Minbar Libya

بقلم حسين مصطفى

تشهد الساحة الليبية حراكا سياسيا أمريكيا غير مسبوق، في محاولة لإبعاد شبح الحل العسكري عن مدينة سرت الاستراتيجية الغنية بالنفط (وسط البلاد).

ويقود السفير الأمريكي في ليبيا مساعي للتوصل إلى اتفاق مع أطراف الأزمة، وداعميهم الخارجيين يضمن إخراج كافة التشكيلات العسكرية من المدينة التي يسيطر عليها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وحلفاؤه من المرتزقة الروس وغيرهم.

ويرى محللون أن تعاظم نفوذ المرتزقة الروس في سرت، وسيطرتهم على مفاصل المدينة، لا سيما حقول النفط، دفع إلى تحرك أمريكي سعيا لوقف التمدد الروسي في وسط وشرق البلاد، مشيرين في ذات الوقت إلى أنه لا اتفاق بلا توقيع روسي.

وفي آخر تطورات هذه المساعي، قال السفير الأمريكي، ريتشارد نورلاند، الأربعاء، إنه بحث مع المسؤولين في تركيا خطوات الوصول لحل منزوع السلاح في سرت والجفرة، وتحقيق انسحاب كامل ومتبادل للقوات الأجنبية والمرتزقة.

ونشرت السفارة الأمريكية في ليبيا، بيانا لها عبر صفحتها على “فيسبوك” قالت فيه، إن الجانبين ناقشا تمكين المؤسسة الوطنية للنفط من استئناف عملها الحيوي، وتعزيز الشفافية والإصلاحات الاقتصادية.
وأكد البيان الحاجة الملحة لدعم الأصوات الليبية التي تسعى بصدق إلى إنهاء الصراع، والعودة إلى الحوار السياسي الذي تسيره الأمم المتحدة، مع الاحترام الكامل لسيادة ليبيا وسلامتها الإقليمية.

تنامي النفوذ الروسي

ويرى المحلل السياسي، فيصل الشريف أن القلق الأمريكي من تنامي حجم القوة الروسية في ليبيا، وحول مصادر الطاقة جعل دبلوماسيتها تنشط بشكلٍ لم يعرفه الملف الليبي “منذ أزمة العدوان على العاصمة، والذي كان بضوء أخضر أمريكي رغبةً في حسم ملف الصراع على غرار ما حصل في مصر”.

ويلفت الشريف في حديث خاص لـ”عربي21″ إلى أن السفير الأمريكي بدأ يتحرك في كل اتجاه ويتعامل بشكل “براغماتي” مع الأزمة من خلال التواصل مع المحاور الدولية والإقليمية “رغبةً في حشر روسيا في زاوية حرجة، بعد ضمان توافق المتصارعين في الداخل، وكذلك جل القوى المتداخلة في الخارج وأهمها تركيا، ثم بشكل أصغر مصر والإمارات”.

ولكون روسيا حتى اللحظة لا تعلن عن تواجدها عسكريًّا في ليبيا، يعتقد الشريف أنه لا وجود لمساعي دبلوماسية ظاهرة مع موسكو، “لكن هذا لا يعني عدم وجود مباحثات سرية تتم لضمان رضا روسيا كونها الطرف الأهم والتي تسيطر عسكريًّا من خلال عصابات الفاغنر، مثلما أن تركيا تعد القوة العسكرية الأكبر التي تقف إلى جانب الحكومة الشرعية”.

ويشدد المحلل السياسي على أن جميع الأطراف “تفضل حلا سياسيا لكونها باتت مرهقة وتعرف أن الصدام مكلف ولا يؤدي لحلول منظورة”.

الإمارات تدفع نحو الصدام

“لكن الإمارات وحدها التي تدفع في اتجاه المزيد من التوتر وتتمنى أن يحصل أي صدام بين روسيا وتركيا أو حتى توريط مصر فهي تنظر إلى تركيا بعداء شديد كونها كانت وراء إفساد مشروعها في الصومال ثم قطر ثم ليبيا” بحسب ما قاله الشريف.

ويعتقد أن “المشهد يسير نحو توافقٍ ما يحتاج إلى ضمانات لتبديد الكثير من المخاوف، ذلك أن التجربة الليبية لم تعد تحتمل المزيد من الإخفاقات، ويبدو أن واشنطن هذه المرة تأخذ على عاتقها الجهد الدبلوماسي كاملًا، وهذا لا يعني بالمطلق أن عقدة روسيا قد تم التعامل معها حتى اللحظة، ما جعل الجهود غير مثمرة بعد عن مبادرة حقيقية واضحة يمكن النظر إليها كخارطة طريق جديدة”.

ولا يبدو أن حكومة الوفاق قد تقبل باتفاق لا يعطيها حق السيطرة على مدينة سرت، حيث أكد المتحدث باسم قوات بركان الغضب، التابعة للجيش، مصطفى المجعي في تصريح مقتضب لـ”عربي21″ أن الشرط الأساسي للقبول بأي تسوية في سرت والجفرة يتمثل في “عودة هاتين المدينتين إلى حضن شرعية حكومة الوفاق، وانسحاب مليشيات حفتر والمرتزقة”.

بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي، السنوسي بسيكري، إن المساعي الأمريكية تؤكد أنه بات جليا أن الأطراف الدولية تسعى لتجنب مواجهات في المنطقة، ويبدو أن صدى الجهود الأمريكية بات يسمع هنا وهناك.

وعلى مستوى الأطراف الإقليمية والدولية، قال بسيكري في مقال نشرته “عربي21” إن تبدلا ملحوظا طرأ على تصريحات المسؤولين الأتراك، كما أن هناك رابطا بين الدبلوماسية الإيطالية التي نشطت خلال الأسبوعين الماضيين وبين خطة واشنطن لاحتواء فتيل الحرب. وتسير تصريحات المسؤولين الأوروبيين في هذا السياق أيضا.

تحشيد حفتر وحلفائه

ويلفت إلى أن إطار الحراك الأمريكي ومحور ارتكازه، لم يتضح بعد، إذ لم يفصح الساسة الأمريكان عن مقاربتهم لاحتواء التوتر في سرت والجفرة والحقول والموانئ النفطية، وهل يقوم تحركهم على أساس من المبادرة الأوروبية التي تدعو إلى أن يتم تحييد الهلال النفطي عن دائرة النزاع وتأمينه بقوات أممية أو ربما أوروبية.

ويتابع: “التحشيد الكبير الذي يقوم به حلفاء حفتر الإقليميون والدوليون، والذي تحدثت عنه وسائل الإعلام وأكده مسؤولون سياسيون وعسكريون ضمن جبهة الوفاق، ينذر بإمكان وقوع حرب، وهو مؤشر على أن الخطة الأمريكية الأوروبية لا تلقى قبولا لدى الروس”.

في المقابل، يقرأ بسيكري هذا التحشيد على أنه من قبيل “ممارسة ضغوط لانتزاع مكاسب سواء داخل الجغرافية الليبية أو خارجها، إذ يبدو أن الأمريكيين والأوروبيين لن يسلموا بوجود قوات وعتاد روسي من نوع طائرات مقاتلة ودفاعات جوية متقدمة في ليبيا، وسيدفعون بكل ما أوتوا لمنعه، ولأنهم لا يرغبون في اشتعال المنطقة ووقوع حرب دولية فيها، سيضطرون إلى تقديم تنازلات لصالح الروس”.

ويختم بالقول إن “الموازين ستنقلب تماما في حال الوصول لاتفاق مع الروس، فقد ثبت أن التقدم الذي أحرزته قوات حفتر على تخوم العاصمة كان بفعل وإسهام قوات الفاغنر، وأنه بمجرد خروج هذه القوة من جنوب طرابلس فقد انهارت القوات المهاجمة وتم طردها من ترهونة، قاعدة انطلاق قوات حفتر ومصدر إمداداتها، في أيام قليلة بعد انسحاب الفاغنر إلى سرت والجفرة”.

********

واشنطن وأنقرة تناقشان “حلا سياسيا” لسرت والجفرة

بحث السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند مع المسؤولين الأتراك خطوات الوصول لحل منزوع السلاح في سرت والجفرة، وتحقيق انسحاب كامل ومتبادل للقوات الأجنبية والمرتزقة.

وقالت السفارة الأمريكية في ليبيا، في بيان لها نشرته عبر صفحتها بـ”فيسبوك” الأربعاء، إن الجانبين ناقشا تمكين المؤسسة الوطنية للنفط من استئناف عملها الحيوي، وتعزيز الشفافية والإصلاحات الاقتصادية.

وأكد البيان على الحاجة الملحة لدعم الأصوات الليبية التي تسعى بصدق إلى إنهاء الصراع، والعودة إلى الحوار السياسي الذي تسيره الأمم المتحدة، مع الاحترام الكامل لسيادة ليبيا وسلامتها الإقليمية.

وكان وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، كشف بطرابلس في 6 آب/ أغسطس الجاري، عن عرض لتسليم سرت والجفرة إلى الحكومة الليبية، ولم يوضح من قدّم هذا العرض، هل هي الولايات المتحدة الأمريكية أم روسيا.

واتفقت تركيا وروسيا على أنه لا حل عسكريا للأزمة في ليبيا، ولا يمكن حل المشكلة إلا عبر عملية سياسية بقيادة الليبيين ورعايتهم، وتسهيل من الأمم المتحدة (..) وإعلان وقف إطلاق نار دائم، وتعزيز الحوار السياسي بين الليبيين، وإنشاء مجموعة عمل مشتركة خاصة بليبيا (بين روسيا وتركيا).

*******

تفاصيل التحركات الأمريكية لحل الأزمة الليبية.. هذا ما سيحدث فى سرت

قال سفير واشنطن في ليبيا، ريتشارد نورلاند، قبل بضعة أيام، إن مسؤولين أمريكيين ناقشوا مع حكومات أجنبية إمكانية إنشاء منطقة منزوعة السلاح في مدينة سرت الليبية وحولها.

وأضاف نرولاند: “إحدى الأفكار التي نقترحها هي دعم نوع من الحل القائمة على أساس منطقة منزوعة السلاح حول سرت ونحن لسنا الوحيدين الذين اقترحوا ذلك، ولكن إذا تمكنا من استخدام نفوذنا للقيام بذلك، فنحن نرغب في تنفيذه”.

وتابع نورلاند: “الهدف هو دفع القوات إلى الانسحاب، وإيجاد نوع من الترتيبات الأمنية المحايدة للمدينة نفسها، وتجنب خطر أن تصبح سرت نقطة اشتعال لنزاع موسع”.

وأوضحت صحيفة نيويورك بوست أن الفكرة الأمريكية تكتسب أهميتها من أن تعليقات نورلاند تضيف عمقًا لتقارير تداولتها وسائل الإعلام الأمريكية الأسبوع الماضي، مشيرة لأن إدارة ترامب تتبنى  دبلوماسية الـ”360 درجة” مع جميع الأطراف في النزاع الليبي لتحقيق وقف إطلاق النار.

في السياق نفسه، رجح موقع المونيتور الأمريكي أن الولايات المتحدة تخشى من أن الحرب الأهلية الليبية على أعتاب التطور إلى صراع إقليمي كبير تقوده قوى أجنبية، بينما يدعم الجيش التركي والمرتزقة السوريون حكومة فايز السراج، حيث دفع تدخل تركيا بدوره أطرافًا أجنبية أخرى للتدخل في المشهد الليبي بشكل مكثف. 

وتكرر حكومة السراج تهديداتها بالهجوم على سرت، فيما دعا المجتمع الدولي إلى وقف إطلاق النار لكن الاستعداد لاستخدام القوة، في حالة رفض حكومة الوفاق الوطني التفاوض، وهو أمر تخشى الولايات المتحدة أنه قد يغرق ليبيا في مزيد من الحرب.
وأعلنت القاهرة نيتها التدخل عسكريًا إذا تقدمت حكومة السراج  ومن يدعمونها تجاه سرت، وهو تهديد يبدو أن تركيا لا تأخذه على محمل الجد، لكن الولايات المتحدة تخشى تطور الموقف، وفقًا لنورلاند.

وقال المسؤولون المصريون لنورلاند خلال زيارته للقاهرة منتصف الأسبوع الجاري إن الرئيس السيسي لا يريد أن يرى “أي نوع من العمل العسكري سواء من شرق ليبيا أو غربها، وأن مصر تعارض أي نوع من الهجوم على طرابلس”، حسبما قال الدبلوماسي الأمريكي. 
واقترح نورلاند أنه إذا كان موقف القاهرة كذلك، فقد يوفر للولايات المتحدة فرصة لدفع التنسيق نحو وقف دائم لإطلاق النار، مشيرًا لأن “سماع هذه التأكيدات من الرئيس السيسي – إلى الحد الذي يمكن بناء الثقة المتزايدة حول هذه التأكيدات – أعتقد أنه يمكن أن يكون له تأثير قوي للغاية على ما سيحدث بعد ذلك لتحقيق المزيد من الاستقرار في الوضع”، لكن إلى الآن لم يتضح بعد ما إذا كانت مصر ستقبل بسرت كمنطقة منزوعة السلاح أم لا.

____________