بقلم عائد عميرة

يواصل حرس السواحل الليبي والعديد من المنظمات الإنسانية الإقليمية، إنقاذ مئات المهاجرين غير النظاميين في عرض البحر الأبيض المتوسط وإعادتهم إلى ليبيا قبل ترحيلهم إلى الدول الأم.

في هذا التقرير الجديد لنون بوست ضمن ملف “مفاتيح ليبيا” سنلقي الضوء على مسألة الهجرة في ليبيا وخط السير ودول المصدر والمهجر، فضلًا عن أماكن التجمع والانطلاق.

طريق الهجرة

طريق الهجرة طويل ومعقد بعض الشيء، حيث يمر المهاجرون غير النظاميين بمراحل عدة بدءًا من الدول المصدِّرة للهجرة وصولًا إلى الشواطئ الشمالية للمتوسط من خلال مهرِّبين متخصصين في إيصال المهاجرين إلى نقطة محددة، حيث يتحول المهاجرون من مهرِّب إلى آخر على طول مسار الرحلة.

دول المصدر

البداية تكون من مناطق تصدير المهاجرين غير النظاميين وهي منطقة القرن الإفريقي (إثيوبيا وإريتريا والصومال والسودان)، ومنطقة الساحل الإفريقي (النيجر ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا والكاميرون) والشرق الأوسط (سوريا وفلسطين ومصر والعراق واليمن) والمغرب العربي (المغرب والجزائر وتونس).

يتم تجميع المهاجرين في مدن معينة، ففي منطقة القرن الإفريقي يكون التجميع في مدينتي كسلا وجنوب كردفان في السودان، أما في منطقة الساحل الإفريقي فيتجمع مهاجرو النيجر ومالي وبوركينا فاسو في مدينة أغاديس في شمال النيجر.

في أثناء الرحلة يموت العديد من المهاجرين، فيما يصل الناجون إلى جزيرة لامبيدوزا أو صقلية أو سردينيا في الجنوب الإيطالي في رحلة تستغرق من يوم إلى أربعة أيام

أمام بخصوص منطقة الشرق الأوسط، فغالبًا ما يأتي المهاجرون منها بشكل فردي عبر منافذ الدخول الشرعية باستثناء السوريين الممنوعين من دخول ليبيا، وبالنسبة إلى منطقة المغرب العربي، يدخل التونسيون بشكل طبيعي دون الحاجة إلى استصدار تأشيرة دخول عبر معبري رأس جدير والذهيبة الحدوديين، في حين يتسلل الجزائريون والمغاربة عبر طرق التهريب الغربية والجنوبية.

يتجمع غالبية المهاجرين غير النظاميين في مدن الجنوب الليبي على غرار القطرون وأم الأرانب وسبها ومرزق وأوباري، هناك يلجأون إلى العمل اليدوي لعدة أشهر وأحيانًا لسنوات للحصول على المال اللازم لإكمال بقية الرحلة إلى أوروبا.

الانتقال للساحل الليبي

ينتظر المهاجر غير النظامي بفارغ الصبر الرحلة الثانية، أي انتقالهم من المدن الحدودية بالجنوب والجنوب الغربي الليبي إلى مدن الشمال الساحلية، وتتم العملية بشكل فردي أو جماعي حيث تتكفل المليشيات المسلحة بإيصالهم إلى مدن الشمال الساحلية بمقابل مالي.

يوصل المهرِّبون وتجار البشر المهاجرين بواسطة شاحنات متهالكة إلى المدن الساحلية عبر طرق ترابية غير ممهدة، ويكون المهرِّبون في الغالب تابعين لمليشيات مسلحة أو تحت حماية مليشيات معينة يدفعون لها إتاوات نظير الحماية.

نصل هنا إلى المرحلة الثالثة، حيث يتجمع المهاجرون في أماكن تجميع على الساحل الليبي في مزارع واستراحات في مدن الخمس والقربوللي وطرابلس وصبراته وزوارة وبنغازي وسرت حتى يكتمل العدد لبدء رحلة قوارب الموت.

عندما يحين الوقت، يدفع المهاجر ثمن الرحلة للمهربين ثم يصعد إلى السيارة التي ستقله إلى الشاطئ، عادة لا يكون بعيدًا عن مراكز التجميع، قبل الوصول إلى الشاطئ بدقائق ينزل الجميع من السيارة فعليهم متابعة الرحلة سيرًا على الأقدام ليجدوا في انتظارهم زوارق مطاطية تتكفل بنقلهم إلى المركب المخصص لرحلة العبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

هذه المرحلة تقوم بها المليشيات المسلحة التي تجني من ورائها عائدات مالية ضخمة، وتستعين هذه المليشيات بمهرِّبين من أصحاب القوارب من ليبيا وتونس ومالطة وصقلية ومصر، ومن ثم تبدأ الرحلة وينطلق الجمع نحو البحر الأبيض المتوسط.

دول المهجر

في أثناء الرحلة يموت العديد من المهاجرين، فيما يصل الناجون إلى جزيرة لامبيدوزا أو صقلية أو سردينيا في الجنوب الإيطالي في رحلة تستغرق من يوم إلى أربعة أيام، حيث يلتقطهم في الغالب خفر السواحل الإيطالية ليودعوهم في مخيمات إيواء خاصة بالمهاجرين غير الشرعيين.

يبقى هؤلاء في مراكز الإيواء إلى أن يتم البت في أمرهم، البعض منهم يسمح له بالمرور والتوجه إلى البلد الذي يريد وهم قلة، والعديد منهم يعودون بهم إلى ليبيا، فيما يهرب الغالبية من المراكز والتوجه نحو فرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا.

تعتبر فرنسا وألمانيا أبرز وجهات المهاجرين غير النظاميين، فهذه الدول يرى فيها المهاجر الدول التي يستطيع فيها تحقيق طموحاته ويبني فيها مستقبله، خاصة أن إيطاليا تعيش أزمة كبيرة ولا يمكن العيش فيها بكرامة.

غلق طريق الهجرة

طريق الهجرة من السواحل الليبية نحو أوروبا لم يعد كما هو، فقد سجلت السنوات الأخيرة، تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين من ليبيا نحو السواحل الأوروبية نتيجة مذكرة التفاهم بشأن الهجرة بين إيطاليا وليبيا التي بموجبها تساعد إيطاليا سلطات خفر السواحل الليبية في إيقاف القوارب في البحر وإعادة الأشخاص إلى مراكز الاحتجاز في ليبيا، حيث يتم احتجازهم بصورة غير قانونية ويتعرضون لانتهاكات جسيمة.

في 2 من فبراير/شباط الماضي، أي بعد ثلاث سنوات بالضبط من توقيعها لأول مرة سنة 2017، تم تمديد مذكرة التفاهم بشأن الهجرة بين إيطاليا وليبيا لمدة ثلاث سنوات أخرى دون إجراء أي تعديلات فيها، ما أثار حفيظة العديد من المنظمات الحقوقية.

“خلال السنوات الثلاثة التي انقضت منذ إبرام الاتفاق الأصلي، تم اعتراض ما لا يقل عن 40 ألف شخص، من بينهم آلاف الأطفال في البحر، وأعيدوا إلى ليبيا، وتعرضوا لمعاناة لا يمكن تخيلها”، وفق ماري ستروثرز، مديرة برنامج أوروبا في منظمة العفو الدولية.

يُمكّن الدعم المادي والتقني من إيطاليا خفر السواحل الليبي التابع لـ”حكومة الوفاق الوطني” المعترف بها أمميًا، من اعتراض آلاف الأشخاص في عرض البحر، بعد ذلك، يُعيد خفر السواحل الليبي الأشخاص إلى الاحتجاز إلى أجل غير مسمى.

تعتبر ليبيا البوابة الرئيسية للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا بحرًا، وبحسب أرقام صادرة عن منظمة الهجرة الدولية، وصل مئات آلاف المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر البحر منذ ثورة فبراير/شباط 2011، فيما مات عشرات الآلاف.

يعبر معظم هؤلاء المهاجرين المتوسط بواسطة أدوات بالية وزوارق غير مهيأة لمثل تلك الرحلات، حيث يتكدس المهاجرون في قوارب وسفن متهالكة تُستخدَم لمرة واحدة وفي معظم الأحيان تتجاوز حمولتها أضعاف ما هو مقرر لها مما يؤدي إلى جنوح وانقلاب هذه القوارب والسفن بحمولتها المتكدسة من البشر.

آلاف العالقين

نتيجة انسداد كل المنافذ البحرية والبرية واحتدام القتال بين قوات حكومة الوفاق الوطني الشرعية ومليشيات اللواء المتقاعد المتمرد خليفة حفتر، أضحى آلاف المهاجرين الأفارقة غير النظاميين عالقين في ليبيا تحت رحمة المهربين وتجار البشر.

ومؤخرًا، علقت المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية الأممية للاجئين برنامج إعادة التوطين وبرنامج العودة الطوعية الذي كان من المقرر أن يتيح لأكثر من 14700 مهاجر العودة إلى بلادهم الأصلية، نتيجة انتشار فيروس كورونا وفرض قيود على الرحلات الجوية الدولية وقرار العديد من البلدان الإفريقية بتقييد الدخول إلى أراضيها.

يتعرض المهاجرون وطالبو اللجوء المحتجزون في مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية إلى ظروف احتجاز مزرية، ويواجهون انتهاكات جسيمة، بما في ذلك التعذيب والاغتصاب، فضلًا عن الاكتظاظ، وفقًا للعديد من المنظمات الحقوقية العاملة في هذا المجال.

ويُوثق تقرير لهيومن رايتس ووتش الاكتظاظ الشديد والظروف غير الصحية وسوء التغذية، في مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية للاجئين، كما شاهدت هيومن رايتس ووتش أعدادًا كبيرة من الأطفال، منهم مواليد جدد، مُحتجزين في ظروف بالغة السوء.

وسبق أن نشرت المنظمة الحقوقية، أدلة على أن الدعم المقدم من إيطاليا وغيرها من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي للمساعدات الإنسانية للمهاجرين وطالبي اللجوء المحتجزين، ومن أجل برامج الإجلاء والإعادة، لم تفعل شيئًا يذكر لمعالجة المشاكل البنيوية المرتبطة باحتجاز وسوء معاملة المهاجرين في ليبيا.

كما زادت أزمة كورونا الوضع سوءًا، فمنذ أن تفشى الوباء في ليبيا على نطاق واسع بات الوضع أسوأ من ذي قبل، فالعديد من الليبيين يعتقدون أن جميع الأفارقة حاملون للفيروس ولذلك لا يجب التعامل معهم ووجب الابتعاد عنهم حتى لا تنتقل العدوى إليهم.

نتيجة ذلك، ينتظر هؤلاء المهاجرون الأفارقة، تحسن الأوضاع حتى يتم إجلاءهم خارج ليبيا وإعادتهم إلى دولهم الأم أو أن يقتنصوا الفرصة للهجرة نحو السواحل الجنوبية لدول القارة الأوروبية عل حياتهم تتغير وينعمون ببعض الراحة التي لا يعرفون طعمها.

تجار البشر

هذه الأوضاع المزرية والمعاناة المتواصلة للمهاجرين غير النظاميين، تحيلنا إلى الحديث عن تجار البشر الذين تضاعفت أعدادهم في ليبيا عقب ثورة فبراير/شباط 2011، فسقوط نظام القذافي أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والقضائية ذلك أن القذافي اختزل ليبيا في شخصه.

تحول المقاتلون الذين حاربوا القذافي إلى مليشيات مسلحة تقاسمت النفوذ والسلطة فيما بينها، لا سيما أنها وجدت ترسانة ضخمة من الأسلحة خلَّفها النظام بعده، ما أحال ليبيا إلى دولة فاشلة فبعد ذلك تحالفت أساطين التهريب في منطقتي الساحل والقرن الإفريقيين والمهربون في المناطق الملتهبة في الشرق الأوسط والمغرب العربي.

سيطرت تلك الجماعات المسلحة متعددة الجنسيات وجماعات الجريمة المنظمة على جميع مناحي الحياة، نتيجة غياب الاستقرار والأمن وتواصل الحرب الأهلية هناك وانتشار السلاح، فتحولت ليبيا إلى فضاء انكفاء إستراتيجي ومنطقة عبور مثالية لمختلف أشكال التجارة المحظورة، بالنظر لصعوبة الرقابة عليها والتحكم فيها.

وتعتبر تجارة البشر من أخطر الأنشطة التي تطورت بسرعة في ليبيا في السنوات التي أعقبت سقوط نظام القذافي، حتى أضحت الأكثر ربحًا من بين أنشطة الاتجار في هذا البلد العربي الذي أصبح مرتعًا لسماسرة بيع البشر المحليين والدوليين بموارد مالية مهمة ووسائل متطورة جدًا، من آليات النقل المتطور ومعدات الاتصال وأجهزة التواصل الدائم، وسهلت هذه الشبكات على عناصر الجماعات الإرهابية أو الجريمة المنظمة حصولهم على المال.

تقدر قيمة نشاط الاتجار بالبشر الإجمالية بمليارات الدولارات، ويشمل الرجال والنساء والأطفال الذين يقعون ضحية الخطف أو الاستدراج لممارسة أشكال مهينة من الأعمال لمصلحة المتاجرين بهم، وهذا يعني بالنسبة للرجال العمل القسري في ظل ظروف غير إنسانية لا تُحترم فيها حقوق العمل، وبالنسبة إلى النساء يعني في العادة خدمة منزلية لا تختلف غالبًا عن الرق والاستغلال الجنسي والعمل في الملاهي الليلية.

ليس هذا فقط، فقد حول تجار البشر بعض ساحات ليبيا إلى “أسواق للاتجار بالبشر“، حيث يباع المهاجرون بشكل علني قبل أن يحتجزوا مقابل فدية ويكرهوا على العمل دون أجر أو يتم استغلالهم جنسيًا، وقع هؤلاء ضحايا للمهربين تجار البشر، وللتخلص منهم، يجلبون إلى الأسواق لبيعهم أجراء لمن يرغب في شرائهم، وبالتالي امتلاكهم تمامًا كما يمتلك المشتري أي قطعة أثاث أو قماش أو سيارة أو جرار زراعي أو حيوان أليف.

وسبق أن كشفت المنظمة الدولية للهجرة في تقرير لها، عن وجود “أسواق عبيد” حقيقية في ليبيا، حيث يباع المهاجرون الأفارقة فيها بعدة مئات من الدولارات، وقال حينها عثمان بلبيسي رئيس مهمة منظمة الهجرة في ليبيا: “تذهب إلى السوق حيث يمكنك دفع ما بين 200 و500 دولار للحصول على مهاجر واستغلاله في أعمالك”، وأضاف “وبعد أن تشتريه تصبح مسؤولًا عن هذا الشخص، بعضهم يهرب وآخرون يبقون قيد الاستعباد”.

بعد 2011، أصبحت ليبيا ضحية الهجرة غير النظامية، فالعديد من الدول الغربية خاصة فرنسا وإيطاليا تتخذ مسألة الهجرة ذريعة للتدخل السياسي والعسكري في ليبيا، وتقول إن هدفها الحد من موجات المهاجرين الوافدين من السواحل الليبية.

***

عائد عميرة ـ محرر في نون بوست

___________