لم تمنع الهزيمة التي مُني بها اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، وانتهت بفشل حملته العسكرية على العاصمة طرابلس، وخروجه بشكلٍ كامل من غرب ليبيا، حلفاءه من مواصلة محاولاتهم الرامية للانقضاض على هذا البلد، وضمّه لمناطق نفوذهم.

الدولة العميقة باقية وتتمدد

وبعد فشل الحملة العسكرية لحفتر، وشروع حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً، في ترتيب كافة مناحي الحياة اليومية للمواطنين، بدأ سيناريو جديد للانقلاب، عبر تأجيج غضب شعبي تجاه الحكومة، بالضغط على المرافق والخدمات اليومية للمواطنين، وإتلافها، وهو ما بدأ يحدث بشكل مكثف منذ انسحاب حفتر من الغرب الليبي.

ويظهر هذا الضغط جليّاً في أزمات انقطاع الكهرباء المتكرر وعمليات الإظلام التامة في غالبية مناطق غرب ليبيا لأسباب فنية، “تقف وراءها مؤامرات يُحركها عملاء تابعون لمحور دعم حفتر، وفي مقدمتهم الإمارات“، بحسب مسؤول بارز في حكومة الوفاق، تحدث لـ”العربي الجديد”. ولا يتوقف الأمر عند قطاع الكهرباء فقط، بل امتد لإحداث أزمة في إمدادات الوقود اليومية.

تحوم شكوك كثيرة حول محاولات تخريب في 3 قطاعات، هي الأمن والصحة والطاقة.

وقال المسؤول في حكومة الوفاق، الذي تحدث لـ”العربي الجديد” طالباً عدم ذكر اسمه: “بدأنا ننتبه منذ فترة لمؤامرات من نوع جديد تُحاك بعد إفشال حملة حفتر العسكرية”، موضحاً أن “الفضل يعود أيضاً للأصدقاء والحلفاء في تركيا، الذين لفتوا انتباهنا لتفاصيل تلك المؤامرة، كما أمدّونا بمعلومات بشأن بعض الأشخاص الذين تحوم حولهم الشكوك بسبب تراخيهم تارة في أداء مهام عملهم، وتارة أخرى في تغاضيهم عن اتخاذ إجراءات من شأنها المساهمة في معالجة الأزمات، وتخفيف معاناة المواطنين اليومية، وبالتالي تخفيض حجم الغضب في الشارع في أعقاب بسط حكومة الوفاق سيطرتها على كامل تراب غرب ليبيا”.

وأوضح المسؤول: “رصدنا 3 قطاعات، ووجدنا أن ما يجري فيها تحوم حوله شكوك كثيرة، وهي قطاعات الطاقة، والصحة، والأمن”. وتابع المصدر أنه “سريعاً كان قرار تشكيل القوة المشتركة، لتكون تحركاتها سريعة للسيطرة على عمليات التخريب”. وتابع “مع بداية عمل القوة، بدا واضحا أننا كنا أمام مخطط مُحكم لهزيمتنا من الداخل بعد فشل الحملة العسكرية، وهو ظهر من خلال حجم عمليات تهريب الوقود والبنزين، عبر العصابات التي كان يدعمها أشخاص يتولون مسؤوليات ومهام رسمية، وبدأنا بشكل كبير في محاصرة تلك العمليات بعد توجيه ضربات قاصمة للمهربين والعصابات، إضافة إلى عمليات أخرى من التحقيقات مع مسؤولين من دون الإعلان عن ذلك”.

واستطرد أنه “تمّ توجيه القوة المشتركة بعد ذلك لمداهمة أماكن تخزين أسطوانات غاز الطهي، بعد جمعها من الأسواق، بهدف إحداث أزمة تتسبب في غضب المواطنين، وهي الحملات التي أسفرت عن ضبط آلاف الأسطوانات”، لافتاً إلى أن “هذه الأزمات لم نكن نشهدها في السابق، وحتى في ظل اشتداد المعارك العسكرية، لم نكن نسمع بها”.

وكشف المسؤول في حكومة الوفاق أن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج كلّف بفتح تحقيق، بشأن نحو 70 مليون دينار ليبي (حوالي 51 مليون دولار أميركي)، تمّ إنفاقها على القطاع الصحي لمواجهة جائحة كورونا، من دون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، وتزايد عدد الإصابات في عدد من مناطق الغرب الليبي ومصراتة، موضحاً أنه تتم مراجعة الخطط التي وضعها المسؤول عن هذا القطاع هيثم محمد (الفقهي)، والذي تحوم حوله شكوك كبيرة بشأن علاقاته وصلاته مع مسؤولين رسميين بدولة الإمارات.

