في 23 فبراير/شباط 2007، اجتمع مجموعة من الدبلوماسيين الفرنسيين يسمون أنفسهم مجموعة ماري (نسبة لمقهى اجتمعوا فيه بباريس)، ونشروا تقريرا في صحيفة اللوموند الفرنسية يتحدثون فيه عن فقدان فرنسا لأهميتها الجيوإستراتيجية ويخلصون إلى أن (أوروبا عاجزة، وإفريقيا تضيع من أيدينا، والبحر المتوسط يتجنبنا، والصين تروضنا، وواشنطن تتجاهلنا).

الجزء الثاني

النفاق المنظم

في إطار هذه الإستراتيجية يمكن تفسير سلوك فرنسا بدعم جنرال متمرد من أجل الوصول للحكم، السردية لن تكون غريبة إذا وضعت في سياقها التاريخي والإستراتيجي فهذا ديدن فرنسا في كل إفريقيا وليس في ليبيا وحدها، لكن الغريب هو هذا التناقض الواضح بين التصريحات التي تدعم الشرعية في ليبيا وتدعم اتفاق الصخيرات ومخرجاته وحكومة الوفاق والدعم العسكري في نفس الوقت للجنرال حفتر.

مصطلح النفاق المنظم هو أحد الاصطلاحات المستخدمة في الأدبيات السياسية حين تتعارض مصالح الدول بين الاعتراف الدولي ومصالحها الخاصة، لذا فإن فرنسا ترى مصالحها في دعم حفتر، أولا لأنها تدعم النظم الدكتاتورية، وترى أن دعم حفتر أقرب لمصالحها لأنه يسيطر على الشرق الليبي وهو يمتد جغرافيا للجنوب حيث تتركز مصالح فرنسا في ليبيا.

هذا السلوك ظاهر في عدة حوادث كانت فرنسا فيها داعمة للخيار العسكري وتوفر غطاء عسكريا وسياسيا للطرف المعتدي على العاصمة طرابلس رغم قرارات مجلس الأمن (القرار 2510) وهي عضو فيه، حيث كانت تجرم توريد أطراف النزاع بالسلاح وتدعم الحل السياسي. هذا السلوك ظاهر في عدة محطات.

ـ في 20 يوليو/تموز 2016 قال الرئيس فرانسوا أولاند: ننفذ في الوقت الحالي عمليات مخابرات خطيرة (في ليبيا)… قتل 3 من جنودنا المشاركين في هذه العملية في حادث طائرة هليكوبتر”. هذا التدخل تعززه كثير من الشهادات من خلال مجموعة حوارات مع شهود عيان في الحرب التي دارت في بنغازي ودرنة.

في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، سقطت طائرة استطلاع فرنسية صغيرة مستأجرة من لوكسمبورغ، بُعيد إقلاعها من مطار مالطا، وقتل ركابها الخمسة، الذين تبين فيما بعد أنهم يعملون لحساب وزارة الدفاع الفرنسية، وأنهم كانوا في مهمة سرية للاستطلاع في سماء مدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس)، التي تضم أقوى الكتائب المناوئة لحفتر. تأكدت هذه الاتهامات بعد نتائج التحقيق مع الطيار التابع لقوات حفتر “عامر قجم” والذي سقطت طائرته في الزاوية في ديسمبر عام 2019.

في 18 أبريل/نيسان 2019، أعلنت تونس ضبط مجموعة تتكون من 13 فرنسيا، قدموا إلى تونس عبر 6 سيارات رباعية الدفع، تحت غطاء دبلوماسي ومعها أسلحة وذخيرة[17].

تقرير الخبراء للأمم المتحدة يتحدث عن مجموعة من المرتزقة من السودان وتشاد يقدر عددهم بالآلاف يقاتلون لجانب مليشيات خليفة حفتر وهذا يتم بمرأى ومسمع من فرنسا وبدعم بالمال لهذه القوات من دولة الإمارات.

بعد أن تمكنت قوات الوفاق من السيطرة على مركز قيادة حفتر بمدينة غريان (100 كلم جنوب طرابلس) في هجوم خاطف استغرق ساعات في 26 يونيو/حزيران 2019، تمكنت خلاله من اكتشاف صواريخ “جافلين” الأميركية المضادة للدروع. وقالت وزارة الدفاع الفرنسية: إنها “اشترت الصواريخ من واشنطن، وأرسلتها إلى ليبيا لتستخدمها وحدة فرنسية، تم إرسالها من أجل مكافحة الإرهاب هناك، لحماية نفسها”.

هذا السلوك الفرنسي بات واضحا، ففي كل مرة يحاول الرئيس الفرنسي أن يبرز للمجتمع الدولي أنه قادر على التحكم في سلوك حفتر وإجباره على وقف إطلاق النار في ليبيا، آخر هذه المحاولات جاءت بعد بروز كل من روسيا وتركيا كفاعل رئيسي في الملف الليبي، تركيا باتفاقها مع حكومة الوفاق من أجل الأمن والحماية، وروسيا من خلال وجودها على الأرض عبر شركة فاغنر الأمنية، في هذه المحاولة زار الجنرال حفتر الرئيس ماكرون الذي أعلن بعد الزيارة موافقة حفتر على وقف إطلاق النار، الأمر الذي لم يحدث حتى اليوم[19].

يمكن أن نضيف هنا لتفسير هذا السلوك المتناقض لفرنسا ما ذكرناه عن أن سلوك الرئيس الفرنسي الخارجي ينعكس على الداخل، فماكرون لا يريد أن يصرح بتدخل صريح في ليبيا لجانب الجهة المتمردة على الشرعية، حتى لا يبدو كمن يضع فرنسا في صورة المستعمر خوفا من ردود أفعال لهجمات إرهابية تطال فرنسا، وهذا ما صرح به أحد خبراء الشأن الفرنسي لوكالة الأناضول قائلا: “في حال تدخلت فرنسا بشكل علني، فمن شأن ذلك أن يفجر مشاعر الكراهية نحوها، سيما بفعل الفوضى والأضرار الجانبية التي تسببت فيها خلال تدخلها العسكري في 2011”.

الخبير تابع بالقول: إن “الفرنسيين الذين يدفعون بالفعل ثمن تدخل بلادهم في الخارج (هجمات 13 نوفمبر/ تشرين الثاني التي تبناها تنظيم الدولة، لن يقبلوا أبدا بالتزام جديد من هذا النوع، وبأي حال، وحتى وإن ضغطت فرنسا وغيرها من البلدان الموجودة على الأراضي الليبية لصالح تدخل محتمل، فسيكون من الصعب تجاهل اتفاق الصخيرات، الموقع في المغرب بين مختلف الأطراف الليبية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، والذي ينص على أنه لا يمكن أن يتم أي تدخل أجنبي في البلاد بدون موافقة ليبية.

مآلات التوجهات الفرنسية

ربما يتضح مما سبق أن التوجهات الفرنسية في ليبيا تعتمد على إستراتيجية تدرك التحولات الدولية وترى في ضم ليبيا لخلية إفريقيا أمرا ممكنا من خلال دعم خليفة حفتر للسيطرة على النظام السياسي في ليبيا. إلا أن هناك تطورات أساسية أعاقت التوجهات الفرنسية في ليبيا تمثل فشلا لقيادة الرئيس ماكرون للسياسة الخارجية لفرنسا في إفريقيا.

 أول هذه التطورات هو الوجود التركي في العاصمة طرابلس بناء على الاتفاق الأمني والبحري الموقع مع حكومة الوفاق في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، والذي جعل دخول حفتر لطرابلس أمرا صعبا إن لم نقل مستحيلا.

الروس من خلال قوات الفاغنر وجدوا في صفوف حفتر، لكن العلاقات التركية الروسية خاصة في قيادتها للملف السوري والليبي بعد الوجود على الأرض جعل دور الرئيس الفرنسي ماكرون يبدو ضعيفا في الظهور أمام الدول الإفريقية كقوة قادرة على قيادة المجال الحيوي الإفريقي.

