إن اندلعت مواجهة “محدودة” مصرية تركية فلن تعدو أن تكون مدخلا لتمكين قبائل الشرق من لعب دور الحامي للنفوذ المصري في شرق ليبيا.

الجزء الأول

مع تصاعد المواجهات التركية – الفرنسية بسبب تدخلات محور الثورة المضادة في ليبيا، كان لافتا قبل شهر من الآن (يونيو/حزيران2020) أن ننظر إلى التأثير الفرنسي على دول الجوار الليبي لتحويل المواجهات الليبية من مواجهات محاور فكرية – سياسية إلى مواجهات ذات طبيعة قبلية، وهو ما ينذر بتجدد المواجهات في ليبيا بشكل عنيف.

ورغم وجود تراجع نسبي في الحضور الفرنسي في “بر” ليبيا ومياهها الإقليمية، فإن النفوذ الفرنسي في ليبيا لن ينقطع لعدة أسباب سنوردها لاحقا في متن هذه الدراسة، خاصة أن شواهد هذا النفوذ قد تبدت من خلال قصف “قاعدة الوطية”، والتي ترجح التحليلات أنها تمت برافال الفرنسية، وأنها انطلقت من “تشاد” المتاخمة لليبيا، وإن لقيت دعما من طائرات الميج الروسية في صورة مناورات، يمكنها أن تبرر لاحقا إعلان “محور الثورة المضادة” مسؤوليته.

فما ملامح الدور المصري في تأليب القبائل الليبية عبر أدوار إقليمية لكل من تونس والجزائر ومصر وحتى تشاد والنيجر؟

إطلالة على ولاءات القبائل

واقع القبائل في ليبيا اليوم يبدو مضطربا بشكل واسع. ولا يخفى على المراقبين أن قوة التدفق المالي، وما يترتب عليه من واقع عسكري لعب دورا مهما في رسم ملامح انحيازات القبائل في ليبيا ما قبل 2020، ويشهد الواقع القبلي اليوم انقساما كذلك، لكنه انقسام متوازن بعد توقيع اتفاق التعاون الدفاعي التركي الليبي.

كانت تدخلات القبائل لمنع إنتاج النفط وتصديره من أبرز الخطوات التي ترجح دورا مستقبليا للقبائل. وفيما يلي إطلالة على واقع انحيازات القبائل:

  • قبائل الغرب: في الغرب الليبي، تبرز قبيلة “الورفلة”، ثاني أكبر القبائل الليبية ببطونها الوفيرة، والتي وقفت إلى جانب “القذافي” خلال ثورة 17 فبراير /شباط 2011، ويحملون تحفظات تجاه “كتائب مصراتة” الوفاقية التي اقتحمت المدينة في 2012، فيما يرفضون تسلط حفتر، برغم أن أغلب كتائبهم انحازت إلى جانبه، حينما كان مسيطرا.

وتعد كذلك قبائل “ترهونة” إحدى أكبر القبائل الليبية، والتي كانت معقل اللواء التاسع مشاة أحد أذرع “ميليشيات الكرامة” قبل سيطرة حكومة الوفاق على مدينة ترهونة.

وترتكز قبيلة “زناتة” الأمازيغية في مدينة الزنتان بمنطقة الجبل الغربي، وينتشر بينها المنهج السلفي المدخلي، وتُوالي خليفة حفتر.

وعلى النقيض من ذلك، فإن قبائل “مصراتة” المختلفة تدعم حكومة الوفاق، وإن كانت بعض القبائل قد أعلنت الولاء لحفتر قبل مرحلة السيطرة على طرابلس. وأخيرا تأتي قبيلة “ورشمانة” التي اشتهرت بموالاتها لرئيس ليبيا المخلوع معمر القذافي، ثم كونت “جيش القبائل” في 2014، والذي قاتل قوات “فجر ليبيا” الرافضة لحفتر آنذاك، ورغم محاولتها الخروج من صراع الحرب الأهلية الثانية، فإنها شاركت “حفتر” في هجومه على طرابلس قبل تحرير محيطها.

  • قبائل الشرق: أما في الشرق، فإن قبيلة “العواقير” الكبيرة العدد في بنغازي قد شكلت خزانا بشريا لمعارك خليفة حفتر منذ إطلاقه “عملية الكرامة” منتصف عام 2014، وحروبه المتتالية في بنغازي وأجدابيا والهلال النفطي ودرنة، لكنهم تحفظوا حيال مهاجمة طرابلس، وهو ما دفع حفتر للحد من نفوذها مؤخرا.

وهناك كذلك قبيلة “البراعصة” التي دعمت “حفتر” ودفعت ثمنا غاليا من أبنائها في مناصرته، لتجد نفسها في النهاية تحت سيطرته.

أما قبيلة “العبيدات”، أكبر قبائل شرق ليبيا، فكانت تناصر حفتر، حتى تحولت بكامل ولائها لمناصرة السياسي “عقيلة صالح”، وإن كان بعض كبارها يعملون لصالح حكومة الوفاق، ومنهم اللواء سليمان محمود. وتعد قبيلة “المغاربة” من أهم القبائل في وسط البلاد في “أجدابيا”، وتقع موانئ تصدير النفط في أراضيها، وتعد من أكثر القبائل نفوذا في الشرق، وكانت من أكثر القبائل عداء لـ”كتيبة 17 فبراير” التي اعتمد عليها حفتر في “عملية الكرامة”.

كما تعلن قبيلة “المسامير” الولاء لحفتر، وإليها ينتمي المتحدث الرسمي باسمه. أما قبيلة “الزوية” فتسيطر على النصيب الأكبر من حقول ومنابع النفط، وتوالي حفتر. وهناك قبيلة “الفرجان” التي ينحدر منها “حفتر” نفسه، وتدين له بالولاء.

وهناك كذلك قبيلة “العرفة” التي تعيش في مدينة المرج، والتي يتخذ حفتر من قاعدتها العسكرية مقرا رئيسيا له، كما أن قاعدة الخادم التي تشغلها الإمارات تقع في أراضي القبيلة جنوب المدينة، ما دفع حفتر لمنحها امتيازات.

وتتمركز قبيلة “القذاذفة” بمنطقتي “سبها” و”سرت”، وبرغم تهميشها، فإن بعض قياداتها تؤيد “مجموعات الكرامة”، فيما يلتزم الجزء الثاني الحياد. ويتبقى بعد ذلك جمع من القبائل معروف باسم “المرابطين”، وهي مجموعة قبائل تؤيد “مجلس النواب” في طبرق[4].

  • قبائل الجنوب: معروفون بتقلب الولاء أو على الأقل تقاسمه. فقبيلة “أولاد سليمان” يؤيد بعضها العسكري “حفتر”، فيما غالبيتها تؤيد الحكومة الشرعية.

كما أن قبيلة “الطوارق” الأمازيغية الهوية منقسمة كذلك، حيث تقاتل سرية خالد بن الوليد إلى جانب “حفتر” في حين يقف قطاع منها -أيضا- إلى جانب “حكومة الوفاق”، وأوكلت لهم مهمة تأمين مناطق جنوبية واسعة داخلية وحدودية، إلى جانب تأمين المنشآت النفطية، قبل انتشار مرتزقة فاجنر في هذه المنطقة.

وأما “التبو” ذات الهوية العربية الزنجية فتميل إلى حفتر بعد أن عاونهم في مواجهة قبائل أخرى عربية. كما تعتبر قبيلة “المقارحة” من أكثر القبائل تسليحا، وتوالي حفتر. وتسيطر مجموعات من هذه القبائل على تجارة الأسلحة والمخدرات والهجرة السرية[5].

خريطة الانتماء هذه رسم المراقبون ملامحها طيلة الأعوام التسعة الماضية، وهي فترة سيطر التدفق المالي الإماراتي – السعودي فيها على جل هذه القبائل التي لم يجد بعضها مناصا من مشاركة “حفتر” مغامراته التي جعلته يسيطر فعليا على 80% من مساحة ليبيا وبدا أن له الغلبة في مرحلة ما قبل بناء التحالف الليبي – التركي في مطلع 2020.

ويغري ماضي انحيازات القبائل في ليبيا القوى الأجنبية بسرعة الحركة للبناء على أوضاع هذه الانحيازات قبل تبدلها بسبب التقلبات التي يشهدها ميزان القوة في ليبيا. وتشهد الآونة الراهنة صراعا استخباراتيا حول انحيازات القبائل، سواء من جانب تركيا أو من جانب محور الثورة المضادة.

المخاوف الفرنسية من الوجود التركي في ليبيا

في 22 يونيو /حزيران 2020، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن تركيا تمارس “لعبة خطيرة” في ليبيا، وأنها تشكل “تهديدا مباشرا للمنطقة وأوروبا”، وتقدم وزير الخارجية جون إيف لودريان في الرابع والعشرين من نفس الشهر بطلب إلى الاتحاد الأوروبي لإجراء مناقشة بلا حدود بشأن علاقة فرنسا بتركيا وحاجة فرنسا للدفاع عن مصالحها في البحر المتوسط، وهو ما دفعها وسيدفعها لمواجهة تركيا. هذه التصريحات تحمل غضبا فرنسيا واضحا. فما أسبابه؟

كان التقرير الذي صاغه بوبي جوش لوكالة “بلومبرج” الأميركية، يحمل الكثير من الأحكام الأخلاقية حيال السلوك الفرنسي في ليبيا، ما تجعل منه تقريرا مسيسا في نظر الكثيرين، إلا أنه حمل في عنوانه ومضمونه الدافع الأساسي للغضب الفرنسي، حيث تضمن العنوان – وكذا التقرير- إقرارا بأن تركيا تسببت في “خسوف” طموحات “ماكرون” في ليبيا. فما هي هذه الطموحات؟.

