Minbar Libya

بقلم د. محمد أحمد

هل يمكن مناقشة تطور العلاقات الليبية الامريكية عبر مدخل محايد عقلاني تماما وغير متأثر بالانفعالات العاطفية والخلفيات الإيدلوجية، أظن أن ذلك صعب جدا ولكنه في نفس الوقت حتمي على الأقل من ناحية المصلحة الوطنية الليبية.

الجزء الأول

هذه المناقشة ضرورية لتقييم مدى العطب الذي أصاب هذه العلاقة من ناحية، ووضع خارطة طريق واضحة تساعد على رسم علاقة إيجابية مستقبلا من ناحية أخرى.

سؤال كان يدور دائما في خلد هذه الشخصية الليبية السياسية الغائبة، التي كانت تقابل برأيين مختلفين في الدولة الليبية:

الرأي الأول يقول إنه يمكننا العيش بدون أمريكا ونبني علاقاتنا مع دول عظمى أخرى مع التشديد بأن هذا الرأي كان موجودا بغض النظر عن النظام السياسي الذي كان يحكم ليبيا.

الرأي الآخر يقول إنه لا مناص من حل التعارض الأمريكي-الليبي وأن ميزان القوة يقول إن ليبيا هي من يجب أن تتنازل أكثر، والجدل داخل هذا الرأي عن مدى التنازل المقبول والذي لا ينبغي أن يتجاوز خط المصلحة الوطنية.

الشخصية السياسية الليبية كانت تعي تماما أن الولايات المتحدة لم تهتم يوما ببناء علاقة استراتيجية بينها وبين الدولة الليبية مثل تلك العلاقات التي احتفظت بها أمريكا مع دول الخليج العربي أو حتى مصر مثلا بجانب دول أواسط آسيا وعلى رأسها تركيا.

ليبيا ومعها مزيج من دول الشرق الأوسط كانت تقع في المنطقة الرمادية التي حددتها الاستراتيجية الامريكية كمناطق ينبغي إبعاد العدو الاستراتيجي عنها ولكن ليس بالتدخل المباشر بل عن طريق استعمال الحلفاء.

بانتهاء الحرب العالمية الثانية كانت بريطانيا قد استنزفت تماما من قدراتها الاستراتيجية وتراخت قبضة الامبريالية البريطانية الاستراتيجية عن مناطق كبيرة من نفوذها عالميا.

العقل البريطاني البراغماتي أحس بضرورة الانكماش والانسحاب لتغطية مواقعه الداخلية وإلا تعرض لنكسة محلية على أراضية، وكان التفكير في انسحاب بهدف التمدد من جديد بعد الراحة، ولكن هذا العقل البريطاني في نفس الوقت وبينما هو يمارس الانسحاب التكتيكي أمام صديقه وحليفه الانجلو-سكسون اللدود العم سام كان يزرع الألغام الكفيلة بتعطيل استفادة العم سام من مستعمراته السابقة لحين ما تصور الداهية الإنجليزي بما سيمنحه الوقت الكافي للرجوع إليها.

من ناحية الغريم الأمريكي فقد تراءى له أن وراثته لتركة بريطانيا عالميا هو ثمن مناسب لمساعدته إياها وانقاذه لها من براثن النازية والذي ما كان بدون شك ليحدث بدون التدخل الأمريكي الحاسم في إنهاء الحرب العالمية الثانية.

مشكلة الغريم الأمريكي أنه استبدل خبرة العقل البريطاني بحماقة قوته ليفتح صفحة جديدة في طبيعة العلاقات الدولية في العالم. هذا بالتأكيد كان عاملا مفرحا للعقل البريطاني مما سهل له عملية زرع ألغام مخفية للمتهور الأمريكي في نطاق الفراغ الذي تركه وراءه.

ليبيا، كانت أحد تلك المغانم المتروكة وفي نفس الوقت تم تصميمها من بريطانيا كلغم مقصود. هي أخر خط لنفوذ الانجلو-سكسون في طريق الحرير قبل أن تتداخل مع نفوذ الفرانكفون، وهما الحليفان المنتصران على الفاشية في المعسكر الغربي.

في ظل حيرة استراتيجية ترافقت مع بداية الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي بدأت الآلة العسكرية الامريكية تتحسس خطاها في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي لم تعد فقط طريقا لنقل الحرير واللؤلؤ بل صارت طريقا أيضا لإنتاج ونقل الذهب الأسود السائل سائل الطاقة والحياة للغرب الصناعي.

في ذاك الجو الضبابي السائد حينها وربما إما بزلة قدم أو بكمين محكم ورّط الدهاء البريطاني الديناصور الأمريكي على سواحل ليبيا ليكتمل الدرع الانجلو-ساكسوني حول طريق الحرير الشرقي بتواجد عسكري مباشر على الأرض.

الأرض الليبية المُفرغة سكانيا والقليلة القيمة من الناحية الاستراتيجية لتطرفها الجغرافي عن محور طريق الحرير أدى تدفق السائل الأسود من قلبها لزيادة استقطابها ناحية الثقل الشرقي المتحكم به الأنجلو-سكسون بعيدا عن القطب الفرانكفوني في المغرب العربي وامتداه الافريقي واستلزم ذلك تعزيز التواجد العسكري من قبل الأنجلوسكسونية لرسم الحد الفاصل.

