Minbar Libya

بقلم أنيس العرقوبي

بعد حضورها غير الفاعل في الأزمة الليبية طيلة السنوات التي أعقبت ثورة فبراير، أعادت الولايات المتحدة الأمريكية اهتمامها بالأحداث في الدولة الواقعة شمال إفريقيا.

وذلك في وقت تشهد فيه البلاد تنافسًا دوليًا محمومًا (دبلوماسيًا وعسكريًا) على النفوذ، وصراعًا لتوسيع مساحات السيطرة بين حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر (شرق) المدعوم من الروس وفرنسا والإمارات ومصر، بهدف تعزيز الأرضية التفاوضية وانتزاع المزيد من الأوراق التي تعزز قدرة كل طرف على فرض شروطه.

الولايات المتحدة تقود مشاورات ماراتونية مع بعض الدول الفاعلة والوازنة في الملف الليبي، من أجل ترسيخ مبادرتها والخطوات اللازمة لتحقيق حلّ منزوع السلاح في وسط ليبيا (سرت)، وتحقيق انسحاب كامل ومتبادل للقوات الأجنبية والمرتزقة، كان آخرها مكالمة جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره التركي رجب طيب أردوغان وزيارة أداها السفير الأميركي ريتشارد نورلاند لأنقرة بحث خلالها مع كبار المسؤولين الأتراك إنهاء الصراع والعودة إلى الحوار السياسي الذي تدعمه الأمم المتحدة في ليبيا.

ووفقًا لبيان السفارة الأمريكية في ليبيا، فإن النقاشات التي أجراها نورلاند في أنقرة، مع المسؤولين هناك تناولت “الحاجة الملحة لدعم الأصوات الليبية التي تسعى بصدق إلى إنهاء الصراع والعودة إلى الحوار السياسي الذي تيسّره الأمم المتحدة، مع احترام كامل لسيادة ليبيا وسلامة أراضيها”.

المبادرة الأمريكية

واشنطن تسعى برفقة حلفائها في المنطقة لنزع فتيل التصعيد العسكري في مناطق وسط البلاد، تحديدًا سرت والجفرة، ودعم عمليات انتقال الملف الليبي إلى مرحلة البحث عن حل سياسي، بما فيها تأييد إعلان القاهرة السياسي بشأن ليبيا ومبادرة رئيس برلمان طبرق (شرق) عقيلة صالح التي أعلن عنها مطلع إبريل/نيسان الماضي، وهي مساع ترى فيها تماهيًا مع مبادرتها التي أعلنت عنها في وقت سابق.

ويبقى التطور الأبرز الذي شهده الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية، هو المبادرة التي طرحتها الولايات المتحدة لحل الأزمة أثناء اللقاء الذي عقده السفير الأمريكي في القاهرة، جوناثان كوهين، مع رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، والتي تتضمن ثلاثة محاور هي:

ـ إنشاء منطقة منزوعة السلاح تشمل خط سرت الجفرة ومنطقة الهلال النفطي، بما يمكّن المؤسسة الوطنية للنفط من استئناف عملها ويسمح بإعادة تدفق النفط الليبي إلى الأسواق العالمية، وهو ما يقتضي إنهاء سيطرة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المسنود من مرتزقة (فاغنر) الروسية على الحقول والموانئ النفطية.

ـ ووفقًا للمبادرة، سيتم أيضًا إعادة توزيع الثروة أي ما يتعلق بإيرادات النفط بشكل عادل، بحيث تشمل الأقاليم الثلاثة للبلاد، إضافة إلى سحب المرتزقة والميليشيات وتشديد حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على الأطراف الليبية، ثم التوصل إلى صيغة نهائية لوقف إطلاق النار، بموجب محادثات اللجنة العسكرية (5+5) التي ترعاها الأمم المتحدة.