منذ عام 2011، بدأ الجنوب الليبي يحظى باهتمام خاص من قبل فرنسا، التي كان لها دور هام في إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، بعد أن قام القذافي بتمويل حملة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بملايين الدولارات، ثم أغدق عليه جملة صفقات بقيمة 10 مليارات دولار، إلا أنه في النهاية انقلب عليه، وقرر أن يدعم الثورة ضده، بعد أن كان “القذافي” قاب قوسين أو أدنى من هزيمة الثورة في مهدها في بنغازي.

يرجح مراقبون أن المصلحة الأهم لفرنسا تتمثل في وجودها في إفريقيا، حيث تمتلك قواعد عسكرية شمال النيجر قرب الحدود الجنوبية الليبية، والتي تراهن على هذه المنطقة كأحد مصادر الثروات الباطنية من نفط وغاز ومعادن، وتسعى إلى بسط نفوذها، مستندة على إرث تاريخي، حيث كان إقليم فزان لفترة طويلة قابعا تحت سيطرتها.

في هذا الإطار، تسعى فرنسا للاستحواذ على الاستثمارات الهائلة في مجال النفط والطاقة واستخراج المعادن والمواد الأولية في حال خضوع الإقليم للهيمنة الفرنسية .

ويأتي على رأس اهتمامات فرنسا بإفريقيا منطقة النيجر، والتي تعد المسرح الرئيسي للشركات الفرنسية المختصة بالتنقيب عن اليورانيوم، وعلى وجه الخصوص شركة “أريفا” ذات الارتباط المباشر بحكومة باريس.

وتكمن أهمية استخراج فرنسا لليورانيوم من النيجر في كونه يعتبر العنصر الأهم في صناعة المفاعلات النووية سواء لأغراض سلمية كتوليد الكهرباء وغيرها، أو لأغراض عسكرية كصناعة القنابل النووية، ومن هنا تبرز المصالح الفرنسية في كل من تشاد والنيجر، والذي من شأن الجنوب الليبي المحاذي لكلا الدولتين أن يهدد المصالح الفرنسية ولو على المدى المتوسط، في حالة عدم توفر الاستقرار في تلك المنطقة.

ويربط مراقبون بين هذه المصالح وبين تخوفات ساركوزي نفسه من نشاط القذافي في إفريقيا، بالرغم مما دعمه به من مال سياسي وعسكري، وأن تلك المطامع نفسها حركت الرؤساء “فرانسوا هولاند”، و”إيمانويل ماكرون” من بعده.

أما العامل الثالث وراء الوجود الفرنسي في القارة الإفريقية، خاصة الجنوب الليبي، فيتمثل في ذريعة “مكافحة الإرهاب”، فتحت هذه اللافتة عززت فرنسا وجودها العسكري في شمال “إفريقيا جنوب الصحراء”، حيث أنشأت 4 قواعد عسكرية في “إنجامينا” بتشاد، و”نيامي” بالنيجر، و”غاو” و”تيساليت” بشمال مالي، بالإضافة إلى قاعدة للقوات الخاصة في بوركينا فاسو، وبلغ الحجم المعلن للقوات الفرنسية المنتشرة هناك نحو 4000 جندي فرنسي، مزودين بالمقاتلات والمروحيات والمسيرات والعربات المدرعة.

ومع اتساع هذا الانتشار الفرنسي، بدأت القوات المسلحة الفرنسية بدعم حضورها في ليبيا عبر بناء قاعدة “ماداما” في أقصى شمال النيجر قرب الحدود مع جنوب ليبيا، وتم تزويدها بمطار حربي.

قطعا، لا يمكن القول بوجود تعارض بين تركيا وفرنسا في مكافحة “التنظيمات الإرهابية”، فالالتزام التركي في هذا الصدد أصيل، وتسهيلاتها لحلف شمال الأطلنطي (ناتو) في هذا الإطار بادية للجميع. غير أن ما يقلق فرنسا في هذا الإطار أمران أولهما: أن هدف فرنسا في الجنوب الليبي يتعارض مع وجود حكومة ليبية قوية، خاصة وأن فرنسا – بخلفيتها الاستعمارية – لا ترغب في أن يخضع استغلالها لثروات الجنوب الليبي لإشراف محكم من حكومة في ليبيا وليدة ثورة. ويضاف إلى ما سبق وجود تطلعات من جانب تركيا – المستهلك الصافي للطاقة – في الاستثمار في قطاع التعدين الليبي، وهو ما يجعلها منافسا رئيسيا للشركات الفرنسية والأوروبية.

من جهة ثالثة، فإن رغبة حكومة الوفاق في السيطرة على النفط في حقلي “الفيل” و”الشرارة” باعتبارهما من مصادر الدخل البديلة للإنتاج النفطي المعطل أو المُصادر لحساب الانفصاليين في الشرق الليبي ــ تمثل مصدرا لقلق فرنسا، سواء أكان القلق من تأثيرات السيطرة لوجيستيا، أم إستراتيجيا.

البقية في الجزء الثاني

______________