بقلم روبرت وورث (ترجمة سارة قريرة)

قد لا يحظى محمد بن زايد بنفس الشهرة التي يحظى بها نظيره السعودي محمد بن سلمان، لكن ولي عهد الإمارات فرض نفسه كأقوى شخصية سياسية في الشرق الأوسط، هدفها فرض رؤية مستبدة لمستقبل بلاده والمنطقة.

الجزء الأول

منذ نشأتها سنة 1971، بقيت الإمارات العربية المتحدة غالب الوقت خارج الصراعات العديدة التي شهدها العالم العربي. وأصبحت على مرّ السنين معجزة اقتصادية في المنطقة، بوصفها واحة من ناطحات السحاب والمراكز التجارية التي لا تحصى ولا تعد والمطارات المفروشة مرمرا.

لكن منذ سنة 2013، بات محمد بن زايد قلقا بشأن المستقبل. إذ أن ثورات الربيع العربي أطاحت بأكثر من حاكم مستبد، تاركة فراغا ملأه صعود التيارات الإسلامية، من فوز الإخوان المسلمين في انتخابات تونس ومصر، وانتشار الميليشيات الجهادية في ليبيا، مرورا باحتكار المجموعات الإسلامية للثورة السورية، ناهيك عن اتساع رقعة تنظيم الدولة الإسلامية الذي قطع في أقل من سنة حدود العراق ليستولي على منطقة بحجم بريطانيا.

في نفس الوقت، كان محمد بن زايد يراقب بهول تعبئة الجيوش في الشق الآخر من المنطقة. فقد اغتنمت الميليشيات الشيعية الموالية للقائد الإيراني قاسم سليماني -الذي قتل بداية هذا الشهر خلال قصف أمريكي- الفراغ الذي حل بعد سنة 2011 لنشر تأثيرها في سوريا والعراق واليمن.

وهكذا بدا له الوضع بمثابة الوصفة المثالية لانتشار عنف مروع لم تكن السلطات الإقليمية تفعل الكثير لوقفه. بالعكس، كانت تركيا تساند بشدة حلفاءها الإسلاميين، وتزوّد آخرين بالسلاح. كذلك بالنسبة للجارة الثرية قطر. أما السعوديون، فكان تصرفهم متناقضا، خاصة بعائق القيادة المسنة والمريضة الموجودة على رأس المملكة.

إبعاد خطر الإخوان المسلمين

حتى الولايات المتحدة الأمريكية -التي اعتبرها محمد بن زايد دائما حليفه الأول- بدت تنظر إلى الإخوان المسلمين كإنتاج ثانوي غير محبب لكن حتمي لديمقراطية قيد الصنع. وكان بن زايد أنذر أكثر من مرة باراك أوباما -خلال مكالماتهما العديدة- من المخاطر التي كان يراها. لكن الرئيس الأمريكي السابق -رغم رحابة صدره كما ذكر لي ذلك بعض المسؤولين السابقين في البيت الأبيض- كان يميل للانسحاب من منطقة الشرق الأوسط أكثر من استعداده للغوص في أعماقها.

لكن سرعان ما كشف بن زايد عن خطة طموحة للغاية لإعادة رسم مستقبل المنطقة. إذ لم يلبث أن احتضن ولي العهد محمد بن سلمان ليجعل منه حليفه المقرّب، وساعدا معا الجيش المصري على الانقلاب على الرئيس الإسلامي المنتخب محمد مرسي في 2013. أما في ليبيا، فقد انضم بن زايد سنة 2015 إلى الحرب الأهلية، غير آبه بالحصار المفروض من قبل الأمم المتحدة ولا بالديبلوماسيين الأمريكيين.

كما حارب حركة الشباب في الصومال واستفاد من الموانئ التجارية الإمارتية ليصبح وسيطا للطاقة في منطقة القرن الأفريقي، والتحق بالحرب السعودية على اليمن ليحارب الحوثيين الذين يتمتعون بمساندة طهران. وأخيرا -وعلى عكس الأعراف-، نظم في 2017 حملة مقاطعة شرسة ضد قطر. وقد فعل كل هذا ليتصدى لما كان يراه خطرا إسلاميا وشيكا.

لا يفرّق بن زايد كثيرا بين مختلف ألوان الطيف الإسلامي، بل ويؤكد أنها تتشارك في نفس الهدف، وهو إرساء خلافة يقوم فيها القرآن مقام الدستور. ويرى أن لمنطقة الشرق الأوسط خيارين لا ثالث لهما: إما سلطة أكثر عنفا أو كارثة حتمية، وهي توقعات تصب بلا شك في مصلحته. لكن تجربة السنوات الأخيرة جعلت بعض المراقبين الخبراء يحترمون حدس بن زايد بشأن مخاطر الإسلام السياسي في معناه الواسع، إذ يقول مثلا برت ماك غورك وهو مسؤول أمريكي سابق اشتغل لسنوات طويلة في منطقة الشرق الأوسط تحت ثلاث رئاسات مختلفة ويعرف بن زايد حق المعرفة: “ظننت أول الأمر أن في رؤياه غلوّا، لكنني اقتنعت بأنه كان أغلب الوقت محقا”.

موارد ضخمة للجهاد المعاكس

استثمر بن زايد جزءا كبيرا من موارده الضخمة فيما يمكن تلقيبه بالجهاد المعاكس. إذ رغم صغر حجم بلده الذي لا يصل عدد مواطنيه إلى المليون نسمة، يتربع بن زايد على عرش قيمته أكثر من ألفي مليار دولار من صناديق الثروة السيادية، ويقود أهم جيش في المنطقة -بعد إسرائيل- من ناحية السلاح والتدريب. أما على الصعيد الداخلي، فقد قمع بن زايد الإخوان المسلمين بشدة وأسس دولة تتمتع بأحدث وسائل الرقابة، ليرصد أي ميول إسلامي قد يراود أحدهم.

غيّر دور بن زايد القيادي في هذه الثورة المضادة -والتي لعب فيها دور مترنيش1 المعاصر- سمعة بلده. صحيح أن البنتاغون لا يزال يراه كحليف وفيّ وقدير -وخلال زيارتي لأبو ظبي في مايو/أيار الماضي، كنت في حضرة وزير الدفاع الأمريكي السابق جيم ماتيس، الذي شبّه الإمارات العربية المتحدة أمام حضور من الإماراتيين والمسؤولين الأجانب بمزيج من أثينا وأسبرطة. لكن بعض المسؤولين من إدارة أوباما اعتبروه فاعلا محتالا في المنطقة، دونالد ترامب إلى الحكم -وهو شريك أكثر مرونة بالنسبة لبن زايد- انتقد ديبلوماسيون وكذلك مجموعات كثيرة تدافع عن حقوق الإنسان الدور العسكري الذي لعبته الإمارات في ليبيا واليمن. وطال الأمر بعض المعجبين ببن زايد في الأوساط الديبلوماسية الذين وصفوه بالمتشدد وعابوا عليه خوضه صراعات لا يسعه أن يسيطر على تداعياتها.

إيماءات ديبلوماسية باتجاه إيران

رغم ذلك، يحافظ بن زايد على مكانته بصفته قائدا استثنائيا في منطقة الشرق الأوسطـ، نظرا لحيلته ولكونه علمانيا إلى حد ما، وصاحب خطة لمستقبل المنطقة، خاصة وأنه يتمتع بالموارد الكافية لتنفيذها. ورغم جميع عيوبه، فإن الحلول البديلة لا تبدو أفصل، بل على العكس. فقد كاد القصف الأمريكي الذي أودى بحياة سليماني وأبي المهندس -عقب الهجوم العنيف على السفارة الأمريكية في بغداد- أن يدفع بالمنطقة إلى حرب محققة، لا سيما بعد التهديدات التي رفعها خامنئي.

لا يمكن الجزم بعد بما سيكون ردّ إيران، لكن يبدو أن بن زايد سيلعب دورا رئيسيا في المرحلة المقبلة. إذ رغم ما يعرف عنه كعدو لإيران، أظهر بن زايد قدرته على التصرف بديبلوماسية في الأشهر الأخيرة، كما يقال إن له قنواته الخلفية للتواصل مع السلطات الإيرانية.

وقد أظهر انشقاقه عن حملة “الضغوطات القصوى” لترامب إرادته الجديدة في شق طريق مستقل، وها هو نفس الرجل الذي كان ينتقد أوباما في محيطه الخاص يبدو اليوم قلقا أمام إمكانية دخول ترامب في حرب. وقد يكون مكان بن زايد الأفضل لمنع حرب قد تكون بلاده -التي تقع في الجهة المقابلة لإيران على بحر الخليج- أولى ضحاياها.

موروث الشيخ زايد

يقول محمد بن زايد أن عداءه للإسلاميين هو نتيجة قناعات أبيه التعددية. وقد جمع زايد -الذي توفي سنة 2004 عن عمر يناهز 86 سنة- بين التقاليد البدوية وفكر ليبيرالي بالمعنى المجتمعي. صحيح أن الإماراتيين متدينون جدا، لكن وجود البلد على طريق بحرية قديمة ساهم في ظهور إسلام متسامح نوع ما.

وهذا الانفتاح هو الذي خوّل لزايد الوصول إلى الحكم ورسم مسيرة للإمارات العربية المتحدة تختلف عما شهدته البلدان المجاورة. فقد وضعه البريطانيون على رأس الاتحاد في 1966 بطلب من كبار عائلات أبو ظبي بعد أن ضاقوا ذرعا بأخيه شخبوط [بن سلطان آل نهيان] الذي كان يكنّ عداء للأجانب ونفورا من التقدم.

كانت الإمارات العربية المتحدة آنذاك فقيرة جدا، وكانت حتى العائلات الثرية تعيش في أكواخ من الطوب. لم يكن الطب الحديث متوفرا في الستينات، وكان جل السكان يجهلون القراءة والكتابة.

أما نسبة الوفيات، فقد كانت تطال نصف الرضع، وكانت ثلث الأمهات يلقين حتفهن أثناء الولادة. وحتى اليوم، تجد من بين السكان الذين هم في مرحلة منتصف العمر من يروي لك كيف كان والداه يصيبون عنق الجمل بجرح بليغ ويجبرانه على شرب دم الناقة حتى لا يموت عطشا.

أكّد زايد على أهمية التعليم الحديث للنساء، في زمن كانت تجهل فيه تقريبا جميع النساء القراءة والكتابة. كما سمح لمسيحيين ببناء كنائس في أبو ظبي، متجاهلا القناعة السائدة بأن لا مكان في شبه الجزيرة العربية لدين آخر عدا الإسلام. وفي آخر خمسينات القرن الماضي، أسست عائلة من التبشيريين الأمريكيين مستشفى في مدينة العين، حيث أشرفت طبيبة أمريكية على ولادة ابن زايد الثالث: محمد.

خلال ترعرع محمد بن زايد، شهدت البلاد تغييرا جذريا لتنتقل من الفقر إلى ثراء يفوق الخيال مع اكتشاف النفط، بينما أصبح الإسلام السياسي شعار جيل بأسره.

تربية إسلامية

ما لم يعلمه زايد هو أن ابنه كان بدوره تحت تأثير هذا الفكر خلال تلك السنوات. ويبدو أن زايد سهّل الأمر دون قصد، بعد أن كلّف إسلاميا مصريا يدعى عز الدين إبراهيم بتعليم ابنه. لم يكن زايد يجهل ارتباط إبراهيم بالإخوان المسلمين، لكنه لم يكن يعتبر المنظمة خطرا آنذاك.

بلغ محمد بن زايد 18 سنة عام 1979، أي عندما اجتاح الاتحاد السوفياتي أفغانستان. عندما بدأ المجاهدون الأفغان مقاومتهم البطولية، سارع شباب مسلم من جميع أنحاء العالم إلى بيشاور [باكستان، قرب حدود أفغانستان] للالتحاق بهم.

في نفس الوقت، أطاحت مظاهرات شعبية ضخمة بشاه إيران وعاد آية الله الخميني إلى وطنه [بعد سنوات من المنفى] لقيادة الثورة. كثيرون قرؤوا تسلسل هذه الأحداث كدليل على أن الدمى التي وضعتها القوى الغربية على رأس بلدان المنطقة قد ولى زمانها، وحان الوقت ليكون الإسلام دليل مرحلة جديدة تؤسس لمجتمع أفضل، وفيّ لقيمه الأصلية.

في 1991، عندما جمع جورج بوش الأب ائتلافا لطرد صدام حسين من الكويت، أثار تحمّس زايد للمشاركة في هذه العملية إعجاب البنتاغون. بعدها، شرعت قيادات عسكرية أمريكية في تدريب محمد بن زايد، الذي أصبح ضابط جيش وسرعان ما برز لكونه الأكثر طموحا وتأهيلا من أبناء زايد.

فقد قال لي بروس ريدل، وهو مسؤول قديم في وكالة المخابرات المركزية يعمل اليوم كمحلل في مؤسسة بروكينغس: “كان عفويا وذا مستقبل واعد وقادرا على قيادة البلد. لذا قررت الولايات المتحدة الأمريكية الاهتمام به واحتضانه”.

يبدو أن السحر الأمريكي كان ناجعا، فقد صرفت الإمارات العربية المتحدة المليارات لشراء الطائرات الأمريكية الخاصة والأسلحة، ويؤكد زوار مكتب بن زايد أنه يحتفظ بأكوام من المجلات العسكرية المختصة. وفي مطلع التسعينات، أخبر بن زايد ريتشارد كلارك -الذي كان حينها مساعد وزير الخارجية- بأنه يرغب في اقتناء الطائرة الحربية F-16. سأله كلارك إن كان يعني النموذج الذي تبيعة الولايات المتحدة لحلفائها، لكن بن زايد أصرّ على أنه يريد النموذج الأخير الذي قرأ عنه في مجلة “Aviation Week” والذي يتمتع بجهاز رادار وأسلحة أكثر تطورا، فأخبره كلارك بأن هذا النموذج لم ينجز بعد لأن السلطات العسكرية لم تقم بعد بالأبحاث والتطويرات اللازمة.

فما كان من بن زايد إلا أن عبر عن استعداده للدفع شخصيا كي يتم ذلك. وقد دامت النقاشات حول هذه الصفقة سنوات، وأغضب إصرار بن زايد بعض مسؤولي البنتاغون. يقول كلارك: “في نهاية الأمر، نجح بن زايد في الحصول على نموذج أفضل حتى من ذلك الذي تمتلكه القوات الأمريكية”. وفي العقود الموالية، حرص بن زايد على أن يفهم الأمريكيون أنهم في حال رفضوا مده بما يريد، فلن يتردد في التعاون مع غيرهم، بما فيهم الصينيين، الذين باعوا في السنوات الأخيرة طائرات بلا طيار للإمارات العربية المتحدة بثمن زهيد. لكن علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية تبقى إلى اليوم الأوثق على الإطلاق.

البقية في الجزء الثاني

نشرت مجلة نيويورك تايمز هذا المقال في نسخته الأصلية تحت عنوان «Mohammed bin Zayed’s Dark Vision of the Middle East’s Future»، بتاريخ 9 يناير/كانون الثاني 2020. .

***

روبرت وورث كاتب وصحفي في مجلة نيويورك تايمز، نشر سنة 2011 كتابا عن ثورات الربيع العربي “غضب من أجل النظام” والذي فاز بجائزة لاينل غلبر.

____________

أورينت 21