمن القومي المصري الذي يتعرض للخطر بناء على سيطرة “المسلحين المتطرفين” على الشرق الليبي كما يردد السيسي، وهذه هي استراتيجية نظام السيسي، “الأمن أولاً”.

ويستغل السيسي الأحداث الجارية كفزاعة لتخويف وإشغال الراي العام المصري بقضايا أخرى، تماماً كما يتعامل النظام مع الأحداث الجارية في سيناء لإثبات أن الدولة تحارب “إرهاب عنيف” مدعوم إقليمياً ودولياً، وأن الدولة تعمل ليلاً ونهاراً لمكافحة هذا “الإرهاب”، وبالتالي فأي حالة إخفاق في الملفات الأخرى (الاقتصادية على سبيل المثال) فإنها تهون، ويجب على الشعب تحملها وفقا لاستراتيجية “الأمن أولاً”، خاصة و أن النظام فقد القدرة الحقيقية على التعامل المؤثر في ملف آخر يهدد الأمن القومي المصري، وهو ملف سد النهضة.

دالجغرافيا العسكرية:

ليبيا دولة جوار لمصر، والجيش المصري من المنطقي أنه على علم بالجغرافيا العسكرية لليبيا ومنطقة الشرق الليبي تحديداً كونها قريبة من جغرافية المنطقة الغربية المصرية، لذلك يرى السيسي أن معرفة قواته بالأرض ومسرح العمليات ربما سيعطي له الأفضلية في إدارة المعارك عن قوات حكومة الوفاق وداعميها خلال نشوب معارك إذا تم تجاوز سرت والجفرة، وقرب  الجيش المصري من مسرح العمليات أيضاً سيسهل عليه استمرار الإمدادات وتحرك قواته أثناء المعارك بحرية بشكل أسهل من القوات التركية الداعمة لحكومة الوفاق.

هـمبرر الشرعية:

الجيش المصري هو الجيش الوحيد من الدول الداعمة لحفتر، الذي يمكن أن يدعي أن تدخله العسكري في ليبيا هو تدخل شرعي، كونه يأتي حفاظاً على الأمن القومي المصري من جانب، وذلك ما يكرره السيسي في خطاباته، ومن جانب أخر سيدعي النظام المصري شرعنة تدخل الجيش المصري كونه جاء من قبل دعوة مجلس ليبي منتخب “مجلس نواب طبرق”، وربما هذا أيضاً سيكون أحد العوامل التي ستستغلها القوي الأخرى المتحالفة مع السيسي للدفع به في المعارك بينما جيوش الدول الأخرى الداعمة لحفتر تفتقر لمثل هذه “المشروعية” و لا تستطيع دعم حفتر إلا بمجموعات مختلفة من المرتزقة.

و– ضغوط خارجية:

ضغوط من داعمي حفتر، خاصة دولة الإمارات للدفع بالجيش المصري للتدخل العسكري في ليبيا، وربط هذا التدخل بالدعم الاقتصادي التي تقدمه دولة الإمارات إلى نظام السيسي، في ذلك التوقيت التي تعاني فيه مصر من مشاكل اقتصادية كبيرة، ربما ستسوء خلال الفترة المقبلة نتيجة تداعيات أزمنة جائحة كورونا، ونتيجة الوضع الاقتصادي المتأزم لنظام السيسي، و بالتالي سيكون لديه حرص على ألا يخسر حليفاً مثل الحليف الإماراتي الداعم الرئيس لنظامه، ولذلك فقد يضطر النظام المصري بأن يشارك ويتدخل عسكرياً في الداخل الليبي نتيجة الضغط الإماراتي، وقد لا يستطيع السيسي أن يناور ويمتنع كما ناور سابقاً في التدخل العسكري في اليمن، والتف على الاتفاق المصري السعودي لأن الظرف الآن مختلف وجغرافية ليبيا لمصر ليست كجغرافية اليمن لمصر، والعلاقات الإماراتية بالنسبة لنظام السيسي أعمق بكثير من العلاقات السعودية المصرية.

2-الكوابح:

أالخوف من التبعات: 

دخول السيسي المعلن في المعارك داخل ليبيا أمر سيكون له تبعات، فربما يتعرض الجيش المصري لبعض الهزائم والخسائر، فالجيش المصري يعاني بشكل كبير في مواجهة التمرد المسلح في سيناء أمام مجموعة من المسلحين غير النظاميين، وربما عند مواجهة الجيش المصري لقوات نظامية عسكرية محترفة قد تكون خسائره أكبر، وهذا سيكون له تبعات سلبية داخل المؤسسة العسكرية ويُحدث حالة من السخط على السيسي داخل الجيش، كونه أدخل الجيش في معركة غير مدروسة، وربما سيعرض هذا الأمر السيسي لانتقادات قد تؤثر على سمعته العسكرية داخل الجيش، وفي نهاية المطاف من الممكن أن يتعرض السيسي لخطر حقيقي من داخل الجيش ربما تصل الى الإطاحة به إذا ازداد حجم الخسائر و اتضح فشل المغامرة العسكرية.

