بقلم د. محمد أحمد

هل يمكن مناقشة تطور العلاقات الليبية الامريكية عبر مدخل محايد عقلاني تماما وغير متأثر بالانفعالات العاطفية والخلفيات الإيدلوجية، أظن أن ذلك صعب جدا ولكنه في نفس الوقت حتمي على الأقل من ناحية المصلحة الوطنية الليبية.

الجزء الثالث

احتمالات العلاقة الليبية الامريكية مستقبلا

توقف التحليل عند نقطة عودة العلاقات الحذرة بين الولايات المتحدة وليبيا بعد انتهاء وتسوية قضية لوكيربي.

وتلخيصا لما ورد أن ليبيا كجغرافيا تقع في منطقة رمادية متطرفة عن طريق الحرير بعد حافة محور نفوذ الانجلو-سكسون الشرق أوسطي المحاذي لبداية نفوذ الفرنكوفونية في شمال افريقيا.

استراتيجيا موقع لا يغري بتواجد عسكري أجنبي مباشر للإمبراطوريات الكبرى عدا في حالة فقدان مصر كنقطة تلاقي لقارتي آسيا وأفريقيا.

وقد أثبتت التجارب التاريخية للتمدد الامبراطوري نحو ليبيا أن تكلفة الحفاظ على البلد هذا الصحراوي داخل النفوذ الامبراطوري أكبر من المنافع التي تجنيها لعاملين هامين هما قلة الموارد الطبيعية وشدة مقاومة السكان المحليين للتواجد الأجنبي.

وقد يجادل البعض بزيادة الأهمية الاستراتيجية لليبيا بعد اكتشاف وإنتاج النفط وهو قول مقبول ولكن أيضا له حدود لدى الفكر الامبريالي.

فالنفط سلعة وقتية لكونه سلعة ناضبة من ناحية ما يسبب مجرد ارتفاع مؤقت في الأهمية الاستراتيجية للبلد، أما من ناحية أخرى فأن توسع الاكتشافات النفطية خارج ليبيا أضعف هذا العامل الاستراتيجي المؤقت.

هذه الحقائق شكلت وستشكل هيئة العلاقات الليبية مع الخارج. أن الصراع الدولي في ليبيا لا يشكل في الناحية الأكبر منه صراع أطماع بل هو صراع ساحة أي أن الأطراف الخارجية المتقاتلة تجد الفضاء الليبي مساحة جيدة لحسم صراعاتها بعيدا عن مناطق التركز السكاني.

يمكن القول إن الاطماع الجدية الوحيدة في ليبيا سواء اقتصادية أم سياسية تأتي من الساحل الإيطالي الذي يتبع استراتيجية التربص، ويهجم فقط عندما تنشغل الأطراف الدولية الكبرى بمواجهات بعيدا عن هذه المنطقة.

ولعلي أخرج هنا قليلا عن موضوع المقال لأقول إنه من دواعي المصلحة الوطنية لليبيا أن تقوم الدولة بتعزيز عوامل الاستقرار عبر تقوية عامل توقع شدة مقاومة السكان المحليين التاريخي ضد التواجد الأجنبي خصوصا في غياب رادع قلة الموارد الذي ألغاه وجود الثروة النفطية و للأسف بدأ يعظم اللااستقرار في البلد بلجوء السكان للاستنجاد بالقوات الأجنبية وفقا للمصالح الجهوية واهمال المصلحة القومية الجامعة.

وبالعودة لموضوعنا عن الاحتمالات المستقبلية للعلاقات الامريكية الليبية نشير بانه قد تراءى لبعض النخب السياسية الليبية بأن التغيير السياسي الذي حدث في 2011 سيكون كفيلا بازدهار هذه العلاقة بعد أن تم تحييد فكر سياسي ليبي مناوئ للمصالح الامريكية في المنطقة.

قد لا أكون مخطئا حين أصف هذه النخب بالسذاجة السياسية كأقل وصف.

هذا لا يعود إلى خطأ هذه النخب في تقدير النيات الامريكية تجاه ليبيا فحسب في المرحلة اللاحقة بل أيضا إلى خطأهم في تقدير العوامل المحلية تجاه هذه القضية.

الولايات المتحدة نفسها يبدو أنها أخذت على حين غرة ضمن ترتيبات أوربية غربية انطلقت من فرنسا لصياغة وضع سياسي جديد في ليبيا بالقوة المسلحة.

لا يعني هذا على الاطلاق أن الولايات المتحدة قد تخلت عن خيار الحسم العسكري المؤجل في ليبيا بل أنه قد حدث أبكر مما توقعته أمريكا. ويبدو أن نتائج الفوضى التي عمت ليبيا بداية من هذا العقد بسبب التدخل العنيف والمبتور من حلف شمال الأطلسي فاجأت الأمريكيين وهم يحاولون لملمة الأوضاع السياسية في الشمال الافريقي الامر الذي انعكس بصورة صارخة في مقتل السفير الأمريكي في ليبيا بمدينة بنغازي.

وبينما لا يمكن قراءة حادثة مقتل السفير الأمريكي في بنغازي بمعزل عن الجو العام المشحون سواء في ليبيا نفسها أم بما يحدث حولها في المنطقة ألا أن هذه الحادثة تثبت وبوضوح عدم وجود أي رؤية أمريكية عميقة آنذاك لدور أمريكي محتمل في ليبيا.

السؤال هنا هو هل استطاعت الولايات المتحدة تطوير هذه الرؤية خلال السنوات التي تلت هذه الحادثة.

بعض الاحداث التي جرت على الأرض تشير بوضوح أن الولايات المتحدة لا تزال أسيرة التوجه الريغاني (نسبة إلى رونالد ريغان) في نسج علاقاتها مع ليبيا، وهو ما أشرت إليه في الجزء الأول من المقال.

الحادثة الأولى هي خطف نزيه الرقيعي من منزله في طرابلس بتهمة عضويته في القاعدة ومشاركته في تفجير السفارة الامريكية في نيروبي ولمحاكمته في أمريكا.

الحادثة الثانية هي خطف أحمد بو ختالة بتهمة مشاركته في قتل السفير الأمريكي في بنغازي ولمحاكمته أيضا في أمريكا.

أما الحادثة الثالثة فهي منع المواطنين الليبيين من ضمن قائمة فيها عدد من الدول الإسلامية من دخول الولايات المتحدة.

التوجه الريغاني كما سبق وأن أشرت يقوم أساسا على مذهب التعجرف السياسي وتوجيه ضربات لسعات الدبابير.

وبالرغم من أن لدي الكثير لأكتبه عن التخاذل الليبي على هذا السلوك الأمريكي فأني أشير بعجالة إلى ان السلوك الامريكي لم ينتهك أبسط مبادئ السيادة الوطنية فحسب بل وجه عن عمد صفعات مذلة لما بقى من الكبرياء الوطني الليبي، هذا بغض النظر عن إدانة أولئك المواطنين الليبيين والتي كان يفترض أن تنفذ في ساحة القضاء الليبي صاحب الولاية (ولا بد من التذكير هنا أن المحاكم الامريكية نفسها لم تصل إلى خلاصة مؤكدة في هذا الخصوص، وتم إرجاع نزيه جثة إلى أهله والحكم على بو ختالة في قضايا لا صلة لها بحادثة قتل السفير).

لا بد من القول إن ليبيا ككيان سياسي اليوم ليست في أفضل أحوالها بما يسمح لها من مجاراة القوى الامريكية العظمى حتى بصورة دعائية وعليها أن تتجرع السم لمحاولة تثبيت مركبها الذي يغرق رويدا رويدا في بحر من الفوضى. ولكن يجب أن تكون العيون الليبية مفتوحة على مدى الاهتمامات الامريكية في ليبيا لمنع الإغراق في وهم وجود أي نجدة أمريكية لبلدهم.

من التجربة التي استعرضناها، يمكننا الوصول إلى بعض الخلاصات التي ستساعدنا في وضع الاحتمالات المستقبلية للعلاقات الامريكية-الليبية.

هذه الخلاصات هي:

أولا: أن الولايات المتحدة استراتيجيا وفقا لتوازن القوة الحالي غير مهتمة بموقع ليبيا الجغرافي ولا توجد لها أطماع في البلد باستثناء بعض المصالح النفطية المؤقتة والتي تتبع شركات نفطية أمريكية هامشية لا تؤثر بصورة كبيرة على مركز صنع القرار الأمريكي.

ثانيا: أن اهتمام الولايات المتحدة بليبيا ينبع أساسا من محاولة منع تحويلها إلى ساحة مواجهة إقليمية بسبب الفراغ الاستراتيجي الذي تركته أوضاع ما بعد 2011 وما رافقها من سقوط وتشرذم الترتيبات الأمنية العربية.

