بقلم عماد قدورة

تعد تركيا دولةً بحريةً، ليس من منظور جغرافي يتعلق بموقعها على سواحل طويلة فحسب، وإنما أيضًا من منظور تاريخي ممتد ارتبط بسياسات وممارسات بحرية، وبخاصة في القرنين السادس والسابع عشر، أدت إلى الهيمنة على البحار الواقعة عليها، مثل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، وإلى وجودٍ فاعلٍ في البحر الأحمر والخليج العربي، فضلًا عن الانخراط بتأمين الطريق البحرية التجارية إلى سواحل الهند.

الجزء الثاني

الوطن الأزرق

لقد اكتسب مفهوم “الوطن الأزرق” زخما في أيلول/ سبتمبر 2019 عندما ألقى الرئيس رجب طيب أردوغان كلمة أثناء وقوفه أمام خريطة تظهر 462 ألف كيلومتر مربع كوطن أزرق لتركيا. ويتبنى حزب العدالة والتنمية، إلى جانب حزب الحركة القومية، هذا المفهوم

وهذه السياسة الخارجية الإقليمية، التي تعزز القومة التركية وتحظى بالدعم المحلي.

وحتى أحزاب المعارضة صوتت لصالح الاتفاق البحري مع ليبيا، رغم أنها انتقدت الحكومة لاحقا لربطه بقرارها إرسال القوات التركية إلى ليبيا الذي تعارضه بعض هذه الأحزاب. ولعل الاكتشاف الأخير في حوض البحر الأسود، الذي أعلنه الرئيس أردوغان في 21 آب/ أغسطش 2020 والمتعلق بوجود كميات كبيرة تصل إلى نحو 320 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، قد عزز مفهوم “الوطن الأزرق”، ما سيجعله جزء أساسيا من السياسة الخارجية مستقبلا.

من الواضح، أن توقيع الاتفاقية مع ليبيا، يعني أن خطوط الطول هي التي أُخذت في الإعتبار وليست خطوط العرض. ويعني ذلك، من جهة، اعتبار حدود اليونان البحرية الاقتصادية مقصورة على ساحل البر اليوناني الرئيس، وليس على أساس مجال عشرات الجزر اليونانية الصغيرة شرق المتوسط ومدخل بحر إيجة. ويعني من جهة أخرى، منح تركيا وجمهورية شمال قبرص مجالا بحريا واسعا، إذ أصبح الشريط الطولي لقلب شرق المتوسط، وصولا إلى الحدود المصرية ـ الليبية البحرية، مناطق اقتصادية تقتسمها تركيا مع ليبيا، وترتب عليها توسيع المنطقة الاقتصادية التركية الخالصة.

ويمكن حصر بعض أسباب توقيع تركيا الاتفاقية البحرية مع ليبيا، وأثرها في سياساتها في شرق المتوسط فيما يلي:

ـ أصبحت منطقة شرق المتوسط مسرحا نشطا للتنافس الإقليمي ولشركات ومنظمات1 الطاقة الدولية ذات المصلحة، فقد أصبحت نقطة التقاء وصراع بين تريكا واليونان وقبرص وإسرائي ومصر، ولأهم شركات الطاقة مثل بريتش بتروليوم، وإيني الإيطالية، وتوتال الفرنسية، وإكسون الأمريكية، ولأهم المنظمات المعنية مثل الوكالة الدولية للطاقة، ومنظمة الدول المصدرة للنفط، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وأخيرا للبلدان التي تحتاج إلى إمدادات الطاقة، مثل دول الاتحاد الأوروبي.

لذا، أصبح التنافس والمخاطر يشمل أطرافا جديدة. ومن تم، فإن بقاء تركيا بعيدة عن هذا الحراك السياسي والاقتصادي، وهي تملك أطول ساحل في شرق المتوسط، ستكون له تداعيات على مكانتها ونفوذهما واقتصادها.

ـ أثار ظهور تحالفات إقليمية جديدة في شرق المتوسط المخاوف الأمنية التركية: مثل2 الشراكة بين إسرائيل واليونان وقبرص ومصر. فقد أنشأت هذه الدول “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي حظي بدعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، واستثنى عضوية تركيا وشمال قبرص، كما استثنى سورية ولبنان بوصفهما لا تقيمان علاقات مع اسرائيل.

