بقلم روبرتوورث (ترجمة سارة قريرة)

قد لا يحظى محمد بن زايد بنفس الشهرة التي يحظى بها نظيره السعودي محمد بن سلمان، لكن ولي عهد الإمارات فرض نفسه كأقوى شخصية سياسية في الشرق الأوسط، هدفها فرض رؤية مستبدة لمستقبل بلاده والمنطقة.

الجزء الثالث

تحييد أوباما لبن زايد

بعد وصول السيسي إلى الحكم بقليل، أي في أكتوبر/تشرين الأول 2013، كان بن زايد يشاهد قناة السي أن أن الأمريكية عندما علم للمرة الأولى بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت في نقاش سري مع إيران للوصول إلى اتفاق نووي، إذ لم يخبره أصدقاؤه الأمريكيون بشيء من هذا القبيل. أخبرني أحد كبار مستشاري بن زايد أن ذلك الخبر “كان ضربة كبيرة بالنسبة له”، لا لمعارضته لفكرة النقاش مع إيران (ففي نهاية الأمر، صادقت الإمارات على الاتفاق النووي الأول الذي بات رسميا في شهر نوفمبر/تشرين الثاني)، بل لاستنكاره كون أوباما لم يكلّف نفسه استشارة أو حتى إعلام حليف طويل الأمد بنقاش بهذه الأهمية -خاصة وأن النقاشات كانت تدور في بلد مجاور، أي في سلطنة عمان.

إذ أن للإمارات الكثير على المحك، بعد أن أجبرت تجار دبي على وقف معاملاتهم المربحة مع إيران للامتثال للعقوبات. ويواصل المستشار قائلا: “لقد شعر سموّ الأمير بأن الإمارات قدمت تضحيات لكن تم تحييدها”.

شكّلت الأوضاع المصرية والنقاشات مع إيران نقطة تحول في العلاقة التي تجمع بن زايد بالولايات المتحدة الأمريكية. لم يبرز ذلك في الإبان إذ واصل التحدث وتقديم النصائح لأوباما بانتظام، وأنذره بأن الدواء الذي وصفوه له في سوريا -أي المعارضة الإسلامية- قد يكون أسوأ من المرض ذاته (أي طغيان بشار الأسد).

كما حثّ أوباما على التحدث مع الروس للعمل معا في سوريا، وهو اقتراح عقلاني وواقعي كان يمكن أن ينهي الحرب أسرع، وإن كان ذلك عن طريق إقصاء أمل المعارضة في الانتصار. لكن وراء واجهة الاستشارات الروتينية، كان شعور بن زايد تجاه أوباما قد تغير، بل وما لبثت أن أصبحت العلاقة سامة، خاصة أمام الطريقة التي كان يتحدث بها بن زايد عن إدارة أوباما أمام ضيوفه، أو هكذا أخبرني مسؤولون أمريكيون قدامى.

كما تحدث أوباما بدوره باحتقار خلال مقابلة صحفية له مع جريدة “ذي أتلانتيك”سنة 2016 عن حكام الخليج، واصفا إياهم بالـ“سائقين المجانين غير القادرين على إخماد الحرائق بأنفسهم” إذ ينتظرون دائما نجدة الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد جدت آخر حلقة في هذه السلسلة بعد شهر من انتخاب دونالد ترامب، عندما ألغى بن زايد غداءه مع أوباما ليذهب إلى نيويورك ويلتقي بفريق الرئيس الجديد. بعدها بقليل، استقبل بن زايد وسيطا روسيا في فندق إماراتي فخم في السيشال، رفقة ايريك برينس -مؤسس “بلاك ووتر”، وقد جعله هذا اللقاء محل انتباه روبرت مولر خلال تحقيقه حول علاقة إدارة ترامب بروسيا.

ويذكر تقرير مولر هذا اللقاء باقتضاب، ويبدو أن لا علاقة له بترامب. لكن حتى إن لم يتواطأ مع الروس، فإن تصرّف بن زايد مع حلفائه الأمريكيين قد تغير. فهو الآن يخطط لنفسه ولم يعد ينتظر مباركتهم.

قاعدة عسكرية سرية في ليبيا

مثّل عزل مرسي الفوز الأول للثورة المضادة التي يقودها بن زايد، ويبدو أنه جعله يثق جدا بما يمكنه فعله دون العقبات الأمريكية. لذا، ما لبثت ليبيا -حيث كان الجهاديون متفشين- أن شدت انتباهه، وشرع في دعم الجنرال السابق خليفة حفتر عسكريا، ذلك المستبد الذي يشارك بن زايد بغضه للإسلاميين.

