فشل حفتر في السيطرة على العاصمة طرابلس بعملية خاطفة وسريعة وتوالت هزائمه غرب ليبيا، فجعلت حلفاءه المحليين والإقليميين والدوليين يديرون ظهورهم له.

لكن حفتر يحاول البقاء ولو وحيداً، فمواقع داعميه باتت تتغير، مصر لم تعد ترغب في استمرار دعمه، وروسيا كشفت دعمها لسيف الإسلام القذافي كبديل له، وتضغط باتجاه ترويجه للأتراك والأمريكان، فمن سيبقى له في النهاية؟

روسيا مع سيف القذافي

ظهورت موسكو في بداية الأمر في صورة الداعم الأول لخليفة حفتر، غير أنها في واقع الأمر كانت تدعم أنصار النظام السابق بالتنسيق مع أحمد قذاف الدم، منسق العلاقات الليبية المصرية إبان النظام السابق، وسيف الإسلام نجل معمر القذافي، اللذين دعما حفتر في السيطرة على المنطقة الشرقية والتوجه للمنطقة الغربية لإسقاط حكومة الوفاق والسيطرة على العاصمة طرابلس.

فقد ذكر تقرير وكالة بلومبيرغ الأمريكية في مارس/آذار الماضي، أن شركة فاغنر الروسية (تضم مرتزقة) تجري لقاءات مع سيف الإسلام، نجل معمر القذافي، بهدف تنصيبه زعيماً لليبيا.

وقال التقرير إن سلطات حكومة الوفاق المعترف بها دولياً تمكنت العام الماضي من القبض على عميلين روسيين، ضبطت بحوزتهما ملاحظات عن لقاءات عقداها مع نجل القذافي، وهو ما يكشف نية موسكو في إعادة حليفها القديم المتمثل في أركان النظام السابق لليبيا.

وأعلن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، في فبراير/شباط 2019، أن بلاده على تواصل مستمر مع ممثلي سيف الإسلام القذافي، نجل معمر القذافي، وشدد المسؤول الروسي على ضرورة “مشاركة جميع الأطراف الليبية في العملية السياسية والانتخابات المقبلة”.

مؤامرة حفتر لاستبعاد سيف القذافي

زواج لم يدم طويلاً، بعد خسارة حفتر حربه في السيطرة على طرابلس وخضوعه للضغوط الدولية وترجع قواته إلى سرت والجفرة قرر أنصار النظام السابق إنهاء هذه العلاقة واستلام زمام الأمور بعدما صاروا قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على العاصمة.

عبدالباسط البدري سفير ليبيا في السعودية والمبعوث الخاص لرئيس برلمان طبرق والمبعوث الشخصي لخليفة حفتر كشف لأنصار النظام السابق عن اجتماعات غير معلنة يقوم بها خليفة حفتر مع مسؤولين روس في الحكومة والكرملين الروسي حول رغبته في استبعاد سيف الإسلام القذافي، الأمر الذي زاد من حدة الخلاف بينهم، بحسب مصدر تابع للقيادة العامة.

شركة روسية رابعة بـ 10 ملايين دولار

وبحسب مصدر عسكري تابع للقيادة العامة بالرجمة أكد أن العلاقة بين القيادة العامة التابعة لحفتر وثلاث شركات أمنية روسية على رأسها فاغنر كان بالتنسيق مع أنصار النظام السابق، موضحاً أن روسيا تتعامل بشكل مباشر مع أحمد قذاف الدم وممثلين عن سيف القذافي وليس لها علاقات مباشرة مع قيادة حفتر.

وتابع المصدر أن خليفة حفتر قام في الأيام الأخير بالتعاقد مع شركة أمنية روسية رابعة بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي دُفعت نقداً ووظيفتها جلب مرتزقة من روسيا وبلاروسيا وصربيا وسوريا كقوة تابعة له ولنجليه صدام وخالد.

وأضاف المصدر أن حكومة الوفاق بصدد إيقاف هذه الصفقة وإلغاء العقد المبرم بين خليفة حفتر والشركة بالتواصل مع الحكومة الروسية، موضحاً أن المفاوضات بين حكومة الوفاق والحكومة الروسية مستمرة وبشكل إيجابي.

وأوضح المصدر أن أنصار النظام السابق ومرتزقة فاغنر صاروا بمعزل كامل عن خليفة حفتر، حيث إن قواعد الجفرة جنوب ليبيا والقرضابية في سرت تحت سيطرة فاغنر بشكل كامل ومستقلة عن قيادة خليفة حفتر.

حملة ضد أنصار القذافي شرق ليبيا وسرت

تزامناً مع الدعوة التي يدعو لها أنصار النظام السابق للخروج في مظاهرات بمدن شرق ليبيا وجنوبها وسرت والتي تقع تحت سيطرة خليفة حفتر باسم “فوضناك” للمطالبة بتولي سيف الإسلام زمام الأمور في البلاد قامت كتيبة 106 التابعة لنجلي خليفة حفتر بحملات قبض واسعة طالت عسكريين ومدنيين في مدن بنغازي وأجدابيا وسرت.

وترى المدونة الحقوقية والناشطة السياسية نادين الفارسي أن أنصار النظام السابق نجحوا في التغلغل في المنطقة الشرقية وأصبحوا صناع القرار فيها بعد سيطرتهم على الأجهزة الأمنية والمخابرات والتي ساعدتهم في التحكم بالمنطقة بشكل شبه كامل.

