Minbar Libya

بقلم محمد سي بشير

من المعطيات التي لم تهتم بها تحاليل المهتمين بقضية التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني تداعياته على الملف الليبي، بل وما إذا كان للملّف وتطوراته العسكرية، وخصوصا انتكاسات مليشيات الجنرال المتمرّد، خليفة حفتر، وقواته، وتراجعه إلى خط سرت – الجفرة، صلة في الدفع بإخراج هذا التطبيع إلى العلن.

نحن في فصل صيف حار بأحداثه على خمس محطات عربية، إحداها لتعطيل التغيير، وساحتها تونس والأردن، وأخرى تتعلق بما يجري في اليمن والعراق وسورية ولبنان.

جاء هذا الاهتمام بتلك التداعيات، لأنّ الإمارات فاعل مهمّ في الثورات المضادة، وفي الحالة الليبية خصوصا، وعلى أكثر من صعيد مالي، عسكري وتدعيمي سياسي، مباشرة وبطريقة غير مباشرة، من خلال لاعبين آخرين، على غرار مصر، وتحرّكها أخيرا بتعيينها خط سرت – الجفرة خطا أحمر، وحشدها لجيشها للتدخل، في حال تم تجاوز ذلك الخط.

إضافة إلى دور أبوظبي في مسارعة مصر إلى التوقيع على اتفاق ترسيم الحدود البحرية، قبل أيام، مع اليونان، وعلى غرار تمويلها إرسال روسيا مرتزقة شركة فاغنر، وأسلحة إلى الشرق الليبي، على الرّغم من وجود آلية أوروبية لمراقبة تموين فرقاء الأزمة الليبية بالأسلحة (عملية إيريني).

المشهد الليبي على مقربة من فاعل جديد سيدخله، بطريقة غير مباشرة، من خلال الإمارات

يعلم الجميع أنّ مجال الدّفاع والتكنولوجيا من بين مجالات محدّدة، تحدّثت الإمارات عن أنّها ستشكل محور التطبيع، كما يعلم الجميع أنّ الإمارات بحاجة ماسّة، بالنّسبة للملف الليبي، إلى ثلاثة أبواب، لا يمكن لغير الكيان الصهيوني فتحها، مجالان اثنان هما:

ـ الطائرات بدون طيار ووسائل الاتصال التي تعرف أبوظبي أن شركات الكيان تملك منها أدقها وأكثرها فاعلية، سواء في مقارعة طائرات مسيرة تركية، كان لها الأثر في تغيير موازين القوى في معركة طرابلس وفي المشهد العسكري الليبي، بصفة كلية.

ـ أو من خلال تعويض النقص في وسائل الاتصال في إدارة معركتي الهلال النفطي وسرت، القادمتين، ما قد يرجّح كفة حفتر فيهما.

ـ المجال الثّالث توفير الكيان الصهيوني للغطاء على إمكانية الحصول على الأسلحة من الولايات المتحدة، دونما الحاجة إلى تجاوز قرارات أممية، تمنع توريد السلاح إلى ليبيا، وهو ما سيجعل المعركة القادمة تركية – صهيونية بامتياز، من خلال السلاح الذي سيصل إلى حلفاء اللواء المتقاعد، حفتر.

كما أنّ هناك نية إماراتية للاستفادة من قدرات تل أبيب العسكرية، وخصوصا التي توفرها شراكتها مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبشكل خاص إمكانات توفير صور الأقمار الصناعية العسكرية، ولم لا توفير معلومات أطلسية عن قدرات أنقرة العسكرية في أرض المعركة، ذلك أن تركيا عضو في الحلف.

وما يرحّج تلك الأبواب الثلاثة التي تنتظر الإمارات أن تفتحها تل أبيب لها في الملف الليبي أن أول زيارة من مسؤولي كيان الاحتلال، معلنة ورسمية، إلى أبوظبي، بعد الإعلان عن الاتفاق رسميا على التطبيع، أداها رئيس جهاز المخابرات الخارجية (الموساد)، وهي زيارة شهدت، على الطاولة، ملفات عدة، من المتوقع أن ملف المشهد الليبي واحد منها، ومن أهمها الحصول على تلك الخدمات التي قد تغيّر المشهد برمته، لصالح من تناصره الإمارات، وهو خليفة حفتر.