ـ وفي سياقٍ ذي صلة، تستثمر واشنطن في نجاح أنقرة في قلب موازين القوى بتدخلها في ليبيا لصالح الحكومة المعترف بها دوليًا وإحداثها توازنًا عسكريًا عرقل مشروع قوى الثورة المضادة التي تقودها دول عربية على رأسها الإمارات ومصر والسعودية، بالإضافة لروسيا، للعودة إلى مجال الفعل الدبلوماسي العالمي الذي تخلت عنه سابقًا لصالح قوى صاعدة.

وبالتالي فهي تعمل أيضًا من هذا الجانب على الإبقاء على أوراق توازناتها الدولية للمحافظة على الاستقرار في المتوسط ومنع الصدام بين حلفائها الرئيسيين في حلف شمال الأطلسي، خاصة وأنّ النزاع المستمر منذ أبريل 2019 تسبّب في تعميق الشرخ بين أعضاء (ناتو).

الأمر الذي تجلى في تحول بنية العلاقات بين الدول المكونة له فإيطاليا مثلًا تعيش صراعًا صامتًا مع فرنسا، والأخيرة تعيش على وقع سجال دبلوماسي حاد مع أنقرة وصل إلى حد التهديد باستعمال القوة.

مشروع واشنطن

على عكس من يرى في المبادرة الأمريكية خطوة جديدة لإعادة ضبط البوصلة على الساحة الليبية ومحاولة لحل الأزمة سياسيًا، يعتبر آخرون أنّها إعادة بلورة استراتيجية تهدف إلى منع السيطرة الكاملة لأي طرف من الأطراف على مقدرات البلاد، وفي مقدمتها الثروة النفطية، وفي مرحلة ثانية تقسيم البلاد إلى مراكز نفوذ وذلك بعد تهيئة كل الظروف الملائمة بداية من خلق اختلاف في مواقف بين قادة حكومة الوفاق بشقيها (طرابلس ومصراتة) بشأن القبول بهذا السيناريو كحلّ، وصولًا إلى التماهي مع مشروع معسكر حفتر الذي يبدو أنّه الجهة الأكثر قبولًا للمقترح الأميركي، خاصة وأنّ الشرق الليبي بمكوناته وأطيافه السياسية أطلق منذ سنوات دعوات انفصالية.

من جهة أخرى، فإنّ المشروع الأمريكي يتقارب إلى حد بعيد مع مطالب النظام المصري الحالي باقتراح حلّ للأزمة الليبية يقوم على “التوزيع العادل للثروة” بين الليبيين، إضافة إلى تحديده سرت كنقطة حمراء للعمليات العسكرية وهي إشارة ضمنية منه إلى التقسيم الافتراضي الذي تعمل عليه قوة الثورة المضادة، وبالتالي فإن واشنطن سترتكز على هذه النقطة باعتبارها مقبولة من القاهرة الداعم الرئيسي لقوى الشرق الليبي وفي مقدمته رئيس البرلمان عقيلة صالح الذي حاولت بعض الأطراف دفع باسمه لتعويض خليفة حفتر بوصفه رهان أثبت عدم جدواه.

ما يُعزز هذا الطرح هو فقدان مشروع إخلاء المنطقة الجغرافية في وسط البلاد (سرت) من السلاح بزعم تحويلها لمنطقة فاصلة بين قوتي الصراع، للآليات والأطر التشريعية الأمر الذي يدفع للاعتقاد بأنّ هدف السيناريو الأميركي هو التمهيد لتقسيم البلاد.

فواشنطن لم تبين طرق حماية مناطق ومنشآت النفط ومن يحميها ولمن ستخضع إيراداتها المالية أو إلى أي وقت ستبقى المنطقة على هذا الوضع، إضافة إلى وقوف الولايات المتحدة عائقًا أمام تعيين مبعوث أممي في ليبيا خلفًا للبناني غسان سلامة.

 في غضون ذلك، كل المؤشرات تُوحي بأن الأمريكيين يحاولون تجميد الأوضاع إلى حين بلورة استراتيجية جديدة تضمن لها موطئ قدم في ليبيا ضمن لاعبين دوليين آخرين سبقوها بأشواط كروسيا وفرنسا المنخرطتين في الحرب بالوكالة هناك.

فموسكو التي تغرس أيديها في كل الحروب والنزاعات أصبحت تُشكل تهديدًا كبيرًا للمكانة الأمريكية في العالم، وهو ما دفع بالمسؤولين العسكريين في واشنطن إلى دق ناقوس الخطر بشأن نشرها لأسلحة وقوات لها في المنطقة تحضيرًا لإقامة قاعدة عسكرية دائمة.

أنقرة، القوة الصاعدة والفاعل الرئيسي في الملف الليبي هي أيضًا مستهدفة أيضًا من التحركات الأخيرة لواشنطن في ليبيا، عبر محاولة إعادة أنقرة إلى الدائرة الأطلسية وتحجيم استقلالية القرار التركي المدفوع بخيار قيادته للبحث عن الشراكات مع اللاعبين الإقليميين والعالميين الآخرين مع التركيز بشكل خاص على إقامة علاقات أوثق مع روسيا، وما ترى فيه أمريكا تهديدًا لمكانتها الدولية.

تواصل الحرب

تعدد المبادرات واختلافها وهي في غالب الأحيان تراعي مصالح القوى المتدخلة على حساب ليبيا، قد يُعقد الأزمة ويُطيل في عمرها، وحتى مقترح تحويل منطقة سرت الجفرة إلى منطقة منزوعة السلاح، لا يُمكنه بحال من الأحوال حلحلة الأوضاع تمهيدًا لإرساء تفاهمات سياسية نهائية، حيث تبقى المبادرة الأمريكية رهينة مدى التوافق بين الدول المتداخلة في ليبيا إقليميًا ودوليًا وفي مقدمتها تركيا وروسيا اللاعبان الرئيسيان في الملف.

وفي حال لم تنجح هذه القوى في تحديد خارطة جديدة لمسار حلّ الأزمة سلميًا، فإنّ مبادرة واشنطن ستبقى حلًا مؤقتًا وتهدئة مهددة بالانهيار باعتبارها القنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في أيّ لحظة.

التحرّك الأمريكي لم يمر دون أن يُثير ردود فعل الأطراف المعنية بالوضع الليبي، وفي مقدمتها روسيا التي أظهرت عدم رضاها تجاهه، وذلك وفقًا لنائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ألكسندر فينيديكتوف، الذي اتهم الولايات المتحدة وحلفاءها بمحاولة الاستيلاء على موارد النفط في ليبيا وفنزويلا، المعروفتين بامتلاكهما احتياطيات كبيرة، الأمر الذي قد يدفع باتجاه المزيد من التوتر والتعقيد في الأزمة خاصة وأنّ الروس ظاهريًا غير مستعدين للتفريط فيما أنجزوه على الأرض في ليبيا دبلوماسيًا وعسكريًا كما حدث في الأزمة السورية.

بالمحصلة، فإنّه رغم التحركات الأخيرة للولايات المتحدة على الصعيد الديبلوماسي في الملف الليبي، إلاّ أنّه من غير المرجح أن تزيد إدارة ترامب بشكل كبير انخراطها في هذا النزاع، وستبقى كما أعلنت سابقًا متمسكة بسياسة التقليل من التدخل في الصراعات الخارجية حتى في الأماكن التي تبدو فيها مصالح واشنطن واضحة بجلاء، خاصة وأنّ أمريكا تركز حاليًا كل جهودها على إدارة الملفات التي تراها كبرى وحارقة كملفي الصين وإيران، وبعض القضايا الداخلية كوباء كوفيد 19 والانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما يعني أنّ ليبيا ستبقى ساحة صراع مفتوح بين قوى إقليمية ودولية.

****

أنيس العرقوبي ـ محرر في نون بوست

_____________