بقلم علي أبوزيد

يتفق الجميع في ليبيا على تردّي الوضع على الصعيد الوطني وخروج الصراع من دائرته المحلية، ووقوعه ضمن دوائر الصراع الدولي والإقليمي، التي أصبحت الفاعل الرئيسي فيه، وأصبحت الأطراف الليبية تلعب دوراً ثانوياً أو مكمّلاً، وفق التفاهمات، أو التطورات التي ترسمها تحرّكات الدول المتدخلة في ليبيا.

مناقشة أسباب التدخل وتحميل المسؤولية عنه لأحد الأطراف أمر ليس بالصعب، وكذلك ليس بالمُجدي في ظل واقع وظروف تجعل من هذا التدخل أمراً طبيعياً ومتوقعاً، فحالة الهشاشة التي أعقبت إسقاط نظام القذافي وغياب الخبرة السياسية لأربعة عقود، وصراع المحاور الذي تشهده المنطقة، وموقع ليبيا الإستراتيجي في سياق التغيرات الحاصلة إقليمياً، يجعل من التدخل غير مستغرب ونتيجة حتمية للعوامل القائمة.

وإذا كان التدخل واقعاً تشترك فيه مختلف الأطراف، وتكون أهم نتائجه تقويض السيادة التي تعتبر أهم سمات الوطنية، فإن بكاء الوطنية والتحسّر على إهدارها، وشتم السياسة ومكرها، واتهام المشتغلين فيها بشهوة السلطة وبيع الوطن والخيانة، هو أقرب السبل وأيسر الوسائل لادّعاء الوطنية، والتدثّر بعباءة النضال والتقلّد بأوسمة النزاهة والإخلاص، فإن وافق ذلك موقف معادٍ لإسقاط الدكتاتورية وإنهاء الاستبداد، فإن ادعاء الوطنية يُضاف إليه التباهي بالحكمةِ وبُعد النظر واستشراف المستقبل، ويبقى واقع الصراع كما هو دون أن تغير فيه هذه الادعاءات شيئاً.

وبما أن حديثنا عن النخبة، فينبغي الإشارة إلى أن هذا المصطلح مَرِن فضفاض، ولست هنا بصدد تحديده بشكل جامع مانع، وإنما أقصد به أولئك الذين يفترض أن يقع على عاتقهم الارتقاء بمستوى الوعي الجمعي، وقيادة الرأي العام في المجتمع ضمن إطار عام من المبادئ المتفق عليها، التي تحقق حالةً من الرقي المعرفي والأخلاقي.

وبرصد الخطاب الصادر عن هذه النخبة فيما يخص الصراع الليبي نجده يعاني من أزمة “العجز” عن القيام بمهمته في قيادة المجتمع والرقي به معرفياً وأخلاقياً، ويمكن أن نقسم هذه النخبة إلى قسمين:

نخبة الديكور

وهي تلك الفئة التي تتخذ مما تسمّيه “فنوناً وآداباً” نوعاً من الاستعلاء المجتمعي، تنعزل به عن الواقع تعيش من خلاله حالة من الصراع الموهوم ضمن سرديات “الفنتازيا والهرطقات السوريالية” والأشباح التجريدية الملوّنة، ويمكن تلخيص دور هذه الفئة في كونها ديكوراً للمشهد الثقافي، تستمتع بــ”برستيج المثقف وإتيكيته”، ولا يمكن أن تغيّر من الواقع شيئاً.

نخبة الإزعاج العقيم

وهي الفئة التي تتقن التبرّمَ من الواقع وتتفنّن في لعن السياسة والساسة، وتُجيد التغنّي بالوطنية، دون أن يكون لها دور فاعل في القيادة المجتمعية المُشار إليها آنفاً، بل تُعاني في واقع الحال من فوضى فكرية تؤكّد لمن يحاول البحث عن منطلقات هذه الفئة أنها ليس إلا مجموعة متشبّعة بالشعارات التي قد يكون بعضها متناقضاً ومتصادماً دون إدراك عميق لواقع مجتمعاتها وسبل إحداث تغيير فيه، وهذا ما يدفع كثيراً من روّاد هذه الفئة إلى رفع شعار “المصالحة” كأنجع الحلول للصراع، في تجاهل تام لدوافع الصراع ومحركاته، وجهل بآليات المصالح ووسائل إنجاحها.