في مبادرة لإعادة الدور الأوروبي للملف الليبي كان مؤتمر برلين في 10 يناير/كانون الثاني 2020 والذي خرج بالتزام كافة القوى المعنية بليبيا بوقف إطلاق النار، إلا أن قوات حفتر استمرت في الهجمات العشوائية على العاصمة طرابلس، الملاحظ أن كثرة اللاعبين في ليبيا لم تؤل في النهاية إلى التوازن بل إلى حالة من التملص من كافة القرارات الدولية، فبعكس ما يحدث في سوريا كل قرارات مجلس الأمن المعنية بليبيا كانت ضد الاستمرار في الخيار العسكري، ومع ذلك استمرت فرنسا في دعم حفتر والوقوف بجانب قواته سياسيا وعسكريا.

لكن كما يبدو أن فرنسا باتت تخسر إفريقيا، وأن الوجود الصيني والأميركي والتركي والروسي في إفريقيا يجعل من توجهات فرنسا محدودة وضيقة الأفق بل إنها تثير الكثير من التساؤل حول قيادة الرئيس ماكرون وقدرته على إعادة دور الاتحاد الأوروبي وفرنسا في المنطقة. وهذا ما يفسر محاولات الرئيس ماكرون لتكثيف جهوده الدبلوماسية للتواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول قضايا تتعلق بأوكرانيا وانتقاده العلني لحلف الناتو بأنه في حالة موت سريري.

لكن فيما يبدو أن الرئيس ماكرون يستمر في التلاعب بين الفلسفة والواقع، ففي حين يريد أن يظهر القوة الفرنسية من خلال توجهات ثورية فإنه لا يستطيع أن يخسر ألمانيا التي تمثل قطب الرحى في الاقتصاد الأوروبي وفرنسا بحاجة للاتحاد الأوروبي كظهير اقتصادي وإستراتيجي لا يمكن التخلي عنه في المرحلة الراهنة.

فرنسا والرئيس ماكرون -كما ذكرنا سابقا- تشعر بأن الصين وروسيا صارتا قوتين صاعدتين وأن الولايات المتحدة الأميركية من الممكن في ظل سياسة الرئيس ترامب أن تترك فرنسا خلفها، وأن الاتحاد الأوروبي يعاني من خلل بنيوي واقتصادي وقد يفقد قوته الإستراتيجية، بمعنى أن الرئيس ماكرون يدرك ضعف فرنسا أمام هذه المتغيرات ويريد أن يستفيد من الاتحاد الأوروبي دون أن تكون له الصدارة.

بالنسبة للملف الليبي، فإن الدور الفرنسي مدمر لكل العمليات السياسية، فهو يغري حفتر بالمزيد من العنف، ويؤخر الحل السياسي الذي لا يوجد سواه.

في الأحداث الأخيرة وبعد انتشار فيروس كورونا وجهت كل من فرنسا وتركيا وبريطانيا وإيطاليا والإمارات دعوة لوقف القتال في ليبيا حتى يمكن مجابهة خطر هذا الفيروس، إلا أن العدوان على العاصمة لايزال مستمرا، وهذا يظهر أن قدرة فرنسا على التأثير المباشر في الحرب ضعيف وإستراتيجيتها متناقضة ومربكة ويبدو أن فرنسا تخسر دورها في الأزمة الليبية وإفريقيا.

ضعف الرئيس ماكرون الذي يمثل قيادة فرنسا ومحاولته اغتنام فرصة ضعف الدولة الليبية لتصميم نظام سياسي ليبي يدعم اجود فرنسا في إفريقيا يبدو أنه لا ينسجم مع ديناميات الصراع الليبي الذي يشهد حربا بالوكالة بوجود لاعبين أقوياء يملكون أوراقا قوية لا تملكها فرنسا -كما هي القوة الصاعدة التركية التي توجد في الأرض الليبية، وحرب الهجين الذي نجحت روسيا في تطبيقه في أوكرانيا وسوريا وليبيا من خلال نشر قوات عبر شبكات من المرتزقة والحملات الإعلامية والمشاريع الاقتصادية- وهذا سيضعف فرنسا حتى في غرب إفريقيا.