وقد دلت بعض الخبرات المماثلة على مثل ذلك الأمر، فالجيش الأرجنتيني في الثمانيات أطاح بالرئيس فيديلا الذي وصل الى الحكم عن طريق انقلاب عسكري عام 1976، بعد خسارته المهينة في حرب الفوكلاند أمام الجيش البريطاني.

بملف سد النهضة:

دخول السيسي في حرب داخل ليبيا في نفس التوقيت التي تعاني منه مصر في إدارة ملف سد النهضة، والذي يشكل تهديدا استراتيجيا مباشرا للأمن القومي المصري، قد يعرض السيسي لانتقادات داخلية كبيرة سواء داخل المؤسسة العسكرية أو بين الشعب، التي قد ترى أن التهديد المتعلق بسد النهضة يفوق كثيرا أي تهديد قد يأتي من جهة ليبيا، مما قد يفتح أبوابا للقلاقل التي لا يرغب فيها السيسي.

جفرصة للأطراف المناوئة:

هناك أطراف تعارض السيسي من داخل المؤسسات السيادية، واشتبكت تلك الأطراف مع السيسي في أكثر من موضع حتى تحقق بعض أهدافها، وكانت أخطر محاولة استغلتها تلك الأطراف في الضغط على السيسي في 20 سبتمبر، ولكن السيسي استشعر ذلك الخطر واحتوي تلك الأطراف بعد حراك 20 سبتمبر 2019م، ولكن سرعان ما عاد السيسي لإستراتيجيته في التنكيل بتلك المجموعات؛ ودخول السيسي في الداخل الليبي وتعرضه لهزائم، سيعطي فرصة لتلك المجموعات لكي تضغط على السيسي مرة أخرى بهدف التخلص منه، بعد أن أصبحت المعركة صفرية بين الطرفين.

 و يمكن أن تشيع هذه الأطراف أن زج السيسي بالجيش المصري في معارك غير ضرورية سيترتب عليه خسائر كبيرة و سيكون له عواقب وخيمة على تماسك الجيش و قدرته على القيام بمهامه. ومن هذا المنطلق قد يفكر السيسي كثيرا قبل دخول مثل هذه المغامرة العسكرية لتجنب مثل هذا السيناريو.

داعتراض أمريكي: 

من الكوابح التي قد تمنع السيسي من التدخل العسكري في ليبيا، وجود اعتراض أمريكي على ذلك التدخل المصري الواسع النطاق، باستخدام أسلحة أمريكية ليواجه جيش دولة عضو في حلف الناتو (تركيا). الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحالي تعمل على كبح جماح الروس في ليبيا، ولا تسمح بان يكون للروس مشروع ومستقبل في ليبيا، ومن خلال هذا تفهّمت وقبلت الولايات المتحدة التواجد التركي في ليبيا، فلذلك قد يكون للولايات المتحدة الأمريكية اعتراض على التدخل المصري  في الوقت الحالي لأن مصر وروسيا الإتحادية تعملان جنباً الى جنب في الداخل الليبي، وتحقيق نجاح من قبل التدخل العسكري المصري، واستعادة السيطرة لمليشيات حفتر مرة أخري يصب في مصلحة روسيا، وهذا يبقي أو قد يزيد من النفوذ الروسي في ليبيا، وهذا ما قد يواجَه باعتراض أمريكي.

جدير بالذكر أن محمد بويصير المستشار السياسي السابق لخليفة حفتر وهو أمريكي- ليبي يقيم في تكساس، الآن هو من أكبر داعمي حكومة الوفاق الوطني، وكتب على صفحته بعد لقاء السيسي بشيوخ القبائل الليبية، بأن مدير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل أبلغ الوفد الذى ظهر مع السيسي أن الوضع الدولي لا يسمح بتدخل عسكري مصري، كما أن مصر تخشى التورط لسنوات في النزاع الليبي ولكن ذلك لا يعنى أن مصر لن تدعمهم سياسيا ولوجستيًا، وربما هذا يشير إلى الاعتراض الأمريكي بالتحديد على التدخل المصري.

خامساً: الخلاصة

في الوقت الراهن، من وجهة نظرنا، تزداد قوة عوامل تدخل السيسي المعلن في الداخل الليبي، وموافقة البرلمان المصري على قرار يجيز قيام الجيش بـ “مهام قتالية” في الخارج، و تحديدا في الاتجاه الاستراتيجي الغربي، قد يشير الى هذا (على الرغم من إمكانية أن تكون هذه الموافقة، مع الشحن الإعلامي المصاحب لها هي من سبيل الضغط لإجبار قوات الوفاق لعدم التحرك شرقا) ، وإذا فشلت مساعي إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، وعملت حكومة الوفاق على استئناف العمليات العسكرية للسيطرة على كافة الأراضي الليبية كما تعلن باستمرار، ستزداد قوة الدوافع التي ستدفع السيسي للتدخل المعلن في ليبيا حفاظاً على أمن نظامه.

السيسي ليس لديه بديل حاليا غير الاستمرار في دعم مشروع حفتر داخل ليبيا، ولن يتخلى عنه مهما كانت الأسباب، حتى لو تخلت عنه الدول الداعمة الأخرى الإقليمية والدولية، مثل روسيا والإمارات والسعودية، فمعركة تمكين حفتر يعتبرها السيسي في الوقت الراهن “معركة صفرية” بالنسبة له لأنه يمثل الأمن لنظام السيسي نفسه.

ومصر لا تضمن كفاءة أي شخصية عسكرية ليبية للقيام بالدور الذي يقوم به حفتر (على عكس الموقف الروسي مثلاً الذي قد يفضل الاعتماد على بعض من رموز نظام القذافي السابق)، وترى مصر أن اختفاء حفتر عن المشهد سيترتب عليه حدوث نزاعات وانشقاقات في معسكره لا يترتب عليها وجود “قائد قوي” واحد؛ لذلك ستعمل على دعم حفتر خلال الفترة المقبلة بكافة أشكال الدعم، وقد ظهر هذا بالفعل خلال الأشهر الماضية، ومن المنتظر أن يستمر في المستقبل المنظور بشكل أكبر.

وإذا تراجع حفتر وأصبح في موقف عسكري وسياسي أسوأ مما هو عليه الآن، وانحصرت سيطرته فقط على النطاق الشرقي في ليبيا، وتأزمت كل الطرق للحل السياسي بين الأطراف الليبية، فإن السيسي يمكن أن يصل إلى دعم مشروع تقسيم ليبيا إذا فقد الأمل في بقاء ليبيا موحدة تحت قيادة حفتر، حتى يظل مشروع حفتر هو الذي يسيطر على الجزء الشرقي الليبي المتاخم للحدود المصرية، حفاظاً على أمن نظام السيسي ومصالحه.

وإذا نجحت حكومة الوفاق في نقل المعارك إلى المنطقة الشرقية لفرض سيطرتها على كافة الأراضي الليبية، وتجاوزت خط سرت-الجفرة الذي يراه النظام المصري “خطا أحمر”، حيث تشير تصريحات وبيانات حكومة الوفاق إلى ذلك، بهدف بسط نفوذ الحكومة على كافة التراب الليبي، فسيتدخل نظام السيسي بشكل مباشر ومُعلن بقوات كبيرة في تلك المعارك، حيث لم يكفِ الدعم المقدم إلى قوات حفتر بالتسليح المتطور أو الدعم باستخدام المرتزقة لحسم الأمر.

وسُيبرر السيسي ذلك التدخل بأنه يأتي حفاظاً على الأمن القومي المصري ومواجهة التيارات المتشددة التي تحاول السيطرة على الأراضي الليبية الحدودية مع الأراضي المصرية، وكذلك مواجهة الدور التركي الذي يدّعي نظام السيسي أنه يعمل على زعزعة استقرار الدولة المصرية، خصوصا في ظل التصريحات المتكررة التي يطلقها عقيلة صالح بأن ليبيا في حاجة إلى دعم الجيش المصري في حربها ضد الإرهاب والمرتزقة حفاظاً على الأمن القومي المصري والليبي، وهو ما قد يؤشر إلى إمكانية حدوث مثل هذا التدخل.

و يُظهر التحليل الذي تقدمه هذه الدراسة أن دوافع واحتمالات الصراع العسكري في ليبيا  تزداد مع مرور الوقت، و هذا بالضرورة سيرفع من احتمالات التدخل العسكري المباشر للجيش المصري، و يجعل دوافع تدخله تغلب على كوابحه، على الرغم من استمرار وجود كوابح قوية لهكذا تدخل.

و مثل هذا التدخل من وجهة نظرنا سيترتب عليه مخاطر جمة يتعرض لها الجيش المصري و الأمن القومي المصري بشكل عام بالدخول في مغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب، تضيف إلى التحديات الجمة التي تواجهها مصر في الوقت الراهن تحدياً قد يدفع بها حثيثاً نحو فشل الدولة و عدم قدرتها على الوفاء بالاستحقاقات الضرورية لمواطنيها.

_____________