إن إدراك واقع الصراع وتحديد المعايير الوضوعية في التعامل معه، بعيداً عن الطوباوية الزائفة هي الوسيلة الأهم في جعل هذا الصراع فرصة لإعادة بناء كيان هذا الوطن، وإذا كان تصارع الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية حول ليبيا أحدَ أهم أسباب استقلالها، فإن الصراع الدائر اليوم بسبب هشاشة الدولة وغياب المرجعية السياسية وتحوّلات المنطقة من شأنه أن يكون سبباً في أن تتاح الفرصة مرة أخرى لتعافي الوطن إذا أحُسِن استثمارُها.

***********

لماذا يحتكرون الوطن؟

بقلم محمد هنيد


من الظواهر التي تستوجب القراءة والتحليل اليوم تلك المتعلقة بمفهوم الوطن والوطنية وما يدور في فلكها من مفاهيم وتعبيرات.

تستمدّ مقول الوطنية أهميتها من الدور الذي صارت تلعبه في الخطاب السياسي والإعلامي العربي سواء منه الرسمي أو المعارض. لا يقتصر الأمر هنا على محاولة كل طرف من أطراف السلطة أو المعارضة الاستئثار بالمفهوم وتبنيه بل يتمحور صلب القضية في سعي الطرف الحاكم إلى فصل الطرف المقابل عن الالتصاق بالمفهوم. أي أنه يتبنى مقولة الوطنية بشكل حصري من جهة ويؤسس في المقابل لفكرة فصل الطرف المقابل عنها بل وتخوينه باعتباره لاوطنيا.

قد تبدو الظاهرة في البداية مقولةً نسبية الأهمية لكنها في الحقيقة تُخفي كمّا هاما من المفاهيم والتداعيات التي تعرّي الأسس التي يقوم عليها الخطاب الاستبدادي العربي منطقا وتصوّرا وخلفيات. الوطنية ركنٌ ركين من أركان الإيهام الذي لا يمكن للمنطق الاستبدادي العربي القيام بدونه.

الوطن والوطنية

من مصر إلى تونس مرورا بالجزائر وليبيا وسوريا ودول الخليج العربي قامت دول سايكس بيكو بصياغة تصورها المحلّي لمفهوم الوطن والوطنية وحب الوطن والتضحية في سبيل الوطن وغيرها من الشبكات الفكرية والسياسية والسلوكية والذهنية المتفرّعة عن المقولة الأمّ. فالراية الوطنية والنشيد الوطني واليوم الوطني والأغاني الوطنية والمناسبات الوطنية… كلها مراسيم وشعارات تقع تحت مقولة الوطنية التي لا نعدمها في أي بلد أو دولة أو كيان سياسي.

الوطنية إذن بكلّ طقوسها جزء أساسي من كيان الدولة التي لا تكون بدونه لكنّ المشكل يظهر في التوظيف السياسي لمفهوم الوطنية ولطقوسها وشعاراتها ومقولاتها. في الدول الديمقراطية يوضع الوطن فوق السلطة السياسية باعتبارها خادما له وراعيا لمصالحه أي أنّ المصلحة الوطنية تقع فوق الصراعات السياسية وفي مرتبة أعلى من التنافس على السلطة وأعلى من ممارستها.

رئيس البلاد ورئيس الحكومة والوزير بل وحتى الإمبراطور أو الملك هو في النهاية مواطن قبل كل شيء ثم هو موظف في خدمة البلاد بحسب ما يقرّه الدستور أو نظام التشريعات والقوانين الخاص بكل بلد. الوطن في نهاية المطاف ملك للجميع وإليه ينتمون دون تمييز أو تفاضل، لكن قد تطرأ على البلاد من الأحداث ما قد يجعل من فرد أو جماعة رمزا من رموز الوطن أو صورة من صور الوطنية التي تتجاوز غيرها. الشهداء مثلا في الحرب وفي السلم هم رموز وطنية تتجاوز بقية المواطنين قيمة ووطنية بسبب تضحيتهم بأنفسهم في سبيل الوطن.

بناء على ما تقدّم فإنّ المقياس الأساسي للوطنية هو التضحية في سبيل الوطن مهما كان نوع هذه التضحية باعتبارها قيمة صادرة عن الفرد لصالح الوطن الذي ينتمي إليه دون انتظار اعتراف أو جزاء على ذلك الفعل.

أيّة وطنية؟

عربيا يمكن القبول بمنطق الوطنية حتى في حدود سايكس بيكو على اعتبار أنها دول وكيانات سياسية معترف بها دوليا في الواقع الذي فُرض على العالم بعد الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من معاهدات تقاسم المنتصرون في الحرب على إثرها العالمَ وثرواته. تونس ومصر والجزائر والسعودية واليمن أوطانٌ يسكنها تونسيون ومصريون وجزائريون وسعوديون ويمنيون رغم انتمائهم جميعا إلى وطن أكبر هو الوطن العربي الذي يمتدّ من المحيط إلى الخليج بمنطق اللغة والأرض والتاريخ والدين وهوية.

حسنا لو سلمنا بأن هذه الأوطان هي عبارة عن مدن في بلد واحد تكون بذلك مصر والجزائر بالنسبة للوطن العربي مثل البصرة وبغداد بالنسبة للعراق. يمكن تأسيسا على ما سبق أن تكون الوطنية الأصغر متضمّنَةً في وطنية أكبر دون صراع بينهما رغم اختلاف طقوس الوطنية من جواز سفر إلى راية وطنية إلى نشيد وطني.

قد يقول قائل إن هذا الواقع الجيوسياسي ممكن وشبيه بالواقع الأوروبي مثلا حيث تنضوي دول أوروبية في وطن كبير هو الاتحاد الأوروبي. نعم هذا ممكن لكنه لا يتطابق مع الواقع العربي لأنّ الدول الأوروبية أمم مختلفة في مقومات هويتها تاريخا ولغة وديانة وعادات وتقاليد أما المنطقة العربية فشعب واحد وأمة واحدة جزّأها الاحتلال.

رغم التقسيم ورغم تعدد الوطنيات حافظ المواطن العربي على شعور بالانتماء المشترك العابر لحدود سايكس بيكو لكنّ السلطة السياسية العربية كانت تُمعن في تكريس منطق الانتماء المحلّي دون غيره. يظهر تكريس الوطنية القُطرية في تأكيد النظام العربي على الفوارق في الانتماء بين دولة وأخرى والتقليل من التعويل على المشترك الجامع مثل التعويل على اللهجة المحلية والعمل على تعويض اللغة العربية الجامعة بها.

الوطنية الزائفة

إنّ مقولة “الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء” ليست مقولة مطلقةَ النسبية بمعنى أنها تحمل جزءا كبيرا من الموضوعية والواقعية. فثروات الوطن وامتيازات الوطن ومناصب الوطن وخيرات الوطن عند العرب إنما ينعم بها الأغنياء وأصحاب السلطة في الغالب الأعمّ أما التضحية في سبيل الوطن أو الوطنية بتعبير آخر فهي خاصة بالفقراء سواء كان الحال حربا أم سلما.

لكن الملفت للنظر من جهة أخرى هو الإمعان المبالغ فيه لدى السلطة السياسية والدوائر المرتبطة بها من فنانين ورجال أعمال وإعلام وغيرهم في التغني بالوطن والوطنية. وهو احتفال يبلغ أحيانا درجات يُحسّ فيها المواطن نفسه بأنه دونهم وطنية وتضحية إذْ هو يربط بسذاجة بين ممارسة السلطة السياسية وبين ممارسة الوطنية وهما فعلان مختلفان اختلافا كبيرا.

فعندما يتغنى شاعر البلاط ومطرب السلطان ومثقف السلطة بالبلاد بحرا وجوا وأرضا فإنّ هذا لا يعني أنه أكثر وطنية من غيره بل إنّ الشواهد العربية التي كشفتها ثورات الشعوب أثبتت أنهم أقرب إلى التكسّب بالوطن و حتى إلى خيانة الوطن منهم إلى التضحية في سبيله.

الظاهرة الأخرى اللافتة إنما تتمثل في سلب كل مخالف للسلطة السياسية الانتماء للوطن. لا يقتصر هذا الأمر على نزع جنسية هذا المعارض أو ذاك وحرمانه من دخول وطنه والعمل فيه بل إنها تتجاوز ذلك إلى تخوينه واعتباره عدوّا للوطن يتخابر مع أعداء الوطن ويسعى إلى تخريب الوطن.

أيّهم الوطنيّ إذن؟ وأين ذهبت الوطنية؟ كان رئيس تونس الهارب بن علي مثلا يجمع حوله وزراءه وحاشيته من الفاسدين في كل مناسبة وطنية وينشدون النشيد الوطني وصولا إلى البيت “ولا عاش في تونس من خانها ولا عاش من ليس من جندها” ثم ثبت بعد ذلك أنه كان خائنا وأن من حوله كانوا من كبار الخونة والفاسدين.

يبدو مما سبق ومن حال البلاد العربية أنّ مفهوم الوطنية والوطن يختلف في منطق السلطة عنه في منطق غيرها. ترى السلطة السياسية في “الوطن” تعبيرا عنها فتحصره في ذاتها هي بشكل تجعل من اسم البلاد نفسها مرتبطا بالسلطة السياسية. كان عبد الناصر هو مصر وبورقيبة هو تونس وصدام هو العراق والأسد هو سوريا والقذافي هو ليبيا… فاختفى الوطن وراء هالة الزعيم. بل أخطر من ذلك حين صار الزعيم هو من يحدد معيار الوطن والوطنية وهو الذي يقيس المسافة التي تقرّبك من الانتماء إلى الوطن وتلك التي تبعدك عنه.

صار نقد السلطة الحاكمة في الجزائر مثلا هو نقد للجزائر وذكر جرائم النظام في مصر هو هجوم على مصر وبذلك نجح الاستبداد العربي عبر أذرعه الإعلامية في ربط الوطن بالسلطة الحاكمة مهما بلغت من الظلم والعدوان.

إنّ من أهم الإنجازات التي ساهمت ثورات الربيع في تحقيقها تلك التي تتعلق بالفصل بين مجال السلطة السياسية فعلاً وخطابا وبقية مجالات الدولة والمجتمع. ساهمت ثورات الربيع في كشف أكذوبة الدولة الوطنية التي لم تكن في الحقيقة إلا وكيلا قمعيا للمنظومات والمجاميع الاستعمارية العالمية.

الوطن ليس الحاكم والوطنية ليست نشيدا حماسيا وشعرا عاطفيا وراية ملوّنة بل هي أعمق من ذلك بكثير وأرقى. الوطن ملك لأبنائه وملك لأجيال تصوغه وتصوغ كيانه عبر فعلها في الزمان وفي المكان وعبر نحت سيادة الشعب على أرضه من خلال الفعل الحضاري علما ومعرفة وقدرة على الفعل وعلى تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية. لا وطن ولا وطنية تحت نير الاستبداد بل إنّ الوطنية لا تبدأ إلا لحظة سقوط الاستبداد باعتباره ألدّ أعداء الوطن والمواطن والوطنية.

_____________