ثالثا: أن استمرار سلوك التعجرف الأمريكي سواء في ليبيا أو في فلسطين “وهو بالمناسبة سلوك اعتيادي مارسته الولايات المتحدة مع كوبا وجمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية”، سيسبب دون شك مقتا داخليا متصاعدا ضد الولايات المتحدة خصوصا بعد تأكد تراجعها عن دور الشريك الاستراتيجي الذي سوقت له بعض النخب السياسية الليبية والتي سيكون عليها مواجهة الغضب الشعبي.

ومن هنا فأن احتمالات العلاقة الليبية-الامريكية يمكن أن تتلخص في النماذج التالية:

النموذج الكوبي:

ويتمثل في علاقة الاضطرار بين نسقين سياسيين متخالفين، ولكن هنا الولايات المتحدة تقع تحت ضغط الجغرافيا وكوبا تقع تحت ضغط الاقتصاد. وبينما لا تسمح كوبا للأمريكيين باعتبارها ماخور ليلي وكازينو قمار، فأمريكا لا تسمح لها بأن تكون منصة إطلاق صواريخ نووية روسية.

إزالة كاسترو سمح بعودة متزنة نزعا للعلاقة ولكنها محكومة جدا بدافع الاضطرار ونوعا ما أصبحت ناجحة بعد اعتراف النقيضان بتناقضهما.

قد يكون الاضطرار الأمريكي لليبيا هو منع تسلل الغريم أو العدو لها وتحديدا (روسيا أم الصين أو التطرف الاسلامي)، ولكن هذا لن يستدعي تورط أمريكي جسيم فيها مثل الحالة الكوبية، ربما تدخل عسكري مؤقت أو ممارسة ضغط دبلوماسي سيكون أكثر من كافي.

بنسبة أقل بكثير فأن أمريكا لن ترغب في أن تنجر ليبيا غربا إلى محور الفرنكوفونية بقيادة فرنسا، مما قد يعزز من فرص أن تضغط أي حكومة ليبية فاعلة في المستقبل على هذا العامل في محاولة بناء علاقة أكثر إيجابية مع الولايات المتحدة.

وأعني بعلاقة إيجابية هنا أن تتوقف أمريكا عن ممارسة التعجرف السياسي.

النموذج الخليجي:

ويتمثل في علاقة تكامل استراتيجي سياسيا واقتصاديا. وحقيقة فأن فرص تنفيذ هذا النموذج ضعيفة للغاية بسبب أن التحديات في الخليج العربي أكبر بكثير من البحر المتوسط والذي يعتبر شأنا أوربيا إلى حد بعيد.

وبالرغم من الاهتمام الأمريكي بقارة أفريقيا جنوب الصحراء فلا الموارد ولا الإمكانيات تسمح لها بفتح مجال اشرافي جديد في المتوسط والذي تتركه كمسئولية خالصة لأوروبا بما فيهم بريطانيا.

ومن ناحية اقتصادية فأن حجم الثروات في منطقة الخليج العربي والمشاركة الامريكية بها تبرر منطقيا تأسيس علاقة استراتيجية بين الطرفين. كما أن من ناحية سياسية فأن المرونة النسبية للطرف الخليجي منذ البداية في التعامل مع قضية فلسطين سهلت إلى حد كبير تفعيل التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الامريكية.

وعليه فمهما أبدى الليبيون من صداقة للجانب الأمريكي مع تناسي للخلافات او ربما الاهانات الماضية وربما تقديم تنازلات تتعلق بالسياسات العربية الخارجية لليبيا فأن ذلك في ظني لن يشجع الامريكان للتقدم مع ليبيا نحو النموذج الخليجي.

النموذج العراقي:

ويتمثل في علاقة فرض لعلاقة بين منتصر ومهزوم. ولن أتوسع في هذا النموذج حيث إنه واضح للجميع، ولكن من ناحية موضوعية فأن هناك موانع جدية لتطبيقه.

وربما كنت متحيزا للجانب الأمريكي في تحديد الاحتمالات ولكن من الواضح أن هناك غياب تام للرؤية الوطنية الليبية لتحديد اتجاه العلاقة.

أستصعب اليوم أن أرى النموذج النضالي لتشي غيفارا أو النموذج الاستسلامي لأحمد جلبي في المقابل كحل للمعضلة الليبية في تحديد رؤية خصوصا في ظل الانقسام الكبير في أجهزة الدولة.

***

مذكرات افتراضية عن لسان شخصية سياسية ليبية غائبة

_______________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك