Minbar Libya

بقلم أمر الله إيشلر

تتناول هذه الدراسة العلاقات التركية الليبية، ولأن العلاقات تستند إلى خلفية تاريخية عميقة فقد أشارت الدراسة إلى مراحل هذه العلاقة منذ عام 1551م.. كما تناولت سياسةَ تركيا تجاه ليبيا خلال ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م وبعدها، وركّزت على التطورات الأخيرة.

وأكّدت الدراسة دعم تركيا طوال جميع هذه المراحل الحلول السياسية، وحتى الاتفاق الأمني مع حكومة الوفاق جاء خدمة لهذا الغرض، وهو ما ظهرت آثاره في مؤتمر برلين الذي لم يكن لينعقد لو استطاع حفتر السيطرة على طرابلس.

الجزء الأول

مدخل

تستند العلاقات بين تركيا وليبيا إلى خلفية تاريخية عميقة، ووفقا لهذا العمق المستمر بشكل قوي والذي لفت انتباه الرأي العام ـ وقعت تركيا وليبيا في 27 نوفمر/تشرين الثاني 2019 اتفاقية تحديد مناطق الصلاحية البحرية، ومذكرة تعاون في مجال الأمن والدفاع، دخلت حيز التنفيذ بين 5-21 ديسمبر/كانون الأول 2019م، بعد موافقة البرلمان.

وبناء على مذكرة التفاهم هذه، كان تفويض البرلمان التركي لرئاسة الجمهورية بإرسال قوات إلى ليبيا في 2 يناير/كانون الثاني 2020 حاضرا مرة أخرى على الأجندة.

تمتلك العلاقات الليبية التركية تاريخا عمره 500 سنة، وهي من أندر العلاقات الثنائية التي استمرت طوال هذه الفترة التاريخية الممتدة، وقد أدى امتداد العلاقات الثنائية بين البلدين منذ القرن السادس عشر إلى إضفاء شعور عميق بالمسؤولية في سياسة تركيا تجاه ليبيا.

إذ أرادت تركيا أن تكون من الجهات الفاعلة البناءة في السياسة الليبية، واختارت أن تؤدي دورا رائدا في إنهاء الصراع والأزمات، وقد أعطت الأولوية للتفاوض السياسي بدلا من استخدام الوسائل العسكرية.

ومنذ طرح مبدأ “حماية المدنيين” في ثورة 2011 وحتى الصراعات التي اندلعت في مايو/أيار 2014 بذلت تركيا كل الجهود لإعادة هيكلة البلاد بعد الثورة. عندما بدأت النزاعات في ماير/أيار 2014 دعمت تركيا مبادرة الأمم المتحدة لحل الأزمة سياسيا، ودعمت الاتفاقية السياسة الليبية والمؤسسات التي ظهرت في نهاية عام 2015 لكن الأزمة الليبية انتقلت إلى أبعاد مختلفة مع رفض حفتر كل الاتفاقيات، والإصرار على الحل العسكري، ومهاجمة طرابلس في 4 إبريل/نيسان 2019م.

ومن خلال متابعة تركيا للأزمة الليبية عن كثب منذ 2014، أدركت تركيا أنها في حال تركت حكومة الوفاق بدون دعم في مواجهة هجوم حفتر، فسوف تضيع كل جهود التسوية السياسية في ليبيا، وستدخل البلاد في أزمة شديدة، ولذلك اتخذت خطوات التعاون اللازمة مع حكومة الوفاق. وأوقفت الخطوات التي اتخذتها تركيا مع حكومة الوفاق تقدم حفتر، وجعلت الخطوات التركية المفاوضات السياسية في برلين واقعية.

إن هذا البحث يوضح تاريخ العلاقات بين تركيا وليبيا، ويقيّم بشكل مفصل سياسة تركيا تجاه ليبيا منذ الثورة، مرورا بأزمة 4 إبريل/نيسان 2019، إلى ما بعد مؤتمر برلين 2020.

الروابط التاريخية بين تركيا وليبيا

بدأت العلاقة بين الدولة العثمانية وليبيا في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، واستمرت عبر مراحل مختلفة حتى اليوم. في عام 1551م، طلب أهل طرابلس المساعدة من الدولة العثمانية لمواجهة هجمات قراصنة القديس يوحنا ضد طرابلس تحت قيادة ليون ستروزي. بناء على ذلك، كلفت الدولة العثمانية مراد آغا للقضاء على قراصنة القديس يوحنا، وهكذا بدأت العلاقات التركية الليبية.

وبعبارة أوضح، جذب ظهور الجيوش العثمانية بوصفها قوة صاعدة انتباه الليبيين المسلمين الذين كانوا بحاجة إلى الحماية ضد الغرب، وطلب الليبيون الحماية من الدولة العثمانية. ولا يزال المسجد الذي بناه القائد العثماني مراد آغا، موجودا في منطقة تاجوراء في طرابلس، وقد رممته مؤخرا الوكالات الحكومية التركية.

عندما بدأ الفاعلون المحليون في اكتساب السلطة في المساء المعتاد للتاريخ العثماني، اكتسب الممثلون المحليون السلطة في طرابلس ابتداء من النصف الثاني من القرن السابع عشر، ومنذ بداية القرن الثامن عشر أصبح القرمانليون ـ وهم سلاسة محلية من دولة طرابلس ـ الحكام الحقيقيين، وبقيت علاقة إسطنبول مع طرابلس على الورق فقط.

وفي إطار إصلاحات التنظيمات، وضعت الإدارة العثمانية، التي أعادت هيكلة منظماتها المركزية والإقليمية، وزادت سيطرتها على المحافظات ـ دولة طرابلس تحت سيطرة الحكومة المركزية مرة أخرى، وذلك بإنهاء إدارة حكم القرامانلي في طرابلس.

توصف هذه الإصلاحات في طرابلس، وهي امتداد طبيعي لعملية إعادة هيكلة الدولة العثمانية، بأنها “إحتلال عثماني” في التاريخ المدون في أثناء حكم القذافي في ليبيا، بل وُصفت بأنها “إمبريالية دموية”.

وبعبارة أخرى، ينقسم وجود الدولة العثمانية في ليبيا إلى جزأين في كتابة التاريخ المحلي وكتابة التاريخ الدولي في ليبيا والفترة التي تلي وصف التنظيمات بأنها احتلال. ومن المؤكد أن هذا الإتجاه في التاريخ يرتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة الداخلية والخارجية المتبعة خلال فترة القذافي.

مع الترتيبات التنظيمية التي قامت بها الإمبراطورية العثمانية، فإنها زادت من فعاليتها في ولاية طرابلس الغرب، المعروفة باسم ليبيا، لكنها اضطرت للانسحاب من المنطقة في عام 1912م. رغم أن اسم ليبيا لم يستعمل في الفترة العثمانية، إلا أن ثلاث مناطق مهمة في ليبيا اليوم تجتمع تحت الهيكل الإداري نفسه. أدير لواء بنغازي ولواء فزان بصفتهما وحدتين إداريتين تابعتين لمحافظة طرابلس الغرب.

وتدل حقيقة إرسال حكام المقاطعات المعينين في بنغازي وفزان من مختلف محافظات العثمانيين في الأناضول والبلقان ـ على أن الدولة لم تميز دولة طرابلس عن ولايات أخرى، بصفتها جزءا من الدولة العثمانية.

عندما غزا الإيطاليون طرابلس عام 1911، لم يتمكن العثمانيون من إرسال مساعدات عسكرية إلى طرابلس، سواء عن طريق البر أو البحر، لأن بحر إيجة كان تحت سيطرة الإيطاليين، وكانت مصر تحت سيطرة الإنكليز الذين كانوا متحالفين مع الإيطاليين، وبسبب الثورات والأزمات في مناطق أخرى من الجغرافيا العثمانية والفوضى في العاصمة ـ قررت الدولة العثمانية منح الحكم الذاتي لشعب طرابلس من خلال التوقيع معاهدة “أوشي” في عام 1912، وبعبارة أوضح، أُجبرت الدولة على الانسحاب من طرابلس.

في هذه العملية، يشير توجه القائد الدرزي اللبناني شكيب أرسلان من بيروت والمصري الشركسي عزيز علي المصري من مصر للمساعدة في مقاومة ليبياـ إلى أن جميع المناطق التي كانت تعيش داخل الدولة العثمانية كانت ترى أن ليبيا جزء من الوطن العثماني.

من ناحية أخرى، رغم أن محمد كرد علي أظهر ميولا قومية عربية في ذلك الوقت في سوريا، إلا أنه كان واضحا في دعمه للدولة العثمانية في حروب البلقان، وضد غزو ليبيا، كما ظهر في مجلة المقتبس، وهذا يثبت أن الشرعية للدولة العثمانية كانت لا تزال موجودة في المنطقة.

على الرغم من المقاومة إعيد بناء ليبيا تحت الحكم الإيطالي حتى عام 1951، في حين إعيد بناء طرابلس وفقا للعمارة الإيطالية، كما أعيد توطين العديد من المواطنين الإيطاليين في ليبيا، وطُرد الليبيون إلى حد كبير من الحياة الإجتماعية والسياسية والتجارية. ولكن الموقف المقاوم منع من تشكيل نخبة متكاملة مع إيطاليا، تعمل مع الإيطاليين، حيث أختفى التأثير الكامل للاحتلال الإيطالي في فترة ما بعد الاستعمار.

وعلى الرغم من وصول العلاقات بين تركيا وليبيا تقريبا إلى حد الإنهاك خلال الغزو الإيطالي، فإن النخبة العثمانية في ليبيا استمرت في حمل صورة إيجابية عن تركيا، وفترة ما بعد الاستقلال، ويمكن أن نفهم ذلك عندما نعرف أن أول رئيس للأركان للجيش الليبي الذي تشكل في برقة، هو عمران يشيلتاش، وأول رئيس للوزراء هو سعد الله كولو أوغلو، وأول وزير للخارجية هو عبدالسلام البوصيري، وكلهم قد انتقلوا من تركيا.

ويمكننا القول أيضا أن تركيا عبرت عن دعمها لاستقلال ليبيا في الساحة الدولة، إذ زادت تركيا من دعواتها لأجل استقلال ليبيا. في عام 1949، دافع الممثل الدائم لتركيا في الأمم المتحدة عدنان كورال، ضد الرأي السلبي لبريطانيا بخصوص استقلال ليبيا، ودعم استقلال ليبيا.

بين عامي 1948 و 1952، شكلت ليبيا أحد أهم موضوعات المناقشة، ودافع الجمهور التركي بحماس عن استقلال ليبيا. وبين السنوات 1951 – 1969 أبقت إدارة الملك إدريس العلاقات مع تركيا في المستوى المعتاد، ولم يلاحظ تعاون غير عادي أو معارضة.

وبسببت العديد من المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية التي ظهرت خلال فترة الملك إدريس، ازدادت الانتقادات للملك. ودخلت العلاقات التركية الليبية مرحلة مختلفة عندما قامت مجموعة من تشكيلات الضباط داخل الجيش بالإدارة العسكرية في مصر بالتمرد عام 1969.

كان القذافي هو الذي يقود المجموعات التي تمردت، وانتقلت العلاقات التركية الليبية مع هذا التغيير من مكان إلى آخر. إذ وقف نظام القذافي عام 1974 في مواجهة الحصار الاقتصادي المفروض على تركيا بعد التدخل التركي في قبرص، وقدّم القذافي دعما لوجستيا لتركيا. واستمر هذا الجو الإيجابي بين السنوات 1077 – 1982 حيث تضاعفت الأنشطة التجارية بين تركيا وليبيا أربع مرات.

وزادت أنشطة شركات المقاولات التركية في ليبيا بشكل كبير، وقد سجل وجود 120 ألف عامل تركي في ليبيا عام 1984. إضافة إلى ذلك استضاف القذافي أعضاء من منظمة أصالة، ومنظمة حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) الإرهابية، كما انتقد أيضا موقف تركيا في أزمة الخليج.

ومع ذلك، ادّعى في ذلك أن هناك علاقات تاريخية عميقة بين الشعب التركي والشعب الليبي، قائلا “إنه يحب الأتراك ولا يريدهم أن يعقوا في الخطأ”. شهدت العلاقات التجارية بين تركيا وليبيا حركة كبيرة في أواخر التسعينيات، بداية الألفية الثالثة، وفي تلك السنوات أدّى المقاولون الأتراك دورا مهما في صناعة البناء والتشييد في ليبيا، ومن ثم وصلت التجارة بين تركيا وليبيا إلى أرقام مهمة جدا.

وبحلول عام 2010، وقّعت حوالي 200 شركة تركية عاملة في تركيا اتفاقيات لأكثر من 300 مشروع بقيمة 20 مليار دولار. وفي عام 2010 وصلت أرقام الصادرات بين تركيا وليبيا إلى 1.935 مليار دولار.

البقية في الجزء الثاني

***

أمر الله إيشلر ـ هو نائب رئيس الوزراء التركيّ في حكومة رجب طيب أردوغان.

________________

المصدر: رؤية تركية ـ السنة 9 العدد الثاني