تمهّد خطوات التطبيع ليس إلى تجسيد الأهداف الخفية لما سميت “صفقة القرن“، بل تتعدّاها إلى إدخال فاعلٍ، يملك الانحياز الغربي له في القضية الفلسطينية

تلك هي، في المجمل، صور الاستفادة الإماراتية المستقبلية من مخطط التطبيع مع الكيان الصهيوني، لتغيير أوضاع المشهد الليبي استفادة من الدرس اليمني، ذلك أنه لا يمكن تصوّر أن ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، أخرج علاقات طبيعية مع تل أبيب منذ أكثر من عقد إلى العلن، الآن، لترجيح كفة الرئيس الأميركي، ترامب، في الرئاسيات المقبلة، أو للتعبير عن حلف خليجي – صهيوني ضد إيران، فقط، وهما هدفان حقيقيان يحفزان التطبيع.

لكن لأبوظبي أهدافا إستراتيجية، أومأت إليها في البيان الثلاثي، منها الملف الليبي الذي استثمرت فيه كثيرا، ولا يمكنها تصوّر أنّ الإخوان المسلمين قد يحققون نصرا في أرض عربية، ويفشل بذلك مخطّطها الذي صرفت عليه مليارات الدولارات، ووضعت فيه كلّ مقدّراتها، وعلى الأصعدة كافّة، وتنتظر تحقيق النّصر فيها، حتى بالمرور إلى ما قامت به، أي الإعلان عن اتفاق سلام مع الكيان الصهيوني الذي لم تحاربه.

لكنها تحتاجه في أفق ساحة عالمية غير مستقرّة أميركيا وأوروبيا، على أقل تقدير، بسبب المعارك الانتخابية في الولايات المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وفي ألمانيا (التغيير قريب) وصولا إلى فرنسا (رئاسيات مقرّرة في 2022).

وفي المحصّلة، المشهد الليبي على مقربة من فاعل جديد سيدخله، بطريقة غير مباشرة، من خلال الإمارات، ما سيستدعي موقفا تركيا مغايرا، وقد يكون القرار الأميركي المرتقب نشر قوات على الأرض في الهلال النفطي حركة أميركية استباقية للإسناد الصهيوني الذي سيدخل المعركة إلى جانب الإمارات، بتوفيره أدواتٍ لتوازن الموقف العسكري، قد يكون مقدّمة لسيناريوهين مستقبليين، يتضمنان تقسيم ليبيا أو تأزم الوضع بنشوب حرب كبيرة، لعلّ مقدمتها ما يجري من عسكرة تتصاعد، يوما بعد يوم، في شرق المتوسط، تلعب تركيا دورا محوريا فيها.

وفي الجانب الآخر فاعلون، هم حلفاء لمصر ومناوئون لأنقرة مع وجود مصالح صهيونية في أكثر من مكان.

بإيراد تلك المشاهد، نكون أمام تطبيع إماراتي – صهيوني تمّ التحضير له بعناية، ليكون هدفه استراتيجيا لكلا الطرفين، وبتداعيات كبيرة على الملف الليبي قد يحوّله من نزاع على الحكم في طرابلس إلى حرب إقليمية، لأنّ الخلفية، الآن، هي ما يجري في شرق المتوسط، ورهانه مخزون من الطاقة يسيل له لعاب الجميع، بما فيها القوى العظمى (روسيا وأميركا والصين) والكبرى (فرنسا وإيطاليا)، إضافة إلى قوى إقليمية، وهي، أساسا، الكيان الصهيوني وتركيا، فيما تقف دول عربية (مصر والإمارات والأردن والسّعودية) في الخلفية، تدعيما لمصالح عديدة:

ـ منها ما هو اقتصادي (طاقوي، بالأساس)،

ـ ومنها ما هو سياسي (تجسيد مخطط الثورات المضادة ومنع تمدد المد الثوري، بل والعمل على إفشاله أينما حدث وبرز)،

ـ ومنها ما هو استراتيجي، بالنسبة لها (إنشاء حلف “ناتو شرق أوسطي” يعادي تمدّد إيران ومشروعها في المنطقة).

تمهّد خطوات التطبيع ليس إلى تجسيد الأهداف الخفية لما سميت “صفقة القرن”، بل تتعدّاها إلى إدخال فاعلٍ، يملك الانحياز الغربي له في القضية الفلسطينية، كما يملك امتداداته في كامل المؤسسات السياسية والأمنية/ الدفاعية الغربية، في المعركة الجارية، الآن، على أكثر من صعيد، وليبيا واحد منها.