معادلة استراتيجية دخلت ضمن ميزان القوى العالمي في ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

يتوجب القول إن التواجد الأجنبي على الأرض الليبية تاريخيا لم يضيف أي قيمة استراتيجية لأي امبراطورية عالمية فرضت نفوذها عليها ألا في حدود ضيقة جدا، بل كانت كلفته في أحيان كثيرة أكثر من نفعه، ما جعل تلك الامبراطوريات تعيد دائما حسابات تواجدها على هذه البقعة.

وجدلا فأن قيمة التواجد الأجنبي في ليبيا لا يخدم من ناحية استراتيجية أي هدف سوى وضع مخزن للقوى متأهب للتأثير على مثلث التلاقي بين قارتي آسيا وأفريقيا. حتى تعبير “البطن الرخوة للتمساح” الذي أستعمله تشرشل ويتردد بأنه كان يشير إلى ليبيا في جزء منه كمنطلق نحو جنوب أوربا، فُرغ من معناه بعد عملية الانزال في نورماندي وتجاوز الحلفاء عن تفكير تشرشل التافه في الاختراق الجنوبي.

اللغم الأساسي في المنطقة والذي تركه الداهية البريطاني للعم سام الأمريكي ليتعامل معه أثناء فترة نقاهة احفاد تشرشل بعد الحربان العالميتان هو “الكيان الصهيوني”، لغم من النوع العنقودي والذي لا يتوقف عن التفجير المتسلسل.

السياسة الامريكية على مر أكثر من ست عقود من الزمن لم تكن أسيرة فقط لهذا اللغم المصمم بمهارة فائقة بل أيضا ملتزمة تابعة للعقل البريطاني في وسيلة المعالجة. وبغض النظر عن كل التحولات السياسية الداخلية التي أصابت المنطقة بفعل هذا اللغم الاستثنائي والتي أصاب ليبيا الكثير منها، ألا أن النتيجة واحدة وتصب في تعقيد العلاقة الامريكية العربية سواء على مستوى العالم العربي مجتمعا أو على مستوى كل دولة على حدة بمستويات متباينة.

نظريا كان يمكن للعلاقة بين ليبيا والولايات المتحدة مع كل التناقض الايدلوجي أن تكون في أفضل مستوياتها إذا ما أستثنينا وجود هذا اللغم السياسي.

فمن ناحية اقتصادية كانت الولايات المتحدة مصدرا أساسيا لتمويل وتحديث الصناعة النفطية الليبية بمشاركة مباشرة سواء من ناحية التواجد المباشر أو التسويق.

ومن ناحية ثقافية فأن التوجه الوجودي نحو الكتلة الأنجلوسكسونية كان متسقا إلى حد كبير مع ميول السكان الليبيين بعد مقتهم للفعل الاستبدادي والفاشي، سواء كان الايطالي أم غيره في بلدهم.

أما من ناحية أيدلوجية فأن سكان ليبيا كانوا في كل الأوقات أقرب إلى الثقافة التي تمثلها المسيحية المعتدلة المحدثة والبعيدة عن التشدد الكاثوليكي أو الأرثوذكسي أو الثقافة الملحدة عبر النقلات التاريخية والذي لم يكتب لليبيا أن تعيشه محليا وكان يحمل في طياته تناقضا محوريا مع الكثير من القيم الإسلامية.

وبدون الدخول في تفاصيل دقيقة لا يجدي اليوم اجترارها فأن الخلاف الأمريكي الليبي بدأ يتسع رويدا مع زيادة انغماس ليبيا سياسيا كدولة مستقلة في الشأن الشرق أوسطي ومحوره قضية فلسطين.

وبينما ثارت علامات الشك لدى المحور الانجلو-سكسوني عندما توجهت ليبيا إلى المحور الفرنكفوني في بداية السبعينات للتسليح بعد التغيير السياسي الذي حدث بها، ألا أن ذلك التوجه لم يثر خلافا جوهريا يستحق رد فعل سياسي جسيم من قبل أمريكا أو حتى بريطانيا، خصوصا بعد التغيير الاستراتيجي الذي حدث في مصر بمجيء الرئيس السادات لحكم مصر.

الأمر الذي يمكن أن يعتبر محفزا لزيادة حدة الخلاف الأمريكي-الليبي بصورة سريعة هو تطور الانغماس الليبي في قضية فلسطين من دور المساند البعيد لاسترجاع الحقوق الفلسطينية بعد انسحاب دول الطوق من المواجهة الشاملة مع الكيان الصهيوني (وهو دور اختارت أن تلعبه معظم الدول العربية فخريا بعد قمة الخرطوم ومبادرة روجز) إلى أن يكون دورا مشاركا في العمليات عن طريق التدريب والتمويل للمقاومة الفلسطينية والتي زادت حدتها اتساعا وعنفا.

البقية في الجزء الثاني

***

مذكرات افتراضية عن لسان شخصية سياسية ليبية غائبة

_______________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك