كيف تعرضت ثروة البلاد للنهب عبر السنوات، وما هي الأطراف التي تتصارع الآن من أجل النفط والنفوذ السياسي والعسكري؟

الجزء الثالث

ثانيا:قوات حكومة الوفاق

حكومة الوفاق الوطني الليبية هي وليدة الاتفاق السياسي في الصخيرات المغربية في 2015، بإشراف الأمم المتحدة.

نص الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية ومجلس رئاسي يرأسه رئيس الحكومة التي سيتم تشكيلها، واعتبار “برلمان طبرق” الهيئة التشريعية للبلاد، بالإضافة إلى تأسيس مجلس أعلى للإدارة المحلية وهيئة إعادة الإعمار. غير أن برلمان طبرق برئاسة عقيلة صالح قرر تعيين فايز السراج رئيساً للحكومة والمجلس الرئاسي، ثم أعلن حفتر انتهاء العمل بالاتفاقية في نهاية 2017.

انحازت لحكومة الوفاق الوطني في هذا الصراع التشكيلات التي أطلقت عملية “فجر ليبيا” في يوليو/تموز 2014 رداً على عملية “الكرامة” التي أطلقها حفتر آنذاك. من بين تشكيلات غرفة عمليات “فجر ليبيا” ما يُعرف بـ “الدروع” وهي قوات تتبع للجيش الليبي الذي جرى تشكيله بعد سقوط نظام القذافي. هناك أيضاً كتائب ثوار مصراتة وثوار الزاوية.

وتقاتل قوات حماية طرابلس إلى جانب الوفاق، وهي قوات تأسست نهاية 2018 من فصائل كتيبة ثوار طرابلس، ولواء النواصي، وقوة الردع والتدخل المشتركة، وكتائب تاجوراء، والكتيبة 92 مشاة، والكتيبة 155 مشاة، وكتيبة يوسف البوني.

ويساند حكومة الوفاق الوطني القائد العسكري البارز أسامة الجويلي، الذي قاد المجلس العسكري في الزنتان في معارك ضد نظام القذافي، وتمكنت كتيبته من أسر سيف القذافي عام 2011. ثم شغل منصب وزير الدفاع في الحكومة الانتقالية، وترقى إلى رتبة لواء، وأصبح قائداً للمنطقة العسكرية الغربية.

ثالثا: التدخلات الدولية على التراب الليبي … وهؤلاء ليسوا ضيوفا
ازدادت وتيرة التدخلات الدولية في الصراع الليبي في الفترات الأخيرة، ويؤثر في أحداث ليبيا الجارية حالياً 9 دول على الأقل، تسعى للحفاظ على مصالحها في ليبيا:

فهي بقعة جغرافية مهمة من حيث الموقع. ومصدر اساسي للطاقة في العالم.

تحالف السعودية – مصرالإمارات

تنحاز الدول الثلاث لقوات حفتر بدعم عسكري ومالي بشكل مستمر. تسعى الإمارات إلى تأمين السيطرة على كامل الموانئ الليبية، لما سيحدثه ذلك من تأثير على الدور الإماراتي في مشروع “الطريق والحزام” الصيني. 

وتريد مصر تأمين مصالحها في منطقة شرق المتوسط، وضمان وجود حكومة “صديقة” في طرابلس، التي تتماس معها بحدود على امتداد 1115 كيلومتراً. 

وتجد الرياض في المشير خليفة حفتر ضالتها، فهو رجل شرق ليبيا القوي الذي يقدم نفسه على أنه سد في وجه الإسلاميين الذين تتهمهم دول الخليج ببث الفوضى في العالم العربي خلال ثورات عام 2011.

أيضاً تحرص السعودية على استعادة قيادة العالم العربي عبر بسط النفوذ في ليبيا أسوة بما فعلته في مصر. وتعتبر فتوى “ربيع المدخلي” التي تحض أنصاره في ليبيا على القتال إلى جانب حفتر مؤشر على الدعم السعودي، على اعتبار أن “المدخلي” معروف بولائه للسلطات السعودية.

تتولى الإمارات والسعودية دفع مكافآت مالية لصالح فصائل سودانية تنحدر من إقليم دارفورتحارب مع حفتر، وتساعده مصر بشن غارات جوية، وإرسال السلاح والمستشارين العسكريين.

والإمارات هي من دفعت مبكراً نحو أن يكون حفتر صاحب اليد العليا على السلطة بليبيا، وقدمت في مايو/أيار 2014 الأسلحة والمال لما عرف بـ«عملية الكرامة» في بنغازي، التي أطلقها حفتر بحجة مكافحة الإرهاب.

انتهكت أبو ظبي القرار الأممي بتجميد الأموال الليبية في العالم بعد ثورة 2011، وصرفت مبالغ من بنوكها لصالح العمليات العسكرية لقوات حفتر. واخترقت أبوظبي قرار حظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا، وزودت قوات حفتر بالسلاح، وعززت قوته الجوية.

وفي بداية 2018، قال التقرير المؤقت لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن الملف الليبي، إن الجيش المصري قصف أهدافاً في الهلال النفطي بليبيا، من بينها درنة، مضيفاً أن جماعات مسلحة في ليبيا استفادت من الدعم الخارجي -ومنه الإماراتي والمصري- سواء أكان بالتدخل المباشر أم بتزويدها بالسلاح والعتاد.

تشكل الجارة الليبية عمقاً للأمن القومي المصري على نحو يجعل أي اضطرابات في ليبيا تنعكس بشكل مباشر على الأمن المصري. ويكرر المسؤولون المصريون أن شرق ليبيا أصبح بعد 2011 ملاذاً للعديد من الجماعات الإسلامية والجهادية التي قد تستهدف القاهرة.

الدعم التركي

تقوم الاستراتيجية التركية في ليبيا على فكرة دعم إنشاء حكومة مركزية، تستطيع من خلال العلاقة معها تأمين مصالحها الاقتصادية والسياسية، ولذلك تعاطت أنقرة بإيجابية مع اتفاق “الصخيرات” وما تلاه من تشكيل حكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي.

وقعت أنقرة اتفاقية أمنية وملاحية وعسكرية مع حكومة الوفاق الوطني، لتكون هذه الاتفاقية بمثابة غطاء شرعي للتحركات التركية العسكرية والسياسية الحالية في ليبيا.

تصاعد الدعم التركي لحكومة الوفاق منذ توقيع الاتفاقية المشتركة في نهاية آواخر عام 2019، واتخذ شكل إرسال مستشارين عسكريين، بالإضافة إلى طائرات بدون طيار ومنظومات دفاع جوي، وقد أشرفت أنقرة على نقل الآلاف من المقاتلين السوريين المتحالفين مع أنقرة إلى محاور القتال حول العاصمة طرابلس، وهذا الدعم انعكس بشكل واضح مؤخراً على واقع الميدان.

فرنسا

تنفي فرنسا، التي تبنت مهمة وساطة بين أطراف الصراع في ليبيا، انحيازها إلى جانب أي من الأطراف، على الرغم من الشكوك المثارة بشأن علاقتها بحفتر. 

لكن المؤشرات على وجود وحدات عسكرية فرنسية مساندة لحفتر على الأرض تتوالى، وكان أبرزها فرار 13 خبيراً عسكرياً فرنسياً من قاعدة “الوطية” في شهر نيسان/أبريل عام 2019 بعد تعرضها لهجوم من قوات حكومة الوفاق.

وشنت فرنسا ضربات جوية لدعم قوات شرق ليبيا التي يقودها حفتر في فبراير/شباط 2019، واستهدفت قوات المعارضة التشادية التي تقاتل ضد هذه القوات في جنوب البلاد.

ترى فرنسا أن حفتر شخص قوي قادر على ضبط الأمن في ليبيا، بالإضافة إلى أنها ستتمكن من خلال علاقاتها الوطيدة معه من الحصول على امتيازات بما يخص استخراج النفط وعقود الاستثمار.

إيطاليا

تتعامل إيطاليا مع ليبيا على أنها منطقة نفوذ تاريخية، وتتحرك وفق مصالحها الخاصة، فهي ترى في شركة ” توتال” الفرنسية العاملة في المجال النفطي تهديداً حقيقياً لشركة “إيني” الإيطالية التي تمتلك استثمارات في ليبيا منذ عام 1959.

رغم الاعتراف الإيطالي بشرعية “حكومة الوفاق” التي يرأسها “فايز السراج”، لم تقدم الدعم العسكري لها، سعياً للحفاظ على توازنها مع مختلف الأطراف وعدم التأثير سلباً على إمدادات النفط.

عملت إيطاليا على التنسيق مع تركيا في بداية 2019، لكنها رفضت الاتفاقية الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق، خوفا من تطور الأوضاع في اتجاه حرب طويلة الأمد.

ألمانيا

تبحث ألمانيا عن تخفيض حدة الصراع في ليبيا، والتوصل إلى حل سياسي نهائي ينهي التدخلات الخارجية، واستضافت مؤتمراً في يونيو/حزيران 2019 لبحث الحل السياسي في ليبيا، لكنه لم يكن ذا أثر في خفض التصعيد.

وتمتلك ألمانيا استثمارات بقيمة 2 مليار دولار في قطاع النفط الليبي، وتقوم الشركات الألمانية بعمليات التنقيب وتكرير النفط في ليبيا منذ عام 1958.

روسيا

دخلت روسيا على خط التحالف مع اللواء حفتر لتأمين موطئ قدم جديد لها على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي يتيح لها المزيد من التأثير على سياسات دول الاتحاد الأوروبي.

سبق أن وجهت حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً، اتهامات لروسيا بتأجيج الصراع الدائر في البلاد، والسعي لتوسيع نفوذها الإفريقي وإعادة السلطة إلى فلول نظام معمر القذافي، «لقد تدخّل الروس لصبّ الوقود على النار، وتعزيز الأزمة بدلاً من إيجاد حل».

منذ 2016، تستقبل موسكو بانتظام زيارات لكل من حفتر والسراج. تتعامل موسكو إذن مع كل الأطراف، ما يضفي غموضاً على موقفها الحقيقي.  لكن روسيا “غير الرسمية” تحمل السلاح مع حفتر.

إنهم مجموعة من المرتزقة الروس، من شركة تُعرف باسم فاغنر Wagner Group، تمارس أنشطتها بتنسيق تام مع الحكومة الروسية، وتنوب عنها في عمليات تنفذها في الخارج، للتهرب من المسؤولية القانونية. وقد اتسع نشاط هذه المجموعة التي تستخدم على نطاق واسع الجنود الروس السابقين ليشمل الكثير من بقاع العالم.

سيناريو لتقسيم ليبيا والمستقبل في أيدي المستقبل وحلفاء الخارج

من بين أسوأ السيناريوهات المحتملة لليبيا تقسيمها إلى مناطق شرقية وغربية. مؤشرات كثيرة تجعل ليبيا أمام احتمال جدّي للانقسام السياسي، أو لقيام دولة هشة تتعدّد فيها مراكز القوى السياسية والجغرافية، ففي ظل تواصل القتال دون وجود ضربة حاسمة لصالح أي من الأطراف.  ويمكن تصور أن ينفرط عقد الوحدة الليبية إلى دولتين أو ثلاث، بحيث يبقى النظام في إحداها. 

وستكون النتيجة هي المزيد من المعاناة والخسائر في الأرواح، حيث ستسعى القبائل من كلا الجانبين إلى الانتقام لنفسها من أعدائها، في تكرار نموذج العراق أو الصومال أو أفغانستان. وجرى الحديث قبل أعوام عن تقسيم ليبيا إلى سبعة أقاليم على الأقل تشمل إضافة إلى الثلاثة المعروفة إقليم جبل نفوسة وإقليم مصراته والزاوية وورشفانة وإقليم غات وغدامس.  حتى برقة لم تعد تشكّل إقليماً واحداً مثلما كان الأمر في السابق.

كما إن الحدود بين أقاليم البلاد لم يتم تحديدها بدقة في أي وقت مضى، وهي ستكون سبباً في صراع قد يكون خطيراً. ليبيا لم تتوفر على الظروف السياسية التي تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، تقلل من الدور السياسي للقبلية والجهوية.

مثلاً؛ عقب الاستقلال حظر النظام الملكي تأسيس الأحزاب وزوّر الانتخابات وحارب الصّحافة الحرّة، وهو ما ولّد نوعاً من الفراغ السياسي، اعتمد النظام الملكي فيه على القبلية والجهوية كروافع للعمل السياسي أو لتوزيع الثروة والنفوذ. 

هذا الوضع ازداد حدة خلال حكم القذافي الذي حرّم أي نوع من النشاط السياسي المستقل، واعتمد على القبلية في أمن النظام الذي مارس سياسات كافأت أو عاقبت القبائل والمناطق وفقاً لموقفها تجاهه.

يضاف إلى ذلك أن الجدل الآن يتسم بدرجة عالية من التوتر تهدد السّلام والأمن الاجتماعي في بلد عاش استقطاباً لا يهدأ، وفشلاً في بسط الأمن وبناء الجيش وإعادة الاعتبار للدولة وتحريك الاقتصاد. والآن تتشكل ليبيا الجديدة من كل هذا الخليط الموروث، ومن مؤثرات الخارج القريبة والبعيدة.

نظرة إلى خريطة السيطرة وتبدلاتها الآن، يمكن القول إن الدعم التركي الذي ازدادت كثافته منذ مطلع 2020 ساهم بشكل كبير في تعديل موازين المعركة لصالح حكومة الوفاق الوطني الليبية. هذا يعني توقع رد فعل من الأطراف الأخرى المساندة لقوات “حفتر”.

وبالتالي قد تتجه البلاد إلى موجة جديدة من الصراع تكون أكثر حدةً من الموجات السابقة، ويكون مسرحها الأساسي هو الساحل الشمالي الليبي ووسط البلاد والساحل الغربي أيضاً.

ومن غير المرجح أن تفلح الجهود الأممية على المدى القريب والمتوسط في وضع حد للنزاع الدائر في ليبيا، في ظل عدم تجاوب الأطراف الدولية المؤثرة والداعمة للفرقاء الليبيين، ونزوعها للخيار العسكري لتعظيم المكاسب قبل التوجه إلى طاولة المفاوضات.

إذن يبقى الانقسام الجغرافي للأراضي الليبية مرشحاً للاستمرار لفترة ليست قصيرة.

إذن تتكاثف المزيد من السحب السوداء في سماء ليبيا المتجهمة، المنذرة بأمطار  دامية.

_____________