بقلم د. محمد أحمد

هل يمكن مناقشة تطور العلاقات الليبية الامريكية عبر مدخل محايد عقلاني تماما وغير متأثر بالانفعالات العاطفية والخلفيات الإيدلوجية، أظن أن ذلك صعب جدا ولكنه في نفس الوقت حتمي على الأقل من ناحية المصلحة الوطنية الليبية.

الجزء الثاني

نقطة اللاعودة

نقطة اللا-عودة بالنسبة للولايات المتحدة أعتقد أنها سجلت بانحياز ليبيا للثورة الإسلامية في إيران، وبالرغم من أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي كارتر حاولت أن توسط ليبيا بينها وبين إيران في قضية رهائن السفارة الامريكية، ألا أن المظاهرات التي حطمت السفارة الامريكية في طرابلس احتجاجا على الهجوم الجوي الأمريكي على إيران لتحرير الرهائن كانت الضربة القاصمة للعلاقات المترنحة.

وكان هذا أول انتصار حقيقي للفريق الليبي المتطرف وقد أقول المتهور ضد العلاقات الليبية الامريكية.

ما زاد الطين بله هو انتقال الاهتمام الليبي من الاعتماد على نظم الأسلحة التقليدية إلى محاولة الحصول بشكل من الاشكال على نظم أسلحة تدمير شاملة وصلت إلى التقدم للحصول على أسلحة نووية بعد نجاح باكستان الحليف الإسلامي في تطوير قنبلة نووية اعتمادا على التمويل الليبي.

وهم شعور القوة باقتراب تحقيق الحلم النووي الليبي منح انتشاء لبعض النخب السياسية في الفريق الليبي المعادي للاتجاه الأمريكي بأنه لا يمانع تطوير مرحلة الاختلاف إلى مرحلة عداء كامل.

هذا بالطبع كان يسنده شعور شعبي عام بالنقمة من سياسات دعم الولايات المتحدة للكيان الصهيوني، وظفه هذا الفريق لإزاحة الفريق المقابل الذي كان يرى مدى فداحة هذا الاتجاه التصاعدي في العداء.

وبينما كانت وجهة النظر السياسية الليبية بأن الشأن الفلسطيني كقضية نضال عادلة يجب ألا تكون عنصرا في معادلات العلاقة الليبية-الامريكية ألا أن الفكر السياسي الأمريكي ربط مصير العلاقة كلها بهذا المحور.

لا يمكن بالتأكيد فصل التأثيرات الشخصية عن مجرى هذه الاحداث والتي عملت المؤسسة السياسية الامريكية على تجذيرها في صلب استراتيجية عامة تعاملت بها لتفكيك اللغم الإنجليزي في منطقة الشرق الأوسط.

فالقضية تم ربطها إعلاميا ووجدانيا أمام الرأي العام العالمي بشخصيات سياسية معينة من الجانبين اتهمت بأنها هي العائق لحلول السلام في المنطقة.

وتم نقل ملف القضية برمتها بعد اعتراف الأمم المتحدة بأن الصهيونية ظاهرة فاشية والذي لعبت فيه ليبيا دورا سياسي مؤثر إلى ركن الإرهاب الدولي خصوصا بعد مجيء اليمين المحافظ بقيادة رونالد ريغان إلى الحكم.

وبعد سلسلة من المسرحيات السياسية حين تم اتهام ليبيا بإرسال فرق اغتيال لقتل الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عبر حدود كندا وسحب ملف اعلان ليبيا القديم لبسط سلطتها على خليج سرت كمياه إقليمية لاستعماله لتصعيد الخلاف السياسي وقيامها بتمويل وتدريب الفصائل الفلسطينية (مع استثناء الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي كان الولايات المتحدة أكبر داعميه)، أدخلت المؤسسة السياسية الامريكية ليبيا في بؤرة الوسط التشريعي الأمريكي كعدو ومصدر تهديد للمصلحة القومية الامريكية.

لم تقوم أمريكا فقط بمعاداة لدولة ليبيا على أسس سياسية بل امتد الفعل الأمريكي إلى ممارسة تعجرف سياسي صريح بغية استدراج السياسة الليبية إلى مزيد من ردود الفعل الغاضبة باستراتيجيات tit-for-tat أو العين بالعين والسن بالسن.

هذه التكيتات لم تكن فقط لإغاظة الليبيين بل كان هدفها أمريكيا حيث ستشجع السلطات التشريعية الامريكية بناء على ردود الأفعال العنترية المتوقعة من ليبيا، بالسماح للسلطة التنفيذية بممارسة أقصى أنواع الضغط السياسي وربما العسكري على هذه الدولة الصغيرة.

وبالرغم من وعي المؤسسة السياسية الليبية على أعلى المستويات بهذا الاستدراج ومحاولتها التملص من استحقاقات المواجهة التي يتم فرضها على مستوى تشخيص المسألة ألا أن الأجهزة الدعائية الجبارة التي تمتلكها المؤسسة الامريكية واصلت هذه المواجهة وتم نقلها إلى مستويات متقدمة بتنفيذ مواجهات عسكرية مباشرة في خليج سرت وانتهت بالغارة الامريكية على طرابلس وبنغازي.

كانت النظرية الامريكية تقوم على أن تكثيف المواجهة الحادة مع ليبيا كدولة تعبر عن نسق سياسي معين في منطقة الشرق الأوسط هي قليلة التكلفة مقارنة ببدائل أخرى قد تكون تكلفتها المالية والسياسية أعلى.

