لا يبدو أن السياسة التي تتّبعها موسكو في ليبيا تختلف بشكل كبير عن سياساتها في غيرها من دول الصراع ومنها سورية، فالتناقضات كبيرة في مواقفها بين مطالبات بوقف إطلاق النار وحل سياسي، فيما تواصل إرسال المقاتلين والسلاح إلى مواقعها في ليبيا.

وينتظر في الفترة المقبلة بدء مفاوضات روسية تركية تستضيفها موسكو لمناقشة وقف إطلاق النار وسبل الدفع بالعملية السياسية كحل للأزمة في ليبيا، لكن الباحث الليبي في العلاقات الدولية مصطفى البرق، يؤكد أن موسكو تنتهج سياسة المماطلة في ليبيا وهي ذات سياستها مع الأتراك في سورية، مشيرا إلى أن تلك المفاوضات “لن تنتهي إلى شيء قبل تحقّق المصالح الروسية في ليبيا”.

ورغم إعلانها الاعتراف بحكومة الوفاق ودعمها للحل السياسي، إلا أن موسكو لم تخفِ دعمها للجنرال خليفة حفتر طيلة سنين حروبه في ليبيا منذ عام 2014 واستضافته بشكل رسمي ومعلن في ردهات قاعاتها الرسمية عديد المرات، كما أن دعمها له عسكريا من خلال الشركات الأمنية، وأبرزها فاغنر، لم يعد ممكنا إنكاره.

ويشرح البرق في حديثه لـ”العربي الجديد”، السياسة الروسية في ليبيا بقوله إن “موسكو تعرف أن وجودها في ليبيا غير مقبول من قبل الأطراف في أوروبا والولايات المتحدة، لذا فهي حريصة على فرض وجودها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه، وتجبر رافضيها على التعامل معها وهو ما يحدث الآن من جانب تركيا”.

البرق: موسكو حريصة على فرض وجودها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه

وبشأن دعم موسكو لحفتر، يرى الباحث الليبي أن روسيا لم تعول على حفتر، “وبعد انهياره لا تزال موجودة ولكنها لم تنفض يديها منه لضمان دعم داعميه، وخصوصا الإمارات والسعودية، اللتين تمولان عمليات شركاتها الأمنية في ليبيا”.

ويتابع بالقول إن “نهج موسكو يذهب باتجاه فرض أمر واقع خاص بها في ليبيا لتحقيق مكاسب لا تتعدى الجانب الاقتصادي، ولا تتعدى استخدام الملف الليبي كورقة ضاغطة في ملفات أخرى في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، من خلال دخولها في مفاوضات مع أنقرة، وتتجنب الدخول في صدام مسلح معها خصوصا وأنها لم تعلن عن وجودها العسكري رسميا بل من خلال شركات أمنية”.

وذكرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة” في هذا السياق، أن شركات أمنية روسية جندت أكثر من ثلاثة آلاف سوري للقتال في ليبيا ولتأمين الحقول النفطية.

وتضمّن تقرير المنظمة المنشور على موقعها الرسمي الثلاثاء الماضي، أن عمليات التجنيد أثبتتها شهادات مواطنين من عدة بلدات سورية وجرت من قبل شركة فاغنر الروسية بدعم من نظام بشار الأسد، “وهي أنباء تؤكد استمرار روسيا في دعم وجودها العسكري غير المباشر في ليبيا من جانب، ومن جانب آخر إحلال المرتزقة السوريين في مواقع القتال في مدينة سرت بديلا عن المرتزقة الروس، وهو دليل آخر يؤكد عدم رغبة موسكو في تصعيد عسكري ضد الأتراك، بحسب البرق.

الخطر الروسي

لكن أستاذ العلوم السياسية الليبي أبوبكر التواتي يلفت إلى أن الطرف الروسي ليس الطرف الوحيد الموجود في صفّ حفتر وضد طرف حكومة الوفاق، متسائلا “هل يمثل الروس في مفاوضات البحث عن حل في ليبيا مصر والإمارات والفرنسيين مثلا”، مجيبا بالقول: “أعتقد أن المجتمع الدولي ركز جهوده اليوم على عزل الروس في الملف الليبي وإرجاء الحديث مع الأطراف الأخرى لخطورة التوغل الروسي في ليبيا”.

ويوضح التواتي لـ”العربي الجديد” أن “الأطراف الأخرى، كالإمارات والفرنسيين والمصريين، يتوجب عليها توحيد موقفها لترتيب جبهة شرق ليبيا، التي تعيش حالة انشقاقات كبيرة في ظل تراجع أوضاع حفتر، وبالتالي لم تعد جبهة قوية ومتماسكة، والخطر القائم بالنسبة للأطراف القوية في ليبيا وعلى رأسها واشنطن هو الخطر الروسي”.

ويرجح المصدر نفسه أن يستغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الملف الليبي لإحداث خطوة متقدمة لاستثمار الملف في برنامجه الانتخابي الوشيك، خصوصا وأن الاتجاه الأميركي في الملف الليبي يتركز على خطر التوغل الروسي.

وظهرت ملامح التوجس الأميركي من التدخل الروسي واضحة في مناقشة مجلس النواب الأميركي الأربعاء الماضي، لقانون “دعم الاستقرار في ليبيا”، الذي احتوت أكثرية بنوده على توجس كبير من التوغل الروسي في ليبيا.

ظهرت ملامح التوجس الأميركي من التدخل الروسي واضحة في مناقشة مجلس النواب الأميركي

ويتوقع التواتي بشأن سيناريوهات الوضع الروسي في ليبيا أن “يصل المجتمع الدولي إلى عزل مناطق الطاقة ومحيطها الاستراتيجي في سرت والجفرة عن الصراع والسلاح، خصوصا أنها المناطق التي تلوي روسيا بها أيدي تلك الدول”.

 ومن بين السيناريوهات المتوقعة أيضا، أن “تنجح روسيا في فرض نفسها كأمر واقع وتتقاسم مناطق النفوذ مع الدول صاحبة المصالح في الملف الليبي”.

لكن كل ذلك مؤجل حسب ما يراه التواتي، حيث لن تسمح واشنطن بالوصول إلى نتائج نهائية في الملف الليبي كغيره من ملفات التوتر في البحر المتوسط والشرق الأوسط إلى حين حسم أمر الانتخابات الأميركية، مؤكدا أن الحلول السياسية “مؤجلة تماما، ومرجعيات مخرجات قمة برلين واتفاق الصخيرات تجاوزها الزمن بسبب مستجدات الميدان”.

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية أن انتقال الأوضاع العسكرية بشكل كبير من طرابلس إلى تخوم سرت والجفرة وقريبا من مواقع الطاقة والنفط، وسط انهيار كبير لمعسكر حفتر، كلها مستجدات تجعل مخرجات برلين لا قيمة كبيرة لها كمرجعية للحل السياسي، مشيرا إلى أن ذهاب بعض الأطراف إلى إحياء اتفاق الصخيرات يؤكد ذلك بشكل كبير.

********

فاغنر الروسية استغلت كورونا لتقديم مساعدات لتلميع صورتها

عربي بوست كشف تقرير لمجلة Foreign Policy الأمريكية، أن مجموعة فاغنر، وكالة تعاقد شبه خاصة للخدمات العسكرية، استغلت جائحة فيروس كورونا من أجل تلميع صورتها السيئة من خلال تقديم مساعدات تتعلق بمواجهة الفيروس. ومثلما فعلت مجموعات عنيفة سابقاً يمثل تقديم مساعدات إنسانية لدول ضعيفة حيلةً دعائية سريعة في محاولة لتطبيع وجودها.  

المجلة الأمريكية أوضحت في تقريرها الذي نشر الأربعاء 22 يوليو/تموز 2020، أن مجموعة فاغنر لطالما برعت في الانتفاع من الفوضى. فمنذ ظهور المجموعة للمرة الأولى في ساحات المعارك بأوكرانيا في 2014، أصبحت أداة روسيا العسكرية لتنفيذ تدخلاتها الخارجية، وتبين علاقتها بأنشطة مثل التدخل في الانتخابات، والتنقيب عن الذهب وحتى القتال على الخطوط الأمامية.

تلميع صورة فاغنر: في خضم جائحة فيروس كورونا المستجد، وجد أتباع فاغنر وسيلة جديدة لإنقاذ سمعتهم، وهي تقديم مساعدات تتعلق بمواجهة الفيروس. ومثلما فعلت مجموعات عنيفة سابقاً، من بينها حزب الله، يمثل تقديم مساعدات إنسانية لدول ضعيفة حيلةً دعائية سريعة في محاولة لتطبيع وجودها.  

في أبريل/نيسان، سلَّمت Evro Polis، شركة التعاقد الروسية للخدمات الأمنية، 50 جهاز تنفس اصطناعي و10000 مجموعة فحص لفيروس كورونا المستجد، و2000 قطعة من الملابس الواقية إلى سوريا، وفقاً لتقارير في وسائل الإعلام الحكومية السورية وبيان على موقع السفارة الروسية في دمشق. وتُظهِر لقطات فيديو أنَّ التسليم كان يحمل عنوان “من روسيا مع الكثير من الحب”.

بينما قال ممثل الشركة إيلدار زاريبوف: “نحن شركة ذات توجه اجتماعي. قدمنا مساعدات في السابق، ونفعل ذلك حالياً، وسنستمر في فعل ذلك مستقبلاً”، وذلك في مؤتمر صحفي عن المساعدات حضره أيضاً السفير الروسي لدى سوريا ألكسندر يفيموف. 

لم تتدفق المعدات إلى سوريا فحسب: إذ قال مسؤول دفاعي أمريكي لمجلة Foreign Policy الأمريكية، إنَّ الحكومة الروسية قدّمت مساعدات تتعلق بمواجهة فيروس كورونا المستجد، بما في ذلك مجموعات فحص وأفراد ولوازم طبية، إلى الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر وغينيا. 

في الأيام الأولى من الجائحة، قدّمت روسيا مساعدات مماثلة إلى عدة دول بما في ذلك الولايات المتحدة، ضمن ما وصفه أحد الخبراء في ذلك الوقت أنه “انقلاب في العلاقات العامة للروس”.

بدورها، أفادت وكالة الأنباء السودانية، في أبريل/نيسان، أنَّ شركة Meroe Gold المرتبطة بشركة فاغنر كانت تخطط لشحن معدات حماية شخصية وأدوية ومعدات أخرى إلى البلاد، في إطار ما ذكر بيان صادر عن المدير العام للشركة، ميخائيل بوتيبكين، أنه جزء من برنامج المسؤولية الاجتماعية للشركات. وقال جاك مارغولين، مدير برنامج في مركز دراسات الدفاع المتقدمة غير الربحي، الذي كان أول من تعقّب التقارير الإخبارية حول هذه المساعدات، إنه من غير الواضح ما إذا كانت المساعدة قد سُلِّمَت بالفعل أم لا.

تنمية إفريقيا! قال مارغولين إنه من خلال الدمج بين عملهم في توريد المرتزقة والتعهدات بتقديم المساعدة الإنسانية، سعت الكيانات المرتبطة بمجموعة فاغنر إلى تقديم نفسها على أنها تستثمر في النهوض بالدول التي تعمل فيها.

أضاف: “هم يسعون لتقديم أنفسهم على أنهم شركاء ملتزمون بتنمية إفريقيا، لا يحملون نفس الأفكار الإمبريالية الأمريكية ولا القيود التي تفرضها المساعدات الصينية”.

وإن كانت الشركات التابعة لفاغنر تسعى لتلميع صورتها، فهذا لأنَّ سمعتها ساءت للغاية.

يُذكر أنَّ وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عقوبات على شركة Meroe Gold، التي خططت لتقديم المساعدة للسودان، وكذلك شركتها الأم M Invest، في 15 يوليو/تموز، لدورها في صياغة مخطط لتصفية المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية الذين نجحوا في إطاحة الرئيس السوداني السابق عمر البشير في 2019. 

وفقاً لبيان صادر عن وزارة الخزانة، وضعت M Invest خططاً لشن حملة تضليل على الشبكات الاجتماعية، ونادت بـ”تنفيذ عمليات إعدام علنية” لإلهاء المتظاهرين.

في بيان صدر آنذاك، قال وزير الخزانة الأمريكية ستيفن منوشين: “رجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين وشبكته يستغلان الموارد الطبيعية في السودان لمصلحة شخصية، ونشر نفوذ خبيث في العالم”.

______________________