Minbar Libya

مع مرور الأيام، تتضح طبيعة الدور الإماراتي وحجمه إزاء عدد من الأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. فعلى الرغم من أنّ دور أبوظبي في دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر، قائد مليشيات شرق ليبيا، وتزويده بالسلاح والمرتزقة، من تشاد وسورية والسودان بالتنسيق مع حليفها الآخر محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد قوات الدعم السريع، لم يعد خافياً على أحد، إلا أنّ هناك جانباً آخر جديداً كشفت عنه مصادر خاصة بشأن تحركات إماراتية بالتنسيق مع حفتر وأبنائه للاستيلاء على ذهب الجنوب الليبي، حيث تسيطر مليشيات تتبع اللواء المتقاعد.

وكشفت مصادر مطلعة، تحدّثت لـ”العربي الجديد”، عن لقاء غير معلن جرى الأسبوع الماضي بمدينة الكفرة في أقصى الجنوب الليبي، شارك فيه مسؤولون إماراتيون رفيعو المستوى، إلى جانب صدام نجل خليفة حفتر، وهو قائد مليشيات طارق بن زياد، وعبد الرحمن الكيلاني، آمر كتيبة السلام التي تنشط وتملك نفوذاً واسعاً في منطقة الكفرة.

لقاء غير معلن جرى الأسبوع الماضي شارك فيه مسؤولون إماراتيون، إلى جانب صدام نجل خليفة حفتر، وعبد الرحمن الكيلاني آمر كتيبة السلام

وقالت المصادر إنّ اللقاء الذي شهد مشاركة المسؤولين الإماراتيين الذين وصلوا إلى ليبيا عبر طائرة خاصة حطت في شرق البلاد، ليرافقهم نجل حفتر، جاء بهدف ترتيب اتفاق بين الأطراف الثلاثة على نقل كميات كبيرة من الذهب المستخرج من جبل العوينات الواقع بالمثلث الحدودي بين ليبيا والسودان ومصر، إلى الإمارات، تحت حماية وتأمين مليشيات السلام التي يقودها الكيلاني، بالإضافة إلى تأمين العاملين بتلك العمليات، بمن فيهم من شخصيات إماراتية ستشرف على عمل شركات ستتولى عمليات التنقيب عن الذهب في تلك المنطقة.

وكشفت المصادر أنّ الاتفاق شمل تزويد مليشيات السلام في مدينة الكفرة بعدد من سيارات الدفع الرباعي، وكميات من الأسلحة الخاصة بتلك السيارات، وأفراد من المليشيات، وذلك مقابل الدور الذي ستقوم به في تأمين عمليات الإمارات بنقل الذهب من المنطقة.

وتقع سلسلة جبال العوينات الغنية بالذهب أقصى الحدود جنوب شرق ليبيا، وتمتد عبر الأراضي الليبية والمصرية والسودانية بمساحة تبلغ 1500 كيلومتر مربع، حيث يقع أكثر من 60 في المائة منها في ليبيا، بينما الـ40 في المائة الأخرى من مساحتها تقع ضمن حدود مصر والسودان.

وكثُرت أعمال التنقيب عن الذهب في تلك المنطقة خلال السنوات الأخيرة بسبب الانفلات الأمني، وقادت تلك العمليات مجموعات ليبية مسلحة وعصابات قادمة من السودان وتشاد.

قبل أن تصبح بعد ذلك جبال العوينات هدفاً لحكام أبوظبي، وذلك بعد أن كشف تقرير لـ”مجلس الذهب العالمي” أن تحت جبل العوينات الغرانيتي وصخوره النارية السوداء يقع ثاني أكبر مخزون للذهب في القارة الأفريقية، خصوصاً في ظلّ سهولة استخراجه، إذ لا يتطلب حفراً عميقاً ولا إمكانات كبيرة، ووسط غياب كامل للدولة عن تلك المنطقة.

وتعدّ منطقتا كوري أدري والطينة الغنيتان بالمناجم على الحدود، بالإضافة إلى أخرى غير آهلة بالسكان مثل منطقة كركور حميد، من أكثر الأماكن التي تنشط فيها عصابات الذهب، حيث يوجد المعدن الثمين بكميات كبيرة في تلك المناطق بين الأودية.

اتفاق على نقل كميات كبيرة من الذهب المستخرج من جبل العوينات إلى الإمارات

وكانت تقارير صحافية دولية قد كشفت عن سيطرة أبوظبي على ذهب السودان عبر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، الذي تسيطر قواته على مناجم عدة للذهب في دارفور ومناطق سودانية أخرى.

وأوضحت التقارير أنّ حميدتي أصبح أحد أغنى رجال السودان، بعدما باتت قوات الدعم السريع تسيطر على منجم جبل عامر للذهب في دارفور منذ عام 2017، كما تسيطر على ثلاثة مناجم أخرى على الأقل في جنوب كردفان وغيرها، ما يجعل حميدتي وقواته لاعبين رئيسيين في الصناعة الأكثر ربحاً بالسودان.

وكشفت تلك التقارير أنّ شقيق حميدتي، عبد الرحيم دقلو، وأبناءه يملكون شركة “الجنيد” التي تعدّ إحدى أهم شركات التنقيب عن الذهب، وأنّ عبد الرحمن البكري نائب حميدتي هو المدير العام للشركة، في وقت تمتلك فيه الأخيرة وكذلك قوات الدعم السريع، حسابات مصرفية في بنك أبوظبي الوطني في الإمارات.

وبحسب تقارير دولية، تعدّ الإمارات أكبر مستورد للذهب السوداني في العالم، إذ استوردت 99.2 في المائة من الصادرات، وفقاً لبيانات التجارة العالمية لعام 2018.

وبحسب تقارير عدة، فإنّ الإمارات كانت قد تعاقدت ضمن اتفاق واسع مع حميدتي لتزويد مليشيات حفتر بالمرتزقة والمقاتلين للقتال في ليبيا، مقابل الأموال والسلاح.

**********

حفتر.. الذهب مقابل المال

بقلم علي حسين باكير

في حزيران (يونيو) الماضي، تحدّثت تقارير دولية عن دور محتمل لأمير الحرب الليبي خليفة حفتر في نسج علاقات مع نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا. وكالة رويترز نشرت تقريراً آنذاك قالت فيه إنّ الولايات المتّحدة شرعت في إجراء تحقيقات معمّقة حول التقارير التي تحدّثت عن تواجد طائرة حفتر الخاصة في العاصمة الفنزويلية كاراكاس في ذلك الوقت، في مهمّة للاتفاق على صفقات نفط.

الدور الأسود لحفتر

أحد المسؤولين الأمريكيين أشار إلى أنّ المعلومات تتعلّق بالنفط الذي يخضع لعقوبات أمريكية وأمميّة أيضاً. ويُعتَقَد أنّ حفتر كان يحاول بيع النفط الليبي بطريقة غير مشروعة لعدد من اللاعبين الدوليين مقابل الحصول على المال بطريقة مباشرة لتمويل عملياته العسكرية لاحتلال العاصمة طرابلس.

قبل أيام فقط، عاد الحديث مجدداً عن العلاقات التي تربط حفتر بمادورو. صحيفة الوول ستريت جورنال نقلت على لسان مسؤولين أمنيين أمريكيين وأوروبيين قولهم إنّ التحقيقات جارية بخصوص دور محتمل لحفتر في علاقات الذهب مقابل المال مع النظام الفنزويلي.

ويشير التقرير إلى أنّ الحكومة الليبية كانت تتبّعت طائرة حفتر الخاصة بمساعدة الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة وأنّه من المحتمل أن تكون قد نقلت الذهب من فنزويلا إلى مناطق أخرى في غرب أفريقيا ومنها إلى أوروبا والشرق الأوسط.

من الملاحظ أنّ مثل هذه التقارير عن الدور الأسود لحفتر باتت تظهر بشكل مكثّف بعد الهزائم التي مُني بها في وسط وغرب البلاد على يد القوات الحكومية الليبية المدعومة من قبل تركيا، وهو ما يُعدّ مؤشّراً إضافياً على أنّ ورقة حفتر قد تكون انتهت تماماً نظراً لكم الاتهامات التي تنتظره على مستوى جرائم الحرب التي ارتكبها والمجازر الجماعية التي تتكشّف مؤخراً في عدد من المناطق الليبية التي كان يسيطر عليها، وصفقات السلاح الفاسدة، والتجارة غير المشروعة التي قادها مع عدد من الجهات مقابل تمويل حملته العسكرية ضد الشعب الليبي.

صحيفة الإندبندنت على سبيل المثال كانت قد نشرت الشهر الماضي تقريراً يتحدث عن خسارة حفتر ما يزيد على 55 مليون دولار في صفقات سلاح فاسدة. وبحسب ما أوردته الصحيفة، فقد تعاقد حفتر مع عدد من سماسرة السلاح الغربيين لشراء معدات حربية منها مروحيات هجومية وطائرات استطلاع وسفينة بَحرية، لكنه لم يحصل على شيء منها بعد أن كان قد دفع لهم مبالغ طائلة.

المثير للاهتمام في التقارير المرتبطة بعلاقة حفتر بمادورو أنّه إذا كان قد تورّط فعلاً في تجارة للنفط أو الذهب فلا بد أنّ ذلك قد تمّ بمساعدة من أحد اللاعبين الإقليميين أو الدوليين. ما أوردته صحيفة إندبندنت مؤشر إضافي على ذلك، فالرجل يفتقد على ما يبدو إلى أدنى الكفاءة المطلوبة في أي من الأعمال التي يقوم بها، ومن غير الوارد أن تتم المخاطرة بهذا النوع من التجارة من خلال ترك إدارتها له.

ثلاث جهات

نظرياً، هناك ثلاث جهات من الممكن أن يثبت تورّطها لاحقاً بمساعدة حفتر وهي على الأرجح الإمارات وفرنسا وروسيا.

روسيا ترتبط بعلاقات وثيقة مع مادورو وهي أبرز لاعب في صف حفتر ولا تزال الوحيدة التي تدافع بشكل شرس عنه في الوقت الذي يتحاشى فيه الآخرون الإشارة إليه وبعضهم تنصّل منه مؤخراً بشكل علني كفرنسا على سبيل المثال.

أمّا الإمارات فهي متخصّصة في مجال التجارة غير الشرعية على مستوى العالم ومن بينها تجارة الذهب وتبييض الأموال.

لقد سبق لها أن تورطت في تهريب أطنان من الذهب الليبي أو ما يعادل أكثر من 3 مليارات دولار ونقله إليها بحسب البيانات الرسمية الليبية. كما كشف تحقيق مفصّل لرويترز في العام 2019 أنّ الإمارات متورطة في سرقة أطنان من ذهب أفريقيا.

المثير للاهتمام في هذا الصدد أنّ الإمارات لم تُغيّر من عاداتها، فقد صنّفت كارنيغي في تقرير مُطوّل لها صدر قبل أيام دبي على أنّها بؤرة عالمية للأموال القذرة وتهريب الذهب. إذ يعمل في دبي وعبرها فاسدون من جميع أنحاء العالم يجدون فيها مكانا ملائما لأنشطتهم في غسل الأموال، بينهم أمراء الحرب الأفغان والعصابات الروسية واللصوص النيجيريون وغاسلو الأموال الأوروبيون ومهربو الذهب من أفريقيا.

أمّا الاحتمال الآخر فهو أن تكون فرنسا قد لعبت دوراً في تسويق نفط حفتر غير الشرعي سيما أنّ هناك العديد من التقارير التي تشير إلى أنّ باريس هي في حقيقة الأمر أحد زبائن النفط الليبي غير الشرعي، كما أنّ تجربتها في سوريا تقول بأنّها لا تمانع التعامل مع أطراف شرعية أو جماعات إرهابية في سبيل تأمين مصالحها.

ولعل قصّة حماية معامل الإسمنت الفرنسية في سوريا من قبل “داعش” مقابل الحصول على أتوات هي أشهر من نار على علم كما يقال.

وفي ما يتعلّق بروسيا، فهي تبقى اللاعب الأقوى والأكثر قدرة على دعمه وحمايته، حيث يتغطّى جميع اللاعبين الموالين لحفتر الآن بموسكو وموقفها لا سيما بعد انتقادها العلني لحكومة الوفاق الوطني وامتناعها عن انتقاد حفتر. لقد لعبت روسيا دوراً في إرسال الأسلحة والمعدات العسكرية والمرتزقة إلى ليبيا لدعم حفتر خلال المرحلة الماضية.

كما أنها قامت كذلك بطباعة مبالغ ضخمة من العملات المزوّرة وضخّها في السوق الليبية لصالح أمير الحرب، آخرها شحنة من العملات المزوّرة تمّت مُصادرتها في مالطا.

أيّاً تكن الجهة التي ساعدت حفتر، فإنّ توالي الأخبار من العواصم الغربية عن علاقاته المشبوهة وفساده وانخراطه بشكل عميق في التجارة غير المشروعة وفي جرائم الحرب، تعني أنّ الرجل قد انتهى، سياسياً وعسكرياً.

___________