في موازاة ذلك، قال مصدر مصري مقرب من اللجنة المعنية بالملف الليبي، إن التعامل المصري والإماراتي مع ملف غرب ليبيا، غير قاصر على الشقّ العسكري فقط الظاهر أمام العيان، متحدثاً عن تواجد مصري وإماراتي في غرب ليبيا حتى الآن بأشكال مختلفة، في إشارة إلى “أنشطة استخبارية“. ولفت إلى وجود أشخاص يتعاونون مع الجانب المصري بحكم علاقات ممتدة مع أجهزة مصرية منذ سنوات طويلة.

وعما إذا كان الأمر مقتصراً على التنسيق المعلوماتي فقط مع العناصر المشار إليها، قال المصدر إن “ما يخص مصر هو أن تكون مُلمّة وعلى علم بكل ما يجري على أرض الواقع في مناطق غرب ليبيا، حتى تكون قادرة على اتخاذ القرار المناسب لها”.

لكنه لفت إلى أن الجانب الإماراتي “لديه تصورات أخرى، هو متمسك بالعمل الدائم لإضعاف الخصم، حتى في حالة هزيمة حفتر، لأن الخصم هنا في هذه الحالة بالنسبة لأبوظبي هو أنقرة، لذلك يريد دائماً أن يجعلها في حالة انشغال دائم بأزمات حلفائها في حكومة الوفاق، وكيفية السيطرة على تلك المشاكل، حتى لا تتفرغ أنقرة لاتخاذ خطوات هجومية”.

وأكد المصدر أن “هناك حرباً استخبارية تدور على أراضي الغرب الليبي، ولا تشترك فيها مصر والإمارات وتركيا وحدها، لكن هناك أطراف دولية أخرى لها عناصر تابعة لها”.

مصدر مصري آخر تحدث لـ”العربي الجديد” في هذا السياق، قائلاً إن “الإمارات في الوقت الراهن تتبنى نهجاً أقرب للطريقة الإسرائيلية في التعامل مع أعدائها، من خلال اختراقهم، وشراء مسؤولين كبار في صفوفهم بشكل يجعلها تسيطر بدرجة كبيرة على الأوضاع في معسكر أعدائها، قبل أي اشتباك عسكري، وبدرجة أيضاً قد لا تصل بها إلى هذا الاشتباك من خلال تفكيك أعدائها من داخلهم”.

وأضاف أن “النهج الإماراتي ظهر واضحاً ضد الإخوان المسلمين في مصر إبان حكم الإخوان، وكذا ظهر أخيراً في تونس بالطريقة نفسها التي أسقط بها إخوان مصر، من خلال تمويل وشراء قوى سياسية ووسائل إعلام، ومسؤولين في جهات متعددة لتنفيذ أجندتها، والأمر كذلك في السودان”.

من جهته، قال مصدر ميداني في القوة المشتركة لـ”العربي الجديد”، إن “رجالنا في معركة جديدة لا تقل أهمية عن معركة صدّ الهجوم على طرابلس، وهي في الحقيقة معركة مكملة لها”، موضحاً أن “السبب الرئيسي لتشكيل تلك القوة هو مواجهة مخططات تفكيك الدولة من الداخل، ومواجهة العناصر المارقة التي تنفذ أجندات خارجية”.

وشدّد المصدر على أن “مواجهة الفساد بكافة أشكاله جاءت على التكليفات الموكلة للقوة من جانب رئيس حكومة الوفاق، عند تشكيلها”، متابعاً أن “ما حصلنا عليه من معلومات يؤكد أن الأمر ليس بمثابة سلوك إجرامي فقط للقائمين على تلك المخالفات، لكن بدا أنه أبعد من ذلك، وبعضهم يملك شبكة اتصالات كبيرة، تصل إلى خارج الحدود”.

وتابع: “كانت لدينا تكليفات واضحة بضرورة التنسيق مع القائمين على قطاع الكهرباء، والمحطات التابعة لهم وتوفير كافة احتياجاتهم، ومواجهة كافة الخروقات التي تعطل عمل الشبكة”، مشيراً إلى أنهم فوجئوا “في البداية بأن هناك مجموعات مسلحة اقتحمت عدداً من محطات توليد الكهرباء، وعطلت عملها بشكل ممنهج، وواجهنا ذلك وقمنا بتوقيف قيادات تلك المجموعات، وأخذت جهات أخرى بالبدء في التحقيق معهم، وهناك خيوط بدأت تتكشف بشأن حصولهم على تمويلات خارجية، لتنفيذ مثل تلك الأعمال”.

ولفت المصدر إلى أنه “بعد نجاح القوة المشتركة في مواجهة عمليات اقتحام المحطات، فوجئنا بعمليات منظمة لسرقة أعمدة توصيل التيار الكهربائي، وسرقة الكابلات وخطوط الإمداد بشكل يُظهر أنه عمل تخريبي وليس بهدف السرقة”.

وتحدث عن “صدور تعليمات لنا من قيادة القوة بتسيير دوريات أمنية بالمناطق النائية، وتلك التي تمتد وتنتشر خلالها خطوط توصيل التيار الكهربائي ونقله من المحطات، وعبر تبادل معلومات تم ضبط عدد من المسؤولين عن تلك الأعمال بمنطقة القريات”.

***

صداقة الإمارات أخطر من عداوتها

بقلم ياسين اكتاي

لا أحد يجهل الموقف العدائي الذي تسلكه الإمارات ضد تركيا، حيث تتبنى الإمارات سياسة ضد تركيا في كل الأصعدة، ظانة أنها تحاول قطع الطريق أمامها.

وبالطبع نحن لا نتحدث عن منافسة ضمن قواعد مشروعية وحدود مضبوطة، بل نتحدث عن عداء لا يمت للأخلاق بصلة ولا يعترف بقواعد، يقوم على الدسائس والألاعيب والحملات الممنهجة. بينما تركيا طالما تحاول عبر سياساتها الأكثر إنسانية وإيجابية، أن تكبح جماح هذه التحركات اللاأخلاقية وغير القانونية.

الكل يعلم كيف ساهمت تركيا في إخراج الصومال من فوضى عارمة وحالة عدم استقرار وأزمات إنسانية خطيرة، نحو تأسيس دولة معتبرة ذات مؤسسات. ولقد واصلت تركيا جهودها إلى حين تأسيس هذه الدولة القوية في الصومال، دون أن تعبأ بالإمارات ولا بغيرها، حتى ساد الاستقرار الوضعَ هناك، بينما الإمارات في الوقت تحاول بكل ما تملك جرّ البلاد نحو حالة من الفوضى من جديد.

ولقد تم الإمساك بها في الجرم المشهود وهي تدعم عميات انتحار إرهابية قام بها “تنظيم الشباب” الإرهابي في الصومال.

الشيء ذاته ينطبق على أنشطة الإمارات في سوريا؛ لا تملك تركيا أي هدف في سوريا سوى توفير الاستقرار في سوريا، والحياة الآمنة التي يستحقها السوريون على أراضيهم ووطنهم، حتى يتمكن السوريون الذين اضطروا لترك منازلهم ووطنهم من العودة إلى هناك.

أما الإمارات فإنها حينما تدعم بعض المنظمات هناك فإنها بالتأكيد ليس لديها بُعد حول الهيمنة على سوريا وتأسيس نظامها الخاص هناك، لا؛ بل كل ما تريده هو استمرار الفوضى بشكل متواصل لتشكيل دائرة فوضوية تحيط بتركيا وتحاصرها.

والموقف ذاته طبعًا ينطبق على أنشطة الإمارات في ليبيا. فضلًا عن دعمها منظمة غولن الإرهابية، وبي كا كا الإرهابية، ومنظّمي الانقلاب في تركيا.

لكن السؤال؛ متى فعلت الإمارات جميع هذه الأشياء، أو بالأحرى متى بدأت في ذلك؟

لقد كانت تفعل ذلك في الوقت الذي لم تكن هناك أي أزمة بين تركيا وذاك البلد، وكانت العلاقات من الخارج تبدو وكأنها عادية للغاية. ما يعني أن مبدأ الضحك في الوجه والطعن من الخلف هو المبدأ الذي كانت ولا زالت الإمارات تتبناه، أو بالأحرى المبدأ الذي يتسم به أبناء زايد.

لكن يمكن أن تتساءلوا؛ هل الإمارات تفعل ذلك ضد تركيا حصرًا؟

في الواقع، حين النظر إلى السياسة التي تلعبها ما بين السعودية وإيران مؤخرًا، يمكن أن نقول بأن ممارساتها تلك ليست منحصرة ضد تركيا فحسب.

تابعنا خلال الأيام القليلة الفائتة لقاء عبر الفيديو، جميع بين وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان، ووزير الخارجية الإيراني جواد ظريف. وكالة الإمارات الرسمية أظهرت اللقاء على أنه تناول التطورات السياسية في المنطقة، وأزمة فيروس كورونا كوفيد-19، إلا أن تصريحات مهمة أغفلتها الوكالة، دارات حول تأسيس اتفاق استراتيجي ما بين الإمارات وإيران.

الغريب في هذا الأمر واللقاء، هو أن البلدين يسعيان بكل ما يملكان لمثل هذه العلاقة الاستراتيجية، على الرغم من خطاب العداء “الظاهري”، والصراع العميق بسبب احتلال إيران 3 جزر إماراتية.

بالطبع وحتى لا يُساء فهمنا، نحن لا نريد من هذا الطرح أن نقول بأننا ضد أن يكون هناك علاقات استراتيجية بين الدول الإسلامية فيما بينها، بل على العكس نحن ننظر لجميع الدول الإسلامية دون تفريق ونتمنى أن تحكمها جميعها علاقات قوية.

بمعنى آخر، نتمنى ونقول ليت الدول الإسلامية كلها تعيش وحدة واستقرارًا فيما بينها، وتقوم على حل جميع المشاكل فيما بينها بالحسنى، وتحلّ فيما بينها جميعًا كلّ مشاكل التخلف العالقة والمزمنة كسوء التعليم والجوع والبطالة والحكم الفاسد والحريات المعطلة.

ولذلك السبب لا يسعنا سوى أن نكون سعداء بانتهاء العداء والخصومة بين أي دولتين مسلمتين. إلا أن أي دولتين مسلمتين لو كانت النية من تأسيسهما علاقة مشتركة هي الإضرار بالدول الأخرى، والبحث عن مكائد جديدة، وتأسيس تحالف شر جديد؛ فمن المؤكد أنه لا يمكن أن نتوقع خيرًا من ذلك.

دعونا نتذكر؛ حينما خرجت السعودية والإمارات في اتفاق رباعي ضد قطر، انبثق عنه 13 مطلبًا على قطر أن تنفذه دون شروط مسبقة، ألم يكن حينها من بين تلك المطالب قطع العلاقات التجارية تمامًا مع إيران!.

بينما الإمارات فرضت حصارًا وعقوبات على قطر بسبب علاقاتها التجارية مع إيران، فإنه بحسب بيانات منظمة الجمارك الإيرانية، بلغ حجم التبادل التجاري بين الإمارات وإيران 13.5 مليار دولار.

نحن نأمل أن يتطور هذا التعاون أكثر وأكثر، فلا مشكلة لدينا في ذلك، وليرتفع حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية أكثر من ذلك بكثير؛ إلا أنه لماذا قطر فقط تُلام وتُعاقب على ذلك؟.

الإمارات ذاتها لامت سلطنة عُمان كذلك الأمر للسبب ذاته أي العلاقات التجارية مع إيران، حيث هاجم الإعلام الإماراتي، وكذلك المستشار السابق لمحمد بن زايد وأحد الأمراء المهمّين في الإمارات، عبد الخالق عبد الله، سلطنة عُمان حينما قام وزير خارجيتها بلقاء نظيره الإيراني، حيث كتب عبد الله بتغريدة على تويتر، اعتبر فيها أن هذا اللقاء والعلاقات بين الطرفين لن تجلب أي نتائج إيجابية لدول المنطقة.

هذا التناقض اللافت في منهجية العلاقات الإماراتية، لا بد أن يطرح على الأذهان سؤالًا حول نوع الولاء والصداقة الذي يمكن أن تتمتع به الإمارات إزاء حليفتها الأهم السعودية. يعني هل تقتضي العلاقة الاستراتيجية الجديدة بين الإمارات وإيران، أن يكون الهدف الجديد لها هو السعودية، التي تعتبر العدو الأبرز لطهران في جميع المحافل؟

الحوثيون في اليمن المدعومون من طهران مباشرة يوجهون صواريخهم التي يحصلون عليها من إيران، نحو العاصمة السعودية الرياض مباشرة. بينما لم نشهد صاروخًا حوثيًّا واحدًا توجه صوب الإمارات، بينما هي تعتبر هدفًا أقرب لهم من السعودية.

إذن هل سيشمل هذا التعاون الاستراتيجي والتقارب مع إيران، التقاربَ مع الحوثيين الذين لا يفترون عن ضرب السعودية باستمرار؟

في هذه الحالة من سيقوم بحماية السعودية التي من المفترض أنها الحليف الأقرب والمصيري للإمارات من مكائد الإمارات نفسها؟!.

لا علينا من هذا لنعتبره غير مهم، ودعونا نسأل من الذي سيحمي الإمارات ذاتها من نفسها بينما تبحر في هذه المياه الخطيرة؟ حيث أن النتيجة المتوقعة لهذا النوع هي تدمير نفسها بنفسها.

لكن في النهاية علينا تحذير أصدقائها منها.