Minbar Libya

ما أن أُعلن سكوت أصوات البنادق في ليبيا، حتى بدأت تتعالى صرخات مئات الليبيين في شوارع طرابلس شاكين الجوع ونقص الخدمات وقلة السيولة المالية، في مشهد يعكس مدى تدهور الأوضاع الاقتصادية في هذا البلد على مدار تسعة سنوات مضت.

في 24 آب/أغسطس، وهو اليوم التالي لإعلان أطراف النزاع في ليبيا وقف إطلاق النار، خرج الليبيون والليبيات أمام مقر حكومة الوفاق التي تسيطر على المنطقة الغربية، داعين لتغيير النظام إثر تدهور الأوضاع المعيشية.

لعل خروج المتظاهرين أمام مقر حكومة الوفاق في اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار يعود إلى رغبة المواطنين في إيصال رسالة إلى المسؤولين مفادها أن أزمتهم الاقتصادية تفاقمت، وبالتالي هم يضغطون على أطراف الصراع لإيجاد حلول لها.

ويلاحظ عدد من المحللين أن التظاهرات كانت في المدن الغربية فحسب، على الرغم من إعلان مؤسسات دولية أن المنطقة الشرقية والجنوبية التي تخضع لسيطرة قائد ما يُعرف بالجيش الوطني خليفة حفتر تعاني من المشاكل ذاتها التي يشكو منها المواطنون في طرابلس ومصراتة والزاوية.

وبحسب ما يقول المحلل السياسي الليبي فرج فركاش، فإن التفسير الأقرب لعدم خروج تظاهرات في المدن الشرقية حتى الآن هو السيطرة والقبضة العسكرية الشديدة التي تفرضها قوات حفتر في المنطقة حيث يتم إحالة المحتجين إلى النيابة العسكرية.

التدهور الاقتصادي

تفاقم الوضع الاقتصادي في ليبيا بسبب الانقسام الذي تشهده البلاد بين المدن الغربية التي تسيطر عليها حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج ومدن الشرق التي تديرها حكومة مُشكّلة من مجلس النواب في طبرق وقوات حفتر.

وأغلق حفتر المنشآت النفطية، على أمل تضييق الخناق على حكومة الوفاق اقتصادياً، وهذا ما أدى إلى نقص العملة الأجنبية، وتوقف محطات الكهرباء بسبب نقص الوقود.

من جانبها، استنزفت حكومة الوفاق خزينة الدولة في الدفاع عن العاصمة طرابلس ومنع سقوطها بيد حفتر.

في تصريحات لرصيف22، رأى فركاش أن انغلاق الأفق السياسي في البلاد وتفشي الفساد مع تردي المعيشة الناتجة عن غياب الرقابة التشريعية على الحكومات الحالية، وانقسام الاجهزة الرقابية وديوان المحاسبة شرقاً وغرباً، وإغلاق النفط واستخدامه كأداة لتحقيق مكاسب سياسية زاد من تردي حياة الناس وتأخر دفع مرتباتهم وتدهور الخدمات العامة.

ولفت فركاش إلى وجود صراع أجنحة واضح في معسكر الوفاق وعدم تناغم الحكومة مع مصرف ليبيا المركزي أدى إلى انفجار الشارع للحصول على أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء وسيولة مالية.

من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي عبد العزيز أغنية أن الشباب نزلوا إلى الشوارع في اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار بكل عفوية لأنهم أرادوا أن يبعثوا رسالة مفادها أنهم يموتون ليس بسبب إطلاق النار فحسب، ولكن بسبب الفساد ونقص الخدمات أيضاً.

وأضاف أغنية لرصيف22 أن هناك حالة إحباط عارمة لدى الشباب من عودة الأوضاع إلى ما قبل محاولة حفتر السيطرة على طرابلس حيث “دواعش الفساد” يسيطرون على مفاصل الدولة الأربعة، وهي الحكومة ومصرف ليبيا المركزي والاستثمارات الليبية في الخارج والمؤسسة الوطنية للنفط وكأن شيئاً لم يحدث.

“هناك صراع أجنحة واضح في معسكر الوفاق، وعدم تناغم الحكومة مع مصرف ليبيا المركزي أدى إلى انفجار الشارع للحصول على أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء وسيولة مالية”… محللون ليبيون يفنّدون أسباب خروج الليبيين للتظاهر في طرابلس

وبلغت صادرات النفط الليبي أعلى مُعدلاتها عام 2012 عند مستوى 57.9 مليار دولار، لتبدأ بعدها في التراجع إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق عام 2016 وذلك بما يُعادل 6.3 مليارات دولار فحسب، في حين بلغت حوالى 27.7 مليار دولار في عام 2019 ثم انهارت بعد إغلاق المنشآت منذ بداية العام الجاري.

ويعد النفط المصدر الوحيد في ليبيا لتوفير العملة الأجنبية التي تحتاجها الشركات لاستيراد السلع من الخارج وجذب الاستثمار الأجنبي لإنشاء محطات الطاقة.

وحذّر رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر مورير في بيان أن البنية التحتية في جميع أنحاء ليبيا بدأت تنهار، مشيراً إلى أن الناس لديهم القليل من الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي والرعاية الطبية، في ظل تضاعف عدد المصابين بكورونا كل يوم.

تدخل خارجي

مع انتشار الدعوات للتظاهر في طرابلس، وصفها البعض بأنها محاولة جديدة من حفتر وبعض القوى الخارجية لإسقاط الشرعية، واعتبروا تصدي القوات الأمنية لهذه الاحتجاجات أمر مشروع وحتمي.

حتى أن البعض رأى في هذه الظاهرات تكراراً للسيناريو المصري وتوعد بحمل السلاح لمواجهتهم من أجل “حماية الشرعية”.

وكتب الناشط السياسي إبراهيم قصودة في تغريدة على حسابه عبر تويتر: “بإذن الله ليبيا مش مصر، بعد توفيق الله، سلاحنا في أيدينا ولا نعترف بسلميتنا أقوى من الرصاص ياماشفنا من شكالات (أزمات) وبإذن الله مصيرهم تحت الأقدام، لا مناص”. كما دشن قصودة هاشتاغ “حكومة الوفاق الوطني شرعيتنا”.

وفي مقطع فيديو نشرته حسابات معارضة لحكومة الوفاق، وصف القيادي في قوات “بركان الغضب” التي تصدت لهجوم حفتر على طرابلس المتظاهرين بـ”أوباش وجراثيم وطحالب” والمتظاهرات بـ”العاهـرات”، ويجب القبض عليهم وجلدهم جميعاً بالسياط.

وعبّر محللون ليبيون عن استيائهم من تهديد المتظاهرين، رافضين اتهامات التخوين التي أطلقها عدد من الموالين للوفاق ضد المحتجين، متناسين وجود مشاكل اقتصادية يعاني منها المواطنون.

وقال المستشار في حكومة الوفاق محمد على عبد الله في تغريدة: “يا خوفي أن يكون المخطط هو الانزلاق بين هل هؤلاء ‘صياع وحبوب هلوسة وأتباع حفتر‘ أو أنهم ‘تابعين للتيار الإخواني والعلاني ويسعوا لخدمة فلان وعلان”، وننسى أنه لدينا شعب بالفعل وصل به السيل الزبى وأن هناك أزمة حقيقية تحتاج إلى قيادة قادرة على معالجة المشاكل وإحداث تغيير حقيقي”.

ومع ذلك، قال فركاش: “صحيح هناك فساد ومشاكل اقتصادية، لكن هذا لا يعني أن هناك جهات داخلية وخارجية مناوئة للوفاق تستغل هذا الوضع المتردي لتحقيق أهدافها السياسية بمحاولة إثبات للعالم أن حربها على العاصمة كانت مبررة، ورأينا هذا التحريض الذي وصل الى درجة التزييف على صفحات وقنوات خصوم حكومة الوفاق”.

في المقابل، نفى أغنية وجود أي تدخل خارجي أو مؤامرة وراء خروج الاحتجاجات، على اعتبار أن كل الدوافع التي تحتم على المواطن الخروج للتظاهرة موجودة، قائلاً: “ماذا يريدون بعد انعدام الكهرباء والوقود والمياه؟”.

من جانبها، أكدت بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا أن الدافع وراء هذه التظاهرات هو الشعور بالإحباط من استمرار الظروف المعيشية السيئة، وانقطاع الكهرباء والمياه، وانعدام الخدمات في جميع أنحاء البلد، محذرة من استمرار إفقار الشعب الليبي واحتمال تجدد الصراع.

من أطلق النار على المتظاهرين؟

نقلت وكالة “رويترز” أن المتظاهرين الذين ساروا إلى مقر حكومة الوفاق، في 24 آب/أغسطس، للتعبير عن غضبهم مما وصفوه بـ”الموت البطيء” بسبب انهيار الخدمات العامة والفساد والضغوط الاقتصادية، تم تفريقهم بالقوة بعدما اتجهوا إلى ساحة الشهداء، وسط طرابلس.

وتظهر صور تداولها ناشطون ليبيون مسلحين ملثمين قالوا إنهم تابعين لحكومة الوفاق وهم يصوبون بنادقهم نحو المتظاهرين، فيما أظهرت مقاطع الفيديو أعمال كر وفر بين المتظاهرين مع سماع أصوات إطلاق نار كثيف.

واندلع جدل عارم على مواقع التواصل الاجتماعي حول هوية مطلقي النار على المحتجين ودوافعهم في قمع تظاهرات سلمية، خصوصاً بعد نفي وزارة الداخلية إطلاقها النار على المتظاهرين.

ورأى فركاش أن هناك ميليشيات وكتائب مسلحة بعضها مستفيد من استمرار الوضع الراهن، إذ تبتز بعض المؤسسات للاسترزاق منها، لذا من الصعب التحكم في ردة فعلها عندما يخرج الشارع الأعزل في وجه هؤلاء المسلحين.

من جهته، زعم أغنية أن المليشيات برعاية من حكومة الوفاق هي التي أطلقت النار على المحتجين في محاولة واضحة لقمعهم لأنهم يريدون حماية فسادهم.

“المتظاهرون أوباش وجراثيم وطحالب، والمتظاهرات عاهرات، ويجب القبض عليهم وجلدهم جميعاً بالسياط.”… قيادي موالي لحكومة الوفاق يتوعد المتظاهرين الذين خرجوا احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية في طرابلس

وكان وزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا قد أعلن أن مندسين ظهروا بمظاهر رجل أمن هم الذين أطلقوا النار على المتظاهرين.

وقال باشاغا في تغريدة على تويتر: “إيماننا بالديمقراطية ومدنية الدولة يحتم علينا الخضوع لإرادة الشعب والاستماع والإنصات لصوت المواطن”، مضيفاً أن “وزارة الداخلية تحمي الحق في التظاهر و ترد كل متجاوز على الممتلكات الخاصة و العامة أو تهديد أمن الدولة”.

وأضاف الوزير الليبي: “نحترم التظاهر ونرفض الفوضى التي لن تنتج إلا الفوضى، التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي حق مكفول لكل مواطن وعلينا الاستماع جيداً لصوت الشارع والمندسين ليسوا المتظاهرين بل الذين ظهروا بمظهر رجال الأمن وهم مجموعة خارجة عن القانون أطلقت النار”، قائلاً: “سنحيل نتائج التحقيقات لرئاسة الحكومة و النيابة العامة من حيث الاختصاص الإداري والقضائي”.

لماذا تقتصر التظاهرات على المناطق الغربية؟

رأى فركاش أن الوضع في الغرب لا يختلف كثيراً عن مناطق أخرى في ليبيا سواء في الشرق أو في الجنوب الذي يعيش ظروفاً سيئة منذ سنوات، في ظل تجاهل الحكومتين له وازدياد غلاء المعيشة خاصة في سلع المحروقات.

وأضاف فركاش أن القبضة الأمنية الشديدة التي تفرضها قوات حفتر تحول دون خروج أي تظاهرات، إذ تتهم كل من يخرج للاحتجاج بأنه من جماعة الإخوان المسلمين ويدعو للفوضى، وعليه سرعان ما يتم اعتقاله.

وعلّق أغنية بأن أبناء المناطق الشرقية كانوا أول من خرج لإسقاط الفساد الذي يسيطر على مؤسسات الدولة في طرابلس، وذلك عندما قام هؤلاء الشباب بحمل السلاح والالتحاق بـ”الجيش الوطني” لتحرير العاصمة من الفساد العام الماضي.

تكتل سياسي جديد؟

في استجابة لمطالب المتظاهرين، أعلن السراج نيته إجراء تعديل وزاري عاجل خاصة في ما يتعلق بالوزارات الخدمية، كما وعد باتخاذ إجراءات استثنائية وطارئة في محاربة الفاسدين.

ومع ذلك، رأى محللون أن جسماً سياسياً جديداً سوف ينبثق من هذه التظاهرات التي ترفض كل رموز المشهد السياسي الليبي لتوحد البلاد مرة أخرى وتحارب الفساد.

ورأى المحلل السياسي الليبي طارق المجريسي، في سلسلة تغريدات له، أن الاحتجاجات الجماهيرية تعكس مزاجاً شعبياً سئم من تردي الأوضاع المعيشية، وأزمة كورونا المتنامية، ومن حكومة الوفاق التي لم تتعلم شيئاً من تجربتها الماضية.

وقال المجريسي إن السياسة الليبية هي لعبة نُخب يمكن أن تنهار إذا لم تتحسن الحياة وإذا تطورت الأحداث فإنه سيتطلب تشكيل مركز ليبي جديد (تكتل سياسي جديد) يمكنه تجاوز الانقسامات وخلق توافق في الآراء بشأن شكل الخطوة السياسية التالية، والضغط من أجل اعتمادها.

وقال أغنية إن التظاهرات تثير تفاؤلاً كبيراً ببداية تغيير حقيقي في ليبيا، معلقاً “أعتقد أن ثورة عارمة في كافة أنحاء ليبيا قادمة لا محالة، وسيكون نواتها وقلبها في العاصمة طرابلس”.

وتأتي التظاهرات التي شهدتها المدن الغربية بالتزامن مع خروج مسيرات في مدن أخرى، خصوصاً في بني وليد، تطالب بعودة سيف القذافي إلى الحكم.

_____________