8 دول من غرب إفريقيا تسعى لتدشين عملة جديدة بديلة عن العملة الاستعمارية (كاف فرانك) تحت اسم إيكو (eco)، هذه الدول هي ساحل العاج، مالي، بوركينا فاسو، بنين، النيجر، توجو، غينيا بيساو، التي لم تعد تحتفظ بنصف احتياطاتها في البنوك الفرنسية كما كان الأمر.

هذه التحولات بالطبع لن تكون سهلة ولن تغني فيها إدانة الرئيس ماكرون للحقبة الاستعمارية، بل سيكون هناك تحد حقيقي للدول الإفريقية لبناء استقلالها بعيدا عن الوصاية الفرنسية، وهذا ربما ما جعل الموقف الفرنسي اختبارا حقيقيا للعقلية الاستعمارية التي تحكم قيادة فرنسا ويبدو أنها لم تتغير كثيرا بحرصها على وجود نظام عسكري حاكم في ليبيا.

يقابل سيناريو التراجع الإستراتيجي لفرنسا عن المشهد في ليبيا وإفريقيا، سيناريو آخر قد يجعلها وأوروبا لاعبا ضمن لاعبين آخرين في ملفات المنطقة من سوريا وليبيا وذلك سيعتمد على بناء علاقات بناءة مع تركيا وروسيا، وهنا تبدو قدرة الرئيس ماكرون على التأثير محل جدل ونقاش في قدراته القيادية لتمثيل السياسة الخارجية وإقناع القادة العالميين بقدراته. في عالم ما بعد الحداثة وتراجع الديمقراطية حيث تبدو فكرة القيادة أساسية لفهم ما يحدث في العالم.

خاتمة

النظام السياسي الفرنسي يعطي للرئيس القدرة على بناء قيادة سياسية تهدف لتعزيز الاستقلال والوحدة الوطنية الفرنسية. هذا العرف لم يتغير كثيرا فرغم محاولات الرئيس ماكرون طرح رؤيته كثورة في السياسة الخارجية الفرنسية تهدف لإعادة قوة الاتحاد الأوروبي إلا أنه لم يتجاوز السياسة الخارجية للرئيس جاك شيراك وفرانسوا ميتران.

هناك دعم لتحركات عسكرية في ليبيا وتنفيذ سياسات قصيرة المدى بدعم الاستقرار الذي تفرضه القوة على حساب بناء نظام تكاملي يحقق مصالح فرنسا والدول الواقعة في مجالها الحيوي.

ظهر هذا جليا في المشهد الليبي من خلال ممارسة النفاق المنظم وبدل أن تحقق فرنسا إستراتيجيتها التي تسعى لضم ليبيا لخلية إفريقيا التي كونت فرنسا من خلالها مجموعة شبكات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية لضمان مصالحها في مرحلة ما بعد الاستعمار، فإنها بدأت تخسر إفريقيا وتفقد قدرتها على التأثير في المشهد الليبي، ولم يغن عنها محاولاتها بين الحين والآخر دعوة خليفة حفتر وإعلانه من باريس عن قبوله بوقف إطلاق النار لأن الواقع على الأرض يؤكد أن حالة عدم اليقين في المشهد الليبي تجعل حفتر يتحرك بين حليف وآخر للاستمرار في المشهد كقوة عسكرية يحق لها الدخول في أي مفاوضات مستقبلية.

فرنسا بدل أن تزيد من نفوذها في إفريقيا عبر دعمها للحل السياسي في ليبيا عززت صورة المستعمر الذي لا يبالي بالمستقبل مادام بإمكانه أن يمسك بتلابيب الحاضر.

_____________

صحيفة الاستقلال