وعمق إنشاء هذا المنتدى مخاوف تركيا من الاستبعاد وشعورها بالتهديد، وبخاصة بعد انسحابها منذ عام 2010 من المناورات البحرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل في المتوسط التي كانت تسمى “ريليانت ميرميد” وأحلت الولايات المتحدة اليونان محل تركيا، واستمرت بإجراء المناورات وأعادت تسميتها بـ “نوبل دينا” .

وردا على ذلك، لجأت تركيا إلى موازنة هذا التهديد المتصور بزيادة وجودها العسكري والبحري والسعي لبلورة سياستها الجديدة.

ـ إثبات الحقوق قانونيا وبالأمر الواقع، إذ تعتبر تركيا أن الحراك الجاري في شرق3 المتوسط يستلزم إثبات حقوقها للتعامل مع أي عقوبات محتملة من الإتحاد الأوروبي أو من الولايات المتحدة. فقد هدد الاتحاد الأوروبي بعقوبات على تركيا إن لم تتوقف عن انشطتها بالقرب من قبرص.

بينما أقرت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، في عام 2019، قانون الأمن والشراكة لشرق المتوسط، الذي يطلب من لجنة أميركية أن تقدم تقريرا عن أنشطة الحفر التركية. ومع أنه لم يرد ذكر تركيا بالاسم، فإن القانون ينص على إبلاغ الولايات المتحدة بأي عائق أنشطة الحفر القبرصية داخل المنطقة الااقتصادية الخالصة وأي “أنشطة غير قانونية” في شرق البحر المتوسط. لذلك، سعت تركيا إلى توقيع اتفاقيتين بحريتين مع جمهورية شمال قبرص وليبيا لتعزيز حججها القانونية في مواجهة مثل تلك العقوبات.

4ـ عرقلة المشاريع المنافسة ومحاولة استبدالها لمصلحة تركيا، فمن خلال الدعاوي القضائية يمكن أن تؤخر مد خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي تنوي اليونان وإسرائيل وقبرص بناءه، وتزيد تكاليفه. وكانت تركيا تعوّل على أن تولي مصر مصلحتهها بالدرجة الأولى، لأن اتفاقهما سيمنح الأخيرة مساحات جديدة واسعة في البحر.

ويذهب أحد الباحثين إلى أن اتفاق هاتين الدولتين كان سيفر لمصر نحو 26500 كيلومتر مربع إضافي، على أساس أن قبرص وكريت يتعين ألا يكون لهما جرف قاري وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. لذلك، يجب أن يكون الخط الذي يقسم الجرف القاري لتركيا ومصر هو الخط الوسطي في شرق المتوسط، ما سيمنح مصر 15000 كيلومتبر مربع من المنطقة الاقتصادية الخالصة من اليونان و 115000 كيلومتر مربع من قبرص. لكن مصر وقعت مؤخرا اتفاقا مع اليونان يحدد حدودهما البحرية، كما سبقت الإشارة.

5 ـ تلبية حاجات البلاد من النفط والغاز وتقليص الاعتماد على الغاز الروسي، إذ تعتمد تركيا على الغاز الطبيعي المستورد بنسبة 98%، أكثر من نصفها يأتي من روسيا.

لذلك، فإن توقعات زيادة اعتماد تركيا على انتاجها الخاص من شرق المتوسط بعد الاكتشفات الضخمة في المنطقة، كما نوضح تاليا، يجعلها حازمة في سياساتها البحرية الجديدة، وبخاصة بعد أن شجعها الاكتشاف الأخير في البحر الأسود، الذي “سيبدأ الانتاج منه في عام 2023 لتجاوز عجز الحساب الحالي”، على “تسريع عمليات الاستكشاف في المتوسط”، وهو ما من شأنه أن يجعلها “لاعبا أساسيا في مجال الطاقة”، بحسب وزيري الطاقة والخارجية.