وهو الفاعل الذي سيعمل، بكل تلك الأدوات، على تغيير موازين القوى في تلك المعارك، كما سيعمل على إبراز الوجه السياسي القادم في العالم العربي، وجه لن يرضى على ما يمكن تسميته المد الثوري بتأثر إدراك قوى، على غرار الإمارات، وبعض الدول العربية الأخرى، بأن ذلك المد الثوري قد تكون من آثاره انتصار مشاريع “إسلاموية” خطيرة على مستقبل “صفقة القرن”.

ولن يكون الملف الليبي، بهذا التطبيع، كما كان، كما أن المعركة الكبرى، في شرق المتوسط، لن تحدث كما كانت أنقرة تتصوّرها، وهو ما يقتضي قراءة أكثر عمقا لمخطط التطبيع بعد إعلان أكثر من جهة سياسية إن الإمارات هي حلقة في سلسلة تطبيع شامل ستنضم إليه، في المستقبل المنظور، بلدان عربية أخرى.

وفي الختام، يتطلّب الموقف، من الإقليم كله، شرق المتوسط وغربه، إعادة تقييم للموقف بعد الإعلان عن هذا التطبيع وتداعياته، انطلاقا من الملف الليبي، ووصولا إلى ملفاتٍ أخرى سياسية، اقتصادية واستراتيجية ستبرز، في قادم الأيام.

********

التطبيع الإماراتي يزيد من مخاطر التجسس والقرصنة

أكد موقع دويتشه فيله الألماني أن التقارب بين إسرائيل والإمارات له آثار جانبية غير ملحوظة في المستقبل، من خلال حصول أبوظبي على برامج التجسس الإسرائيلية بسهولة أكبر من أجل التجسس على المواطنين.

وأوضح تقرير نشره الموقع الألماني أمس وترجمته الشرق أن الوصول إلى برامج التجسس الرقمي من المرجح أن يصبح أسهل بالنسبة للإمارات وأقل تعقيدًا بعد إقامة العلاقات الرسمية مما يثير قلق نشطاء حقوق الإنسان الذين يخشون أن يؤدي الاتفاق بين اسرائيل والامارات الى إقامة علاقات دبلوماسية تعزز بيع تقنيات المراقبة الإسرائيلية.

نتيجة لذلك، سيكون هناك المزيد من المراقبة والقمع الفعال للنشطاء السياسيين غير المرغوب فيهم في الإمارات بدعم تكنولوجي من إسرائيل.

هجمات وقرصنة

ذكر تقرير الشبكة الألمانية أنه في أغسطس 2016، تلقى الناشط الحقوقي الإماراتي أحمد منصور رسائل نصية غريبة لمدة يومين متتاليين. وكانت الرسالة التي بعثت اليه تحمل عنوان “أسرار جديدة عن التعذيب في سجون الدولة في الإمارات”، إلى جانب رابط إلى موقع إلكتروني لم ينقر عليها، كان لدى منصور كل الأسباب للشك.

في ربيع عام 2011، دعا إلى إصلاحات ديمقراطية في الإمارات، مدفوعاً بـ “الربيع العربي”. وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة “إهانة المديرين التنفيذيين في الإمارات”، ولكن تم العفو عنه بعد ذلك بوقت قصير.

لكن السلطات سحبت جواز سفره ومنعته من السفر للخارج. واستمر في الدعوة علانية إلى الإصلاح السياسي في الإمارات في السنوات التالية.

وتابع التقرير: أرسل منصور الرسالة المشبوهة إلى معهد التحليل “سيتيزن لاب” بجامعة تورنتو. حلل الفنيون التابعون لها، إلى جانب شركة “Lookout Security” المتخصصة في حماية البيانات الرقمية، التأثيرات المحتملة لبرامج التجسس.

ولخص سيتيزن لاب في وقت لاحق، أنه لو تم تثبيت رابط القرصنة المرسل له، لتحول الهاتف الخاص بمنصور إلى جاسوس رقمي في جيبه الخاص”.

أصيب هاتفه الخلوي ببرنامج الشركة الإسرائيلية المتخصصة للغاية “NSO Group” المشهورة بين خبراء الإنترنت.

وكشفت عدة تقارير أن مجموعة NSO الاسرائيلية قدمت خدماتها القرصنة والتجسس لفترة طويلة للحكومة الاستبدادية في أبوظبي. كما دعمت الحكومة السعودية في مراقبة الصحفي جمال خاشقجي، الذي قُتل لاحقًا.

كما زعم المنشق السعودي عمر عبد العزيز، الذي يعيش في كندا، أن هاتفه قد تعرض للاختراق باستخدام التقنية الاسرائيلية. وتشير الشركة نفسها إلى أنها تزود العملاء فقط إذا وافقت الحكومة الإسرائيلية على العقود ذات الصلة.

وأورد التقرير: حتى الآن، تخضع العقود المبرمة بين المجموعة الاسرائيلية والإمارات لموافقة الحكومة الإسرائيلية. من غير الواضح الآن كيف ستؤثر الصفقة التاريخية المتفق عليها مؤخرًا بشأن إقامة علاقات ثنائية بين البلدين على خدمات التجسس الرقمي هذه. ومع ذلك، يبدو من الواضح أن الوصول إلى برامج التجسس الرقمي من المرجح أن يصبح أسهل بالنسبة للإمارات وليس أكثر تعقيدًا بعد إقامة العلاقات الرسمية ولم تعد القيود التجارية المتبقية موجودة.

كلا الجانبين مهتمان بهذا، كما يقول أندرياس كريج، خبير الدفاع في “كينجز كوليدج” بلندن. بينما تقود التكنولوجيا الإسرائيلية العالم، تسعى الإمارات دائمًا لتحسين المراقبة الداخلية.

وقال كريج للشبكة الألمانية: “لقد تم تجهيز دولة الإمارات بالمراقبة بالتكنولوجيا والدراية والمعرفة المتخصصة الإسرائيلية”. وأضاف لهذا الغرض “تم تجنيد المئات من المتخصصين الإلكترونيين الإسرائيليين السابقين وجامعي المعلومات في وقت سابق”.

مخاوف الحقوقيين

وأبرز التقرير أن نشطاء حقوق الإنسان يخشون أن يؤدي الاتفاق بين اسرائيل والامارات الى إقامة علاقات دبلوماسية تعزز بيع تقنيات المراقبة الإسرائيلية للإمارات واستخدامها في البلاد. نتيجة لذلك، سيكون هناك المزيد من المراقبة والقمع الفعال للنشطاء السياسيين غير المرغوب فيهم في الإمارات بدعم تكنولوجي من إسرائيل.

وتؤكد هبة زيادين، الخبيرة في منطقة الخليج في منظمة هيومن رايتس ووتش، أن الإمارات تطورت لتصبح واحدة من أكثر الدول استبدادًا في المنطقة على مدى السنوات العشر الماضية.

وقالت: “إنهم ينظرون إلى كل كلام حتى ولو كان نقدا بصفة سلبية ويعتبرونه عملاً إجرامياً”. وأضافت: “مواطنو الإمارات من بين السكان الأكثر رقابة في العالم، ويرجع ذلك جزئيًا إلى امتلاك إسرائيل للتكنولوجيا والخبرة وبرامج التجسس”.

ويرى الناشط الحقوقي خالد إبراهيم من مركز الخليج لحقوق الإنسان، أن الوضع في الإمارات قاتم بشكل كبير “إنها بيئة معادية للغاية لحرية التعبير”. كان للناشط الإماراتي في مجال حقوق الإنسان أحمد منصور تجربة سيئة مع برنامج التجسس الاسرائيلي، الذي استهدف به هاتفه الخلوي، كان بإمكانه الوصول إلى جميع وظائف الهاتف تقريبًا، بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية القصيرة ورسائل واتس أب، وجميع جهات الاتصال والكاميرا والميكروفون.

كان من الممكن أن يوفر البرنامج أيضًا معلومات ثابتة حول مكان وجود منصور. فشل الهجوم الإلكتروني بسبب يقظة منصور. لكن هذا لم يساعده قانونًيا: في مايو 2018، حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات وغرامة قدرها 225 ألف يورو. واعتبرته المحكمة مذنبا بـ “نشر معلومات غير صحيحة على حساب الإمارات في الخارج”.

_____________