في قمة كامب ديفيد لمايو/أيار 2015، عاب أوباما -بطريقة غير مباشرة- على بن زايد كما على أمير قطر حربهما غير المباشرة من خلال دعمهما لميليشيات متنافسة. لكن في نهاية سنة 2016، كانت الإمارات قد أسست قاعدة جوية سرية في شرق ليبيا تنطلق منها الطائرات لقصف أعداء حفتر في بنغازي.

طبعا، تم كل هذا في خرق تام للحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على الأسلحة، ما استشاط غضب واشنطن. وقد قتل الآلاف في المعارك الليبية، كما لم ينجح حفتر في الاستيلاء على طرابلس.

وقد أخبرتني ديبلوماسية أمريكية سابقة معجبة ببن زايد بأن طريقة تصرفه في الأزمة الليبية تبين مخاطر سياسته المبالغ فيها: “إنهم يسعون لتنظيم وتفرقة الأحزاب التي لا يحبونها، لكنهم سيفهمون في آخر المطاف أنه لا يمكنهم التصرف هكذا”.

بابتعاده عن إدارة أوباما، بات بن زايد يبحث عن حليف قوي، فوجده في محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي. وإن بدا التحالف طبيعيا بالنسبة لمن ينظر للأمر من الخارج -فهما حاكمان مستبدان في الخليج يشتركان في الاسم-، فإن هذه العلاقة تبلورت رغم خلاف تاريخي. فالمملكة العربية السعودية هي -كما كان يصفها الصحفي المغتال جمال خاشقجي- “الأب والأم للإسلام السياسي”، وهو أمر يوافق عليه محمد بن زايد حتما.

فجذور الدولة السعودية تعود إلى تحالف يعود للقرن 18 بين قادته السياسيين والوهابية. وهي نموذج مثالي للتطرف المموّل من الدولة والذي يصبح تنظيم الإخوان المسلمين مقارنة به معتدلا جدا.

ترعرع بن زايد خلال فترة كان معظم الإماراتيين يشعرون فيها بأنهم مهددون من قبل جارهم الكبير، حيث تواصلت الصراعات المسلحة على الحدود حتى الخمسينات. وفي 2005، وفق إحدى رسائل ويكيليكس، أخبر بن زايد السفير الأمريكي جيمس جيفري أن همه الأكبر هو الوهابية.

لم يكن بن زايد يعتبر العائلة المالكة السعودية ذات نفوذ، لكنه كان يخشى أن يكون البديل الوحيد بالنسبة لمجتمع محافظ مثل المجتمع السعودي نظاما دينيا وهابيا أقرب إلى تنظيم الدولة الإسلامية. ويذكر جفري قول بن زايد: “أي شخص سيأتي مكان آل سعود سيكون كابوسا، لذا يجب مساعدتهم على مساعدة أنفسهم”.

عرّاب بن سلمان

لم يلبث بن زايد أن تعلق بنظيره السعودي -الذي كان متعطشا للقيام بإصلاحات- إذ كان يرى في هذه الطريقة أنسب حل لقطع صلة المملكة العربية السعودية بالإسلام المتطرف. ويبدو أنه لعب إلى حد ما دور العرّاب مع بن سلمان، وحث إدارة أوباما على دعمه. لكنه لا يبدو قادرا على وضع حد لأسوأ نزوات ولي العهد السعودي.

فعندما شنت المملكة العربية السعودية حملة عسكرية على المقاتلين الحوثيين في اليمن في مارس/آذار 2005 بمعية الإمارات العربية المتحدة، ظن الكثيرون أن المعركة لن تدوم أكثر من بضعة أشهر، لكنها تواصلت في نهاية الأمر قرابة خمس سنوات، وأصبحت كارثة صدمت الضمير العالمي، بعد أن هُدمت بنايات تاريخية، وقُتل آلاف المدينيين، وشهد اليمن -الذي يعدّ أفقر بلد عربي- المجاعة والأوباء. وهكذا بات الهدف الأول لهذه الحرب -أي هزيمة الحوثيين المدعومين من إيران- منسيا.

طبعا، تتقاسم الإمارات مسؤولية هذه المأساة مع السعودية، رغم أنها لم تكن وراء القصف الذي ألحق الكثير من الدمار في شمال اليمن، إذ حدّد بن زايد دور بلده في الجنوب، حيث حاول جاهدا الوصول إلى اتفاقيات سياسية لإنهاء الحرب بأسرع وقت، واعتمد على الوحدات التي دربها هندمارش لتدريب القوات العسكرية المحلية. وقد أخبرني مسؤول عسكري أمريكي سام سابق أن بين 95 و100% من النجاحات العسكرية في هذه الحرب تعود للإمارات.

بيّن بن زايد من خلال إعلانه عن انسحاب القوات الإماراتية من اليمن في يونيو/حزيران الماضي أن لشراكته الجديدة مع المملكة العربية السعودية حدودا، كما بدأ يرسم لمسار أكثر ديبلوماسية مع إيران. وقد هدد ترامب -بعد سلسلة من الهجمات على سفن في بحر الخليج وإسقاط طائرة أمريكية بلا طيار- بشن حرب ضروس على إيران في ذلك الشهر، لكنه تراجع فجأة بعد ذلك.

ويبدو أن بن زايد استشعر أن إيران بدأت تعتبر ترامب نمرا من ورق، ما قد يضع الإمارات موضع خطر أمام العدوان الإيراني. فبعدها بقليل، أصدرت الإمارات بيانات تصالحية وأرسلت بعثة إلى إيران في شهر يوليو/تموز الماضي. وقد يتبين هذا النموذج من سياسة الحوار أساسيا بعد اغتيال سليماني، بينما يبذل جيران إيران قصارى جهدهم لتفادي الحرب.

رأى بعض ناقدي بن زايد في هذه الإيماءات الديبلوماسية التي طرأت في شهر يوليو/تموز مرونة غير متوقعة أو حتى شيئا من “التهاون”، لكن ذلك لا يمنع بن زايد أن يتصرف بطريقة غليظة وإيديولوجية مثل أعدائه. فقد تحولت مقاطعة قطر التي بدأت في يونيو/حزيران 2017 إلى قضية شخصية، قاد فيها الطرفان حملات إعلامية تشويهية، بل وأدت حتى إلى مناوشات بالوكالة في الصومال.

وقد قوض هذا الصراع هدف بن زايد المنشود بالحفاظ على جبهة موحدة ضد استراتيجية إيران في المنطقة. وصرح مسؤول عسكري أمريكي سام سابق بأنه في حال فشلت الإمارات في حلّ هذه المعضلة، “سوف يطلق أحدهم شاحنة باتجاه هذه الفجوة”. وفي أسوأ الحياة، جعلت الأزمة القطرية حملة بن زايد ضد الإسلام السياسي تبدو وكأنها عملية انتقامية، هدفها الأساسي إذلال أعدائه.

عن التسامحأو الكيل بمكيالين

يوجد نصب برونزي خارج مكتب بن زايد الرئيسي في أبو ظبي كتبت عليه كلمة “تسامح” بالانكليزية. وقد فعلت الإمارات الكثير للترويج لالتزامها بالتعددية. ففي 2016، أطلقت الحكومة وزارة التسامح، كما لقب عام 2019 بعام التسامح، انطلق بزيارة جد مرتقبة للبابا فرانسوا، وكانت المرة الأولى التي يزور فيها بابا الفاتيكان شبه الجزيرة العربية.

لكن هذا التسامح لا يشمل لا الإسلاميين ولا أي شخص قد يتعاطف معهم. وقد قمعت الإمارات الإسلاميين بعنف أشد منذ 2011، إذ اعتقلت وسجنت أعدادا هائلة منهم لأسباب تافهة.

في 2012، أغلقت السلطات الإماراتية مكاتب المعهد الوطني الديمقراطي -وهو مؤسسة أمريكية- الموجودة في دبي، وغيرها من المنظمات الأجنبية التي تدعم المؤسسات الديمقراطية. وفي 2014، وصفت الحكومة رسميا منظمة الإخوان المسلمين بأنها جماعة إرهابية، ولاحقت قضائيا محاميا -على الأقل- دافع على الإسلاميين بل وحتى -في بعض الأحيان- معارضين مدنيين لها.

قبل أغلب الإماراتيين الذين تحدثوا معي عن قساوة القمع الذي شنه بن زايد على الإسلاميين أن يتكلموا في الموضوع شرط عدم التصريح بأسمائهم والتواصل عبر برمجيات مشفرة. إذ يمكن في الإمارات -على عكس ما يحدث في البلدان الغربية- أن تستعمل الحكومة الكاميرات الشخصية، ما يمنح السلطات قدرة هائلة على مراقبة كل ما يحدث في جميع أنحاء البلاد.

وتبين مؤخرا أن برمجية مراسلة تدعى “تو توك” اعتُمدت على نطاق واسع في الإمارات منذ السنة الماضية وهي في الحقيقة أداة تجسس للمخابرات الإماراتية. ويسارع المسؤولون الإماراتيون في الدفاع عن هذه الممارسات بحجة أن هجوما إرهابيا أو صاروخا إيرانيا واحدا سيدفع بالعمالة الأجنبية إلى الفرار وسيسيء إلى دور الإمارات باعتبارها مركز تجارة وتنقل ثقيل في المنطقة. وقد تسبب هجوم قام به ناشط يبدو أنه كان متأثرا بفكر تنظيم الدولة الإسلامية -حيث طعن أستاذا وقتله سنة 2014 في أبو ظبي- في جعل هذا الخطر ملموسا أكثر.

مجتمع تحت الرقابة

لكن الإمارات العربية المتحدة لا تبحث فقط عن الإرهابيين، بل تطارد كذلك المنافسين السياسيين من خلال برنامج ذكاء سيبراني ذي عدوانية متزايدة يدعى مشروع رايفن، وهو من تأسيس عملاء سابقين في المخابرات الأمريكية. وكان من بين المستهدفين من هذا المشروع أربعة صحفيين غربيين -من بينهم ثلاثة أمريكيين- وفق تحقيق قامت به وكالة رويترز السنة الماضية.

كما تنذر رسائل تنشر عبر الشبكات الاجتماعية بأن التعبير عن الدعم لقطر يعتبر جريمة جنائية يعاقب عليها بالغرامة أو حتى بالسجن. ويصرّح عبد الخالق عبد الله -وهو عالم سياسي إماراتي سبق واعتقل بسبب انتقاده للحكومة: “بصراحة، من الصعب جدا التفوه أي انتقادات، أو التكلم بصراحة”، مضيفا أن هذا الأمر ليس حكرا على الإمارات بل متواجد في كامل العالم العربي.

والرقابة التي يمارسها الأشخاص على أنفسهم تفوق تلك التي تمارسها الدولة في الإمارات، فحتى الشباب اقتنعوا بأن عليهم أن يكونوا أكثر يقظة ضد أعداء الخارج. وقد عبّر شاب في العشرين عن شكوكه حيال خطر الإخوان المسلمين، وإمكانية مبالغة السلطة فيه لتبرير تشددها -وهي شكوك لن يتجرأ أبدا على التفوه بها أمام الملأ.

قد تكون هذه النقطة هي اللغز الأساسي لفترة حكم بن زايد، فهو حاكم مستبد لكنه ليبيرالي بالمعنى المجتمعي، وقد تتغير نظرة المرء للإمارات بتغير المكان الذي يقف فيه، فقد تبدو الإمارات من منظور ثقافة حقوق الإنسان الغربية كمستعمرة استعبادية ورأسمالية مدقعة يرغب حاكموها في قمع أي صوت مناهض.

لكن بالمقارنة مع سوريا أو مصر، تكاد الإمارات تبدو كنموذج ليبيرالي مجتمعي. ويبدو أن الشباب العربي يفضل النظرة الأخيرة، فقد أظهرت الإحصائيات أن أغلبهم يفضل العيش في الإمارات من أي مكان آخر -بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية أو كندا. وقد يعود ذلك إلى الحنين الذي يميز المجتمعات في مصر والعراق، بينما يهتم سكان الإمارات خاصة بالمستقبل، ولا سيما الصحفيين منهم.

لقد سبق وواجه ديبلوماسيون أجانب بن زايد بشأن افتقار بلده للديمقراطية، وكانت إجابته شيئا من هذا القبيل: “نحن لسنا في كاليفورنيا هنا”، وأصرّ بأن نقص المستوى التعليمي وسيطرة المواقف الدينية المتخلفة تجعل بالنسبة له من الحكم الاستبدادي ضرورة. لكن في حال نجح في مهمته بتربية الرعاع واستئصال الإسلام السياسي، قد يصبح دور عائلة آل نهيان “الملكي” صعب التبرير.

نشرت مجلة نيويورك تايمز هذا المقال في نسخته الأصلية تحت عنوان «Mohammed bin Zayed’s Dark Vision of the Middle East’s Future»، بتاريخ 9 يناير/كانون الثاني 2020. .

***

روبرت وورث كاتب وصحفي في مجلة نيويورك تايمز، نشر سنة 2011 كتابا عن ثورات الربيع العربي “غضب من أجل النظام” والذي فاز بجائزة لاينل غلبر.

____________

أورينت 21