ونظرا إلى أهمية العوامل الاقتصادية، والقانونية، والجيوسياسية أعلاه، وتأثيرها في السياسة البحرية التركية الجديدة، يمكن تاليا توضيح مضامينها ودلالاتها. ويشمل ذلك: 1ـ أهم اكتشافات الغاز في شرق المتوسط التي ألهبت التنافس الجديد، 2 ـ طبيعة الخلافات القانونية التي نشبت بسبب هذه الاكتشافات ومحاولات تركيا إثبات ولايتها القضائية، 3ـ وأهم المشاريع التنافسة لنقل الغاز إلى أوروبا.

ـ اكتشافات الغاز الطبيعي: يعود تطور قطاع الهيدروكربونات في شرق البحر المتوسط إلى 80 عاما، لكن اكتشافات احتياطات الغاز الطبيعي الكبيرة بدأت منذ عام 1999، باكتشاف حقل (نوا) قبالة ساحل اسرائيل وقطاع غزة واحتوى على 1.2 مليار متر مكعب، تلاه الحقول الاسرائيلية التالية” ماري -بي في عام 2000 واحتوى على 30 مليار متر مكعب، وحقل (تامار) في عام 2009 الذي يقدر بنحو 320 مليار متر مكعب، وحقل (ليفياثان) في عام 2010 وهو أكبر اكتشاف في أعماق البحار ويتضمن نحو 600 مليار متر مكعب. ثم تلتها الاكتشافات في قبرص في عام 2011، أي في حقل (أفروديت) بنحو 129 مليار متر مكعب.

لكن عام 2015 شهد أكبر اكتشاف حتى الآن في شرق المتوسط وهو حقل “ظهر” العملاق في مصر، الذي تقدر احتياطاته المثبتة بنحو 845 مليار متر مكعب. أما النفط، فاحتياطاته المثبتة تعد قليلة حتى الآن مقارنة باحتياطات الغاز، حيث تقدر كميته بنحو 1.7 مليار برميل.

ومن الواضح أن هذه الاكتشافات الضخمة في منطقة شرق المتوسط تعطي أفضلية اقتصادية وجيوسياسية لمنافسي تركيا الإقليميين على حسابها، ما حفزها على أتباع سياستها البحرية الجديدة، وعلى تطوير برنامجها الخاص للمسح الجيولوجي.

فقد أعلنت عام 2013 عن تطوير سفينة حديثة بقيمة 100 مليون يورو قادرة على المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد، واشترت سفينة أبحاث حديثة من النرويج سمتها “خير الدين بربروسا”، وهو اسم ذو دلالاة كما سبق، ودخلت الخدمة في عام 2014 مصحوبة بسفن عسكرية. وفضلا عن ذلك، أصبحت سفن الحفر والتنقيب “يافوز” و “الفاتح” و “عروس رئيس” تعمل حاليا لاستكشاف حقول خاصة بتركيا.

ـ خلافات الوضع القانوني ومحاولات أنقرة إثبات ولايتها القضائية: بحسب الاتفاقية البحرية مع ليبيا، فإن اليونان وقبرص هما المتضررتان الأساسيتان منها. ووفق تقسيم الخريطة الجديدة، ثار خلافان أساسيان مع تركيا على المناطق الخاصة بكل دولة والوضع القانوني بشأنها.

  • الخلاف الأول: يتعلق بالمبدأ القانوني لتقسيم المناطق البحرية لكل دولة. فاليونان وقبرص تقولان إن المنطقة الاقتصادية الخالصة هي المعتمدة قانونيا، بينما تذهب تركيا إلى الاعتماد على مبدأ الجرف القاري. فين عامي 2003 و 2010، تم توقيع سلسلة من الإتفاقيات الثنائية لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية بين قبرص ومصر وإسرائيل. وفي عام 2007، وقعت قبرص اتفاقية منطقة اقتصادية خالصة أخرى مع لبنان. واحتجت أنقرة، مدعية أن الاتفاق القبرصي – اللبناني ينتهك الحقوق السيادية لكل من تركيا وشمال قبرص، فضلا عن الاتفاق المصري – اليوناني الأخير.

وينبع هذا الخلاف من حقيقة أن تركيا ليست من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون، بينما اليونان وقبرص موقعتان عليها. تؤسس تركيا موقفها في المقام الأول على مبادئ الاتفاق، والحل العادل، والترتيبات المؤقتة على النحو المشار إليه في المادتين 74 و 83 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فيما يتعلق بالمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري على التوالي.

وتدعي تركيا أيضا أن “تعيين الجرف القاري في بحر شبه مغلق مثل البحر الأبيض المتوسط يجب أن يتم عن طريق اتفاق يحترم (حقوق و) مصالح البلدان المعنية بموجب القانون الدولي، والعرفي والسوابق القضائية”، وكذلك ” من الرأي القانوني القائل بأن جزيرة قبرص في الغرب والجزر اليونانية في المنطقة، بما في ذلك جزيرة كاستيلوريزو، لا يمكن أن ينتج منها منطقة اقتصادية خالصة/ منطقة اقتصادية كاملة، بموجب القانون الدولي لأنها تشوه ترسيم الحدود المنصف”. وقد زاد الاتفاق اليوناني – المصري الأمر تعقيدا الذي أخذ في الاعتبار الجرف القاري لجزيرتي كريت ورودس اليونانيتين، ما يعني تقاطع المنطقة البحرية لهاتين الدولتين مع المنطقة البحرية التي حددتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية.

ويتخلص موقف تركيا بشأن الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة في:

أولا، بدلا من الصفقات الثنائية، تدعو أنقرة إلى اتباع نهج متعدد الأطراف لتحديد الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لضمان الحقوق السيادية للأطراف الثالثة.

ثانيا، تشعر الحكومة التركية بالقلق من أن إعادة رسم الحدود البحرية هو على حسابها، ما يعرّض موقع تركيا في بحر إيجة للخطر أيضا، حيث تنازعت مع اليونان لفترة طويلة حول الجرف القاري.

ثالثا، إن مسألة قبرص تحدد بشكل مباشر تصور تركيا، فهي ترى أن الموارد الطبيعية لقبرص تخص كلتا الطائفتين في الجزيرة، وتصر على أنه لا ينبغي للقبارصة اليونانيين أن يرسموا حدود الجزيرة البحرية من جانب واحد حتى يضمن القبارصة الأتراك تلقي حصتهم، أو بعد توحيد الجزيرة وفق تسوية متفق عليها.

  • الخلاف الثاني: هذا الخلاف ناشئ من الأول، أي بفعل مضي قبرص في ترسيم حدودها دون اعتبار للوضع المقسم في الجزيرة. فتمتع قبرص اليونانية بالاعتراف الدولي أغراها للقيام بأنشطة الحفر من جانب واحد. وبموجب ذلك، قامت بشكل أحادي في 6 كانون الثاني / يناير 2007 بتقسيم حقول التنقيب والحفر بالقرب من الجزيرة إلى 13 وحدة. وقد اعتبرت تركيا أو الوحدات 1 و 4 و5 و6 7 تتداخل مع الجرف القاري التركي. وفضلا عن ذلك، عندما بدأت قبرص بالتنقيب في 19 أيلول/ سبتمبر 2011 في الوحدات الثلاث عشرة التي عينتها من قبل، ردت أنقرة بالتوقيع على اتفاقية لترسيم حدود الجرف القاري مع شمال قبرص في اليوم التالي. وبناء على هذه الاتفاقية، أصدرت شركة البترول الوطنية التركية تراخيص حفر لشركة الطاقة التركية المملوكة للدولة. وتتداخل المنطقة المرخصة من قبل شمال قبرص مع غالبية الوحدات التي تطالب بها قبرص بالفعل. فإضافة إلى الوحدات الخمس التي تطالب بها تركيا، فإن 11 من أصل 13 وحدة أصبحت تتنازع عليها تركيا وشمال قبرص مع قبرص.

ـ مشاريع نقل الغاز التنافسة واستبعاد تركيا: تزايد قلق تريكا لأن مشاريع نقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا التي يجري العمل على اعتمادها، تتجاهل مشروعها الخاص الأقل تكلفة اقتصاