إن اندلعت مواجهة “محدودة” مصرية تركية فلن تعدو أن تكون مدخلا لتمكين قبائل الشرق من لعب دور الحامي للنفوذ المصري في شرق ليبيا.

الجزء الثاني

مصر والجزائر وتونس كمداخل للاحتواء المزدوج

كان لجوء فرنسا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أحد مداخل فرنسا لاحتواء تركيا. فبعد أن كانت فرنسا قد وجهت انتقادات للحلف بسبب ظهوره بمظهر الضعيف أمام تركيا، ووصفت الحلف بأنه يعاني من حالة موت دماغي، كما نجح الرئيس الفرنسي في دفع الاتحاد الأوروبي لطلب تدخل “الناتو” في تعزيز عملية “إيريني” الخاصة بوقف تدفق الأسلحة إلى ليبيا، وتقدمت فرنسا بطلب فتح تحقيق في قضية اعتراض زوارق بحرية لسفينة تركية اشتبهت فرنسا أنها تحمل شحنة عسكرية إلى ليبيا، وحظي الطلب الفرنسي بدعم 7 دول، من بينها ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وقد استجاب الحلف، وقام بفتح تحقيق في الواقعة. غير أنه من الواضح أن فرنسا تتشكك في قدرة الناتو على اتخاذ موقف ضد تركيا. فما مبررات تشككها؟.

فمن جهة، تواجه تركيا الدعاية الفرنسية بدعاية مضادة، وترفع للحلف مخاوفها من أن تؤدي السياسات الفرنسية لإضعاف الحلف. كما أرسلت تركيا للحلف أدلة على “تدليس” وردَ بالرواية الفرنسية الخاصة بالتحرش البحري. خالف الاتحاد الأوروبي دعاوى فرنسا، وأعلن أن المحادثات مع “الناتو” بشأن حظر الأسلحة لليبيا غير مرتبطة بالحادث بين تركيا وفرنسا. وفي نفس السياق، أعلن “الناتو” عن عدم التوصل إلى صيغة تعاون مع الاتحاد الأوروبي بشأن دعم عملية “إيريني” الهادفة إلى مراقبة قرار حظر توريد الأسلحة المفروض على ليبيا، برغم استمرار المحادثات بهذا الصدد.

من جهة ثانية، فإن موقف تركيا في حلف “الناتو” يبدو أقوى من الموقف الفرنسي، حيث يبدو أن تركيا تتحمل عبئا كبيرا في إدارة الملف الروسي، وهو ما يتبدى من جهود قوتها الناعمة في كل من أوكرانيا وباكستان والجمهوريات التركية في آسيا الوسطى، وذلك برغم التوازنات الدقيقة التي تقيمها تركيا في علاقتها مع الجانب الروسي نفسه. الدور التركي اتضح مع تردد تركيا في تفعيل خطة الدفاع الجديدة للناتو والخاصة بشرق أوروبا.

غير أن الأهم يتمثل في اهتزاز مواقف مؤيدي فرنسا. فألمانيا حذرت فرنسا بشأن حديثها عن الناتو وضعفه. وبعد أن كانت اليونان قد ذهبت للحلف لمواجهة التحالف التركي – الليبي، بدأ موقف اليونان يتبدل تجاه تركيا، حيث أعلن وزير الدفاع اليوناني – خلال اجتماع الحلف في 29 فبراير /شباط الماضي – سحب اعتراض بلاده على إصدار بيان “ناتو” ينص على تقديم الدعم اللازم لأنقرة في شمال سوريا.

وأخيرا، فإن موقف الحلف نفسه من القضية الليبية قد شهد تطورا مهما بعد الدعم الذي قدمته تركيا لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، حيث جدد “الناتو” – في اجتماع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالحلف في 17 يونيو/ حزيران – تأكيده على استعداد الحلف لدعم حكومة طرابلس، وأعرب الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرج عن قلقه بشأن “المقابر الجماعية” التي عثر عليها الجيش الليبي في مدينة ترهونة، إثر تحريرها من مليشيا العسكري “حفتر”، وطالب بإجراء تحقيق بهذه الانتهاكات، هذا فضلا عن إعلانه قلق الحلف بشأن الأنشطة الروسية المتزايدة شرق البحر المتوسط، في كل من سوريا وليبيا.

إن عدم تيقن فرنسا من حصاد دبلوماسيتها عبر قنوات الاتحاد الأوروبي و”الناتو” دفعها للجوء لخطة بديلة، تتمثل في استغلال صلاتها بكل من مصر والجزائر، مستغلة وضع الضعف في مصر، وحالة التبعية في الجزائر وتونس، من أجل تكرار سيناريو “العشرية السوداء، ولكن في حلة جديدة /قديمة، هي الحلة القبلية، وهو ما يفسر الدعوة المصرية لتسليح القبائل وتدريبها، ويفسر دعوة تونس القبائل لكتابة الدستور الليبي أسوة بـ”النموذج الأفغاني”، وحوار الجزائر مع قبائل الجنوب الليبي وصبراتة والزنتان.

المبادرة المصرية وخطاب التقسيم الاستعماري

في 6 يونيو/حزيران 2020، جمع رأس سلطة 3 يوليو في مصر عبد الفتاح السيسي، كلا من: عقيلة صالح، والذي يحمل لقب رئيس برلمان طبرق (شرقا)، والعسكري خليفة حفتر، في العاصمة المصرية القاهرة، وأطلق ما أسماه إعلام محور الثورة المضادة بـ”مبادرة” حملت اسم “إعلان القاهرة”، لمعالجة الوضع في ليبيا. وكان واضحا أن هذه المبادرة لا تهدف للحل، لأنها تضمنت بنودا تنطلق من تكريس الوضع الراهن، ما بعد تحرير ترهونة. وتضمنت هذه المبادرة بنودا تمثلت فيما يلي:

التأكيد على وحدة وسلامة الأراضي الليبية واستقلالها، واحترام كافة الجهود والمبادرات الدولية وقرارات مجلس الأمن، والتزام كافة الأطراف بوقف إطلاق النار، اعتبارا من 8 يونيو/حزيران 2020.

ارتكاز المبادرة على مخرجات مؤتمر برلين، التي نتج عنها حل سياسي شامل يتضمن خطوات تنفيذية واضحة (المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية)، وعلى احترام حقوق الإنسان، واستثمار ما انبثق عن المؤتمر من توافقات بين زعماء الدول المعنية بالأزمة الليبية.

استكمال أعمال مسار اللجنة العسكرية (5+5) بجنيف، برعاية الأمم المتحدة، وقيام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بإلزام كل الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة الأجانب من كافة الأراضي الليبية، وتفكيك المجموعات المسلحة وتسليم أسلحتها، حتى تتمكن القوات المسلحة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية من الاضطلاع بمسؤولياتها ومهامها العسكرية والأمنية في البلاد.

وفي المؤتمر الصحفي حول المبادرة، أعلن السيسي أنها تهدف – فيما تهدف – إلى “ضمان تمثيل عادل لكافة أقاليم ليبيا الثلاثة، في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة، للمرة الأولى في تاريخ البلاد”.

كان واضحا في المؤتمر الصحفي أن السيسي يرغب في استدعاء الخلفية الاستعمارية في ليبيا، ويضمن انضمام إيطاليا لفرنسا، ورعايته لتثبيت الوضع القائم، للحيلولة دون التقدم لخط سرت – الجفرة، والذي يعني بالنسبة لفرنسا القضاء على آمال بناء تواصل بين “فرنسا عبر المتوسط” ومستعمراتها في شمال إفريقيا جنوب الصحراء، ومسارات توصيل الثروات المستخرجة من النيجر وتشاد وحتى ليبيا إلى الموانئ اللوجيستية القريبة من “سرت”.

غير أن هذه المبادرة لم تجد صدى لدى “محور تحرير ليبيا” وعلى رأسه حكومة الوفاق، لأن المبادرة تجاهلت الحكومة المعترف بها، وثانيا لحديث السيسي المقلق حول أقاليم ليبيا الثلاثة، والذي يتجاوز رؤية الأمم المتحدة، باعتبار مصر طرفا في الحرب الأهلية.

كما أن حفتر تجاوز كل غالبية مقررات مؤتمر برلين بتجاهل الحكومة المعترف بها دوليا، واستمراره في قصف مطار طرابلس. وكان الموقفان الأميركي والأوروبي باهتين، وهو ما مثل امتدادا لموقف ألمانيا نفسها التي لم تكن متفائلة بشأن نجاح “مؤتمر برلين”. وبشكل عام، كان لدى “محور تحرير ليبيا” تصور مفاده أن تحريك الإرادات تجاه الحل السياسي يحتاج إلى غرب ليبي قوي، وكان التوجه نحو تخوم “سرت” النهج الليبي لإبداء القوة ومنح المفاوضات السياسية معنى.

في هذا الإطار، تطور الموقف المصري باتجاه أكثر عدوانية. ففي 20 يونيو /حزيران، قام السيسي بزيارة تفقدية للمنطقة الغربية العسكرية. وخلال الجولة، صرح بعدة تصريحات بدت متناقضة، لكن 3 مقولات في تصريحاته لم تكن محل غموض: أولها، إشارته إلى أن خط “سرت – الجفرة” يمثل خطا أحمر، وثانيها حديثه عن توفر المشروعية القانونية لأي تدخل محتمل لمصر في البر الليبي، وثالثها، دعوته لجمع متطوعين من قبائل ليبيا، من أجل تسليحهم وتدريبهم.

ورغم أن كلمته خلال الجولة شهدت حضورا غير لافت لقبائل ليبيا، فإنه  بعد 4 أيام من تصريحات السيسي، صرح “عقيلة صالح” بأن “الشعب الليبي يطلب رسميا من مصر التدخل العسكري”. وبدت هذه التهديدات قابلة للتنفيذ على الأرض، خاصة مع دفع الإمارات والسعودية مصر لمثل هذا التدخل. غير أن هذه الفترة شهدت عدة اتصالات بين مصر وحلفائها، وبخاصة الولايات المتحدة التي تجمعها بمصر تفاهمات سبتمبر/أيلول 1973، والتي تحظر دخول قواتها إلى ليبيا. وقد انتهت بعدم منح الضوء الأخضر لمصر في هذا الإطار، وهو ما يفسر سحب طائرات مصرية شاركت في استعراض “سيدي براني”.

اللافت في خطاب “سيدي براني” أن مصر قدمت فيه نفسها باعتبارها أكبر قوة في المنطقة، وهذا يصرف خطاب “سيدي براني” لكون المنطقة المقصودة تعني شمال إفريقيا، وليس الشرق الأوسط، وهذا يجعل خطابها ينصرف لمغازلة “القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا” (USAFRICOM) الأميركية، فيما تحسب مصر ضمن الإستراتيجية الأميركية على قوة “القيادة المركزية الأميركية” أو “القيادة الوسطى الأميركية” “سينتكوم” (USCENTCOM)، وهو ما يخل بترتيبات الأمن الأميركية للمنطقة، وهو ما دفع الولايات المتحدة لإيقاف التدخل المصري، وبخاصة في حال اعتراض الدول الإفريقية على هذه النوايا المصرية[40].

تمثل القبيلة من وجهتي النظر الفرنسية والمصرية مدخلا مناسبا لدعم تصور محور الثورة المضادة لحكم موال لمصلحة المحور الذي تشارك فيه فرنسا لارتباطه بمصالحها.

فالبنيان القبلي لم يعد على نفس منواله التاريخي السابق. وبتعبير خبراء وسياسيين ليبيين، فإن قدرة قيادة القبائل على التأثير في المنحدرين عنها ضعفت إلى حد كبير، وأن نظام القذافي لعب دورا كبيرا في تفكيك البنية القبلية عبر المال والمنصب السياسي، وهذان العاملان جعلا القبائل أكثر قابلية للانضواء تحت لواء من يمتلك المال والسلاح[41]، وتكشف المقابر الجماعية عن مصائر من يعارض.

البقية في الجزء الثالث

______________