واعتبرت الفارسي ظهور خليفة حفتر لأول مرة منذ ستة سنوات يتجول في مدينة بنغازي بعد أخذ تدابير أمنية عالية الترتيب اليومين الماضيين هو محاولة إثبات الوجود وتصوير نفسه لأنصاره وحلفائه أنه مازال بقوته وسيطرته، الذين بدأوا يصرفون النظر عنه ويبحثون عن بديل له.

وقالت نادين: “إن خروج مظاهرات تطالب بتنصيب سيف الإسلام في بنغازي والمنطقة الشرقية أمر طبيعي وأنه جاء متأخراً خصوصاً بعد تغلغل ضباط النظام السابق في معسكر الرجمة وجميع الأجهزة الأمنية، حيث أصبح اليوم المجال مفتوح أمامهم للكشف عن انتماءاتهم واحلامهم بإرجاع الجماهيرية الثانية”.

وتشهد اليوم عدة مناطق ليبية في شرق ليبيا حراكاً واسعاً لأنصار نظام معمر القذافي ونشاطاً علنياً من خلال تنظيم الاجتماعات والمطالبة بالخروج في مظاهرات، إضافة إلى ارتفاع بعض الأصوات المنادي بالإفراج عن رموز النظام السابق.

تحرك سياسي لأنصار القذافي

وكشف مصدر مطلع زيارة وزير الخارجية التابع للحكومة المؤقتة بطبرق -غير معترف بها دولياً- أن عبدالهادي الحويج زار إسطنبول في التاسع من يوليو/تموز الماضي كمندوب عن سيف القذافي.

وقال المصدر: “إن الحويج عقد لقاءات بشخصيات حكومية تركية وأخرى تابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دولياً في إسطنبول بتنسيق من الخارجية الروسية لبحث سبل إيقاف إطلاق النار وسحب المرتزقة من مناطق سرت والجفرة”.

وأكد المصدر أن الحويج حمل رسالة للحكومة التركية مفادها أن القوة العسكرية الموجودة على الأرض تأتمر بأوامر سيف الإسلام القذافي وأنه جاهز للتفاوض مع الحكومة التركية وحكومة الوفاق لإيقاف الحرب وسحب القوات المتواجدة في سرت والجفرة.

وأضاف أنه لم يعد لدى خليفة حفتر أي نفوذ عسكري أو سياسي في المنطقة، وطالبوا تركيا برعاية لقاء مباشر بين ممثلين عن حكومة الوفاق وممثلين عن سيف الإسلام القذافي المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية مباشرة.

مشيراً إلى أن الخارجية الروسية تسعى لتمكين سيف الإسلام القذافي في المشهد السياسي القادم، بالإضافة إلى دفع بعض الديون التي قيل إن روسيا تطالب بسدادها من حكومة الوفاق مقابل سحب مرتزقتها من ليبيا ودعم عملية وقف دائم لإطلاق النار والاتجاه للعملية السياسية بالضغط على الحليف التركي.

السيسي يدرس وقف دعم حفتر

نشر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني في يناير/كانون الثاني الماضي تقريراً بعنوان “سيسي مصر يدرس سحب الدعم من حفتر ليبيا”، أشار فيه كاتبه إلى أن السلطات المصرية غير راضية عن فشل هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس، وأنها ستكون مسرورة باستبدال “الجنرال المارق” برجل آخر.

وذكر الكاتب -نقلاً عن مصدر جزائري مطلع على تفاصيل الصراع في ليبيا- أن مصر قد “تعيد النظر” في دعمها لحفتر، وأضاف أن هذه المعلومات مصدرها دبلوماسي مصري اعترف بأن “التواصل بين القاهرة والقائد الليبي تدهور إلى حد كبير”.

ونقل التقرير عن المصدر الجزائري قوله إن الحكومة المصرية قررت نقل ملف حفتر إلى المخابرات العسكرية، وأن الرئيس عبدالفتاح السيسي ألغى مؤخراً اجتماعاً كان مقرراً مع حفتر.

وأشار إلى أن هذا الانهيار ربما يكون قد دفع حفتر المدعوم إماراتياً وسعودياً إلى طلب الدعم من أماكن أخرى، بما في ذلك روسيا واليونان، ففي 17 يناير/كانون الثاني الماضي التقى الجنرال مسؤولين في اليونان “شجعوه على توقيع وقف لإطلاق النار” في مؤتمر برلين الأخير حول النزاع الليبي.

كما أدلى وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، في يونيو/حزيران الماضي بتعليقات تحمل انتقادات لحليفه في ليبيا خليفة حفتر، مشيراً إلى ما وصفه بقرارات أحادية الجانب، فتحدث عما سمّاه “قرارات فردية وأحادية الجانب”، وقال: “لقد رأينا ذلك مع الجنرال حفتر في ليبيا”، بحسب صحيفة الإندبندت.

تعليقات قرقاش، التي أعقبت هزائم متتالية لحفتر من قبل قوات الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق في طرابلس، تتوافق مع تحفظات مصرية بشأن العمليات العسكرية التي أقدم عليها حليفها الليبي منذ أبريل/نيسان 2019 في طرابلس، التي اعتبرتها القاهرة خطوة متهورة.

____________