Minbar Libya

شهدت العاصمة الليبية طرابلس، أمس الاثنين، زيارات واتصالات مكثفة بين المسؤولين الليبيين وممثلي عدد من الدول، في وقت تتداخل فيه سيناريوهات الحل الليبي بين المواجهة العسكرية ودعم الحل السياسي، بينما يتوسط المقترح الأميركي بحل منزوع السلاح المسافة بين السيناريوهين.

وتوجت لقاءات أمس باتفاق كل من وزير الدفاع القطري خالد العطية، ونظيره التركي خلوصي آكار، ومسؤولي حكومة الوفاق على تعاون ثلاثي بينهم لدعم المؤسسة العسكرية الليبية، في أعقاب زيارتهما طرابلس التي تزامنت مع وجود وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس. وبينما أكد الأخير دعم بلاده للمقترح الأميركي الخاص بخلق منطقة منزوعة السلاح في سرت والجفرة لفك الاشتباك بين الأطراف المتصارعة، توقعت أوساط ليبية إمكانية استئناف العملية العسكرية في سرت.

وكان جدول زيارة الوزيرين القطري والتركي لطرابلس مكثفاً، إذا التقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فايز السراج، بالإضافة لوزير الداخلية بحكومة الوفاق، فتحي باشاغا، ووكيل وزارة الدفاع، صلاح النمروش. وأجريا مع الأخير اتفاقا ثلاثيا لدعم المؤسسة العسكرية في مجالي التدريب والاستشارات، يتم بموجبه إرسال مستشارين عسكريين إلى ليبيا وإتاحة مقاعد للتدريب في الكليات القطرية والتركية.

لكن اللافت في تصريحات الجانب الليبي حول هذه اللقاءات، كان بيان مكتب الإعلام للمجلس الرئاسي حول بحث السراج مع كل من العطية وآكار مستجدات الأوضاع في ليبيا و”التحشيد العسكري شرق سرت ومنطقة الجفرة”، ما اعتبره الكاتب السياسي الليبي زايد مؤمن، مؤشرا على ارتباط الزيارة بالأوضاع الميدانية في سرت وإمكانية استئناف العمليات العسكرية فيها، خصوصا أنها جاءت من قبل وزيرين للدفاع.

واعتبر مؤمن في تصريح لـ”العربي الجديد” أن “الزيارة أعلنت عن دعم المؤسسة العسكرية وفق اتفاق ثلاثي وهو اتفاق جديد يعزز الاتفاقات السابقة الموقعة بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق ما يعني ملامح تشكيل ثقل سياسي وعسكري جديد في الوقت الذي تكثف فيه تركيا من تواصلها مع موسكو للتوصل إلى حل بشأن سرت والجفرة”.

وبالإضافة لدعم المؤسسة العسكرية بخبرات وتدريبات جديدة، يرجح مؤمن أن يكون للاتفاق بعدان، إما قناعة تركية بفشل محادثاتها مع الجانب الروسي وضرورة دعم قوات “الوفاق” باتجاه تحرير سرت، وإما أن الاتصالات التركية الروسية وصلت إلى حد التنفيذ ويتوجب انخراط دول جديدة في الحلف التركي مع طرابلس كرسالة ضمنية لموسكو أن أنقرة لا تقف وحدها مع حكومة الوفاق.

لكن دعم الحلول السياسية كان حاضرا في تصريحات وزيري الدفاع القطري والتركي، بحسب الأكاديمي الليبي خليفة الحداد، الذي قال في تصريح لـ”العربي الجديد” إن ذلك قد يعني أن الاتفاق الثلاثي المشترك لم يغفل إمكانية تفوق جهود تحقيق حل سياسي وشيك، سواء بالمقترح الأميركي أو بواسطة الجهود الأممية، التي شدد وزير الخارجية الألماني على ضرورة دعمها واستئنافها.

وحملت تصريحات ماس، خلال مؤتمر صحافي جمعه بنظيره في حكومة الوفاق محمد سيالة، دعما للمقترح الأميركي بشأن خلق منطقة منزوعة السلاح في سرت والجفرة، مع تشديده على ضرورة استئناف العملية السياسية بين الأطراف الليبية. وقال ماس إنه بحث مع المسؤولين في طرابلس “وقف إطلاق النار وخيار نزع السلاح عن منطقة سرت لتكون منطقة محايدة بين طرفي الصراع”، داعيا جميع الأطراف الليبية إلى تقديم تنازلات للتوصل إلى اتفاق سياسي، وفق مخرجات برلين.

وفي أول رد رسمي من الجانب التركي قال الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم قالن، في تصريح لقناة “الجزيرة” مساء أمس، إن الدعوة الألمانية لنزع السلاح في سرت والجفرة “قد تكون مقبولة مبدئيا من تركيا”، مشيرا إلى أن الحل في ليبيا يقوم على “حشد المجتمع الدولي”، مؤكدا دعم بلاده لمخرجات مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية. وتراوح التعاطي الليبي مع الدعوة الألمانية الداعمة للمقترح الأميركي بين التجاوب والتحفظ، فبينما حملت تصريحات سيالة، في مؤتمره المشترك مع ماس، ميلا للحلول السياسية بمطالبته بضرورة “تعيين مبعوث أممي لرغبة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة لدى ليبيا ستيفاني وليامز ترك منصبها أكتوبر/ تشرين الأول المقبل”.

وأشار إلى أن أي توافق سياسي ليبي “يشترط الاتفاق قاعدة دستورية تمهيدًا لانتخابات تضمن الديمقراطية وعدم استغلال النفط”، مبدياً تشدده حيال أي عملية سياسية قد تشمل اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، وفي ظل استمرار انتشار مرتزقة شركة “فاغنر” الروسية للخدمات الأمنية في مواقع النفط، والتي تدعم مليشيات حفتر.

وفي سلسلة تغريدات على “تويتر”، قال باشاغا إنه سلم الجانب الألماني “ملفات توثق جرائم المليشيات والمرتزقة الذين يتبعون مجرم الحرب حفتر”، مضيفا “طالبنا بإدراج شركة فاغنر الروسية على لوائح العقوبات الأوروبية، وأكدنا موقفنا الثابت من ضرورة خروج كل المرتزقة والمليشيات من سرت، والجفرة، وتمكين المؤسسة الوطنية للنفط من العمل لاستئناف إنتاج النفط، كخطوة أولى في مسار سلامٍ لن يكون لمجرمي الحرب فيه أي مستقبل سياسي”.

وفي حديثه لـ”العربي الجديد”، اعتبر الحداد هذه المواقف الليبية غير متشددة بل تبرز الأوراق التي يملكها قادة طرابلس في مواجهة أي محاولة لإحلال سلام لا يكون في صالح حكومة الوفاق وحلفائها، مضيفا أن الحل منزوع السلاح في سرت والجفرة هو من صالح “الوفاق”.

وأوضح الحداد أن “من يسيطر على الجفرة وسرت هي مليشيات حفتر وإذا ما وافقت على المقترح الأميركي الذي بات واضحا أن ألمانيا تدعمه فذلك يعني أنها ستخرج من المنطقتين وسيكون موقف فاغنر عندها محرجا ما سيضطرها للخروج”، مشيرا إلى أن التوافق الليبي القطري التركي يذهب في دعم هذا الاتجاه. ويرى الأكاديمي الليبي أن الأوضاع الليبية بدت في طريقها للانجلاء فالاتفاق الثلاثي الذي عُقد في طرابلس يوم أمس يستبق أي موقف روسي قد يتنصل من التفاهمات التركية الروسية التي يبدو أنها في طريقها للانتهاء بتسليم مرحلي للمنطقة، سرت أولا ثم الجفرة بعد مدة.

وبحسب الحداد فهي خطوات تمهد للحلول السياسية التي تدور في كواليس التفاهمات، مستشهدا بحديث سيالة عن ضرورة خلق قاعدة دستورية توافقية قبل الذهاب إلى الانتخابات، لكنه في الوقت ذاته تساءل عن كيفية تطبيق تلك الحلول ودور النفط وتوزيع إيراداته، خصوصا أن التوتر والمواجهة توقفت عند حقول النفط وموانئه الاستراتيجية.

**********

هل تنجح برلين في منع صدام عسكري إقليمي حول سرت؟

دخلت ألمانيا بقوة على خط الأزمة الليبية مجدداً عبر طرحها مبادرة لجعل سرت والجفرة في ليبيا منطقة منزوعة السلاح، الأمر الذي يمكن في حال نجاحه أن يمنع صداماً عسكرياً خطيراً ما زالت احتمالاته قائمة بين طرفي النزاع في ليبيا، وهو ما يمكن أن يتحول إلى نزاع إقليمي أخطر.

وعلى الرغم أن المقترح الألماني لم يكن الأول المتعلق بإمكانية تحويل سرت والجفرة إلى منطقة منزوعة السلاح أو تسليمها إدارياً إلى حكومة الوفاق، إلا أن المبادرة الألمانية تتمتع بزخم أكبر هذه المرة كونها تأتي في ظل زخم دبلوماسي واسع حول الملف الليبي في محاولة من الأطراف الدولية لتجنب الصدام الخطير الذي يخشى الجميع وقوعه بين الدول الإقليمية الداعمة لطرفي النزاع. وبينما كانت حكومة الوفاق الليبية التي نجحت في طرد مليشيات حفتر من طرابلس ومحيطها حتى حدود سرت والجفرة تستعد لمهاجمة المنطقتين، أرسلت روسيا تعزيزات عسكرية هائلة، وأعلن الرئيس المصري المنطقة خطاً أحمر للقاهرة، ملوحاً بتدخل عسكري مصري مباشر، وهو ما ولد المخاطر القائمة من حصول صدام مباشر أو غير مباشر بين مصر وتركيا بدرجة أساسية في سرت والجفرة.

والإثنين، وبالتزامن مع زيارة وزيري الدفاع التركي خلوصي أقار والقطري خالد بن محمد العطية، كان وزير الخارجية الألماني هيكو ماس في طرابلس، في تزامن لم يكن عفوياً في كل الأحوال، ولا سيما أن ذلك تزامن أيضاً مع اتصالات لأردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، والثلاثاء أيضاً جرى اتصال هاتفي بين بوتين والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وكان وزير الخارجية الألماني قال عقب لقاء السراج إن بلاده “تسعى لدفع مسار التسوية في ليبيا في إطار مخرجات مؤتمر برلين (عقد في يناير/كانون الثاني الماضي)، وأن البداية تكون بوقف إطلاق نار دائم”، مقترحاً أن تكون مناطق سرت والجفرة منزوعة السلاح.

كما تطرق إلى “موضوع رفع الإغلاق عن المواقع النفطية والاتفاق على كيفية توزيع الموارد، والخطوة الإيجابية لبناء الثقة بمراجعة حسابات مصرف ليبيا المركزي”، وقال إن “جميع المقترحات يجب أن تحظى بموافقة حكومة الوفاق الوطني الشرعية”. وقال السراج إن “حكومة الوفاق كانت أول الملتزمين بمسار برلين، ووافقت على وقف إطلاق النار خلال اجتماع موسكو (قبل أشهر)، وهو ما رفضه الطرف الآخر”، محذراً من عمليات التحشيد التي يقوم فيها داعمو حفتر في سرت والجفرة، كما وجه انتقادات لاذعة لعملية إيريني التي انضمت إليها ألمانيا بشكل فاعل مؤخراً (عملية مراقبة وصول الأسلحة إلى ليبيا بحراً). في سياق متصل، وعلى هامش زيارتهم إلى ليبيا، التقى وزيرا الدفاع التركي والقطري عدداً من كبار المسؤولين الليبيين، على رأسهم رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، وجرى التأكيد من قبل كافة الأتراك على الاستمرار في دعم حكومة الوفاق وبناء جيشها وتعزيز قدراته، مع الإشارة إلى تغليب لغة الحوار والحل الدبلوماسي في حال تجاوبت الأطراف الأخرى مع هذه الرغبة.

وتناول اجتماع أقار والعطية مع السراج “بحث مستجدات الأوضاع في ليبيا والتحشيد العسكري شرق سرت ومنطقة الجفرة” إلى الجنوب منها، وفق بيان صادر عن المكتب الإعلامي لحكومة الوفاق، كما تم التوقيع على اتفاق عسكري جديد مع قطر لتقديم الدعم لقوات الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة. على الجانب التركي، أعرب متحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن، عن إيمان بلاده بإمكانية تحقيق حل سياسي في ليبيا، وأنها لا تفضل الحل العسكري، لافتاً إلى أن “مدينتي سرت والجفرة تشهدان منذ نحو عام، حشودات عسكرية كبيرة، وأن هذا الأمر يبعث القلق، ويشكل تهديداً على وحدة الأراضي الليبية وإحلال السلام فيها”، وأكد تأييد بلاده لفكرة نزع السلاح من مدينتي سرت والجفرة، وقال: “إن صادقت الحكومة الليبية الشرعية على نزع السلاح من سرت والجفرة بشروط يمكن قبولها، فإننا ندعمها، لكن يجب أن تكون هذه الخطوة عادلة وشفافة، فهاتان المدينتان يمكن أن تكونا نافذة الحل السياسي”.

وبينما شدد قالن على أن تركيا لا تريد الدخول في مواجهة مع أي دولة على الأراضي الليبية، و”بإمكانية مصر لعب دور بنّاء في ليبيا، على اعتبار أنهما دولتان جارتان”، اعتبر أن “ما يقلقنا أكثر هو تواجد روسيا هناك عبر مرتزقة فاغنر، وجلب الإمارات العربية المتحدة إلى ليبيا مرتزقة من السودان والنيجر وتشاد لدعم الانقلابي خليفة حفتر”. وبينما اكتفى بيان لدائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية التركية بالقول إن اتصال أردوغان وبوتين “بحث العلاقات الثنائية ومستجدات الأوضاع في سوريا وليبيا وشرق المتوسط”، قال قالن إن الاتصال ركز على بحث “مستجدات الأوضاع في سوريا وليبيا”، مشيراً إلى إمكانية التعاون بين أنقرة وموسكو في ليبيا.

وبينما جرى اتصال هاتفي بين أردوغان ورئيس الوزراء الإيطالي، قال السفير الإيطالي لدى أنقرة ماسيمو جياني، إن بلاده وتركيا تدعمان وساطة الأمم المتحدة لحل الأزمة القائمة في ليبيا، لافتاً إلى أن “أنقرة وروما تؤمنان بأن حل الأزمة الليبية لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الحوار السياسي بين الأطراف المتنازعة”. وفي ظل قبول ليبي وتركي لمبدأ جعل سرت والجفرة منطقة منزوعة السلاح، يخيم الصمت على معسكر حفتر وداعميه، إلا أنه يتوقع أن يتحدد المصير النهائي لسرت والجفرة في المفاوضات التفصيلية المتوقع عقدها بين مسؤولين روس وأتراك نهاية الشهر الجاري أو بداية الشهر المقبل، حيث باتت روسيا بمثابة القوة الأكبر في معسكر حفتر المتهالك، وأي اتفاق تتوصل إليه موسكو وأنقرة سيكون قابلاً للتطبيق بغض النظر عن مدى قوة الدبلوماسية الألمانية لتطبيق هذا التصور الذي لن يكتب له النجاح دون توافق روسي تركي.

_____________