استراتيجيات العين بالعين والسن بالسن لم تستمر سوى لسنوات معدودة فترة حكم الرئيس ريغان. بدأت هذه الاستراتيجيات بالتوجيه الرئاسي لشركات النفط الامريكية للانسحاب من ليبيا في 1981 والذي تجاوبت معه شركتي أكسون وموبيل ومن ثم الأمر الرئاسي للشركات الامريكية الباقية من الانسحاب من ليبيا، وتجميد الأرصدة الليبية المالية في أمريكا.

كل ذلك تم للحقيقة بدون أي سند تشريعي دولي مبرر لمثل هذا التحرك.

ولابد هنا من التشديد أن ليبيا لم تقم بأي رد فعل متطرف معاكس كاللجوء لتأميم مصالح شركات النفط الامريكية المغادرة مثلا بل استمرت في بتنفيذ التزاماتها التعاقدية بحفظ الأصول لحين ما تمت عودتها في 2005، ولكنها قامت فقط من ناحية شكلية برد فعل صوري بصدور قرارات المعاملة بالمثل كالأمر بانسحاب الشركات الليبية من أمريكا ومنع تصدير النفط لأمريكا ردا على قرار حظر توريد النفط الليبي لأمريكا مباشرة أو عن طريق وسيط.

وصول الأمور إلى هذا الحد كان بلا شك انتصارا للفريق الليبي المتطرف ضد الاستمرار في أي نوع من العلاقات مع أمريكا من منطلقات أيدولوجية ومصلحية كذلك. الغريب في الأمر أن هذا الفريق كشخوص لاحقا أنقلب 180 درجة مع تغير الظرف والزمان.

مع انتهاء ولاية الرئيس ريغان أظن شخصيا أن الولايات المتحدة حققت معظم أهدافها الليبية واسقطت تكتيكات tit-for-tat مع التواء بسيط في الموضوع وهو قضية لوكيربي.

بعد جدار برلين كان واضحا أن المسرح الدولي يتجه لإسقاط النموذج العنيف من قضية فلسطين.

ولست في وارد أن اجادل في مسئولية ليبيا عن لوكيربي والتي اعتقد شخصيا بعدم صحة الطريقة التي تم إخراجها بها للمجتمع الدولي ولكنها للمصادفة خدمت غرض سياسي في فصل ما بعد التصعيد “الجمهوري” على ليبيا.

كان من الضروري إبقاء ليبيا تحت الضغط السياسي القوي لحين تفكيك ما تصور العم سام أنه متبقي من اللغم الإنجليزي “الكيان الصهيوني-فلسطين”.

لا يمكن أبدا فصل منظر المصافحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من الناحية الشكلية أو من الناحية الموضوعية عن مناظر انهيار سور برلين، تغييرات البنية العسكرية والسياسية في الخليج العربي، واحكام الحصار الدولي على ليبيا.

وبينما كانت نتائج التطورات السياسية العالمية أمام صانع القرار السياسي في ليبيا تشير بوضوح بأنه قد فقد الرهان القائم على طبيعة توازن القوى العالمي واستمرار الحرب الباردة بعد أن تم الاجهاز على أي فرص لعودة الاتحاد السوفييتي بالقضاء على حركة الحزب الشيوعي المضادة لتوجهات غورباتشوف، والتي أيدتها ليبيا في وقت ضائع في خطأ استراتيجي فادح، فأن تقدم القوات الامريكية لتحرير الكويت كان الحلقة الأخيرة في خسارة هذا الرهان.

وبينما كان انشغال الولايات المتحدة عسكريا في منطقة الخليج العربي شيئا إيجابيا من الناحية الليبية ألا أن الولايات المتحدة لم يكن لها أن تفلت الدولة الليبية من الترتيبات الضاغطة وخصوصا وهي تعد للقاء اعتبرته تاريخيا ينهي المقاومة الفلسطينية العنيفة لذا جاءت لوكيربي كتضخيم سياسي مباشر لحادث إرهابي صغير ومقيت واعتبرته آخر الحلقة في سلسلة tit-for-tat التي بدأتها وأرادت أن تنهيها بطريقتها.

وبعد النهاية المتوقعة لقضية لوكيربي المتمثلة في تأجيل الحسم العسكري الأمريكي ضد ليبيا بسبب استمرار التعقيدات السياسية في الخليج العربي، ومحاولة احتوائها وتجريدها من أي أوهام للقوة والذي تمثل في تفكيك برامج التسلح الكيماوي والنووي، قامت الولايات المتحدة بفتح أبواب للتعاون الحذر مع ليبيا، وسمحت للشركات الامريكية للعودة إلى ليبيا مع السماح للشركات بتعويض الحكومة الليبية بشكل غير مباشر عن المبالغ التي دفعت لضحايا طائرة لوكيربي.

أريد أن أشير هنا كما لاحظت اعلاه إلى أن الفريق الليبي المضاد لتأسيس أي علاقة مع الولايات المتحدة الامريكية كان أول الداعمين للتوجه السياسي الليبي الجديد والذي وصل في أحد أوجه للتسليم الكامل خصوصا في برنامج التسليح النووي وإفشاء دور باكستان فيه.

البقية في الجزء الثالث

***

مذكرات افتراضية عن لسان شخصية سياسية ليبية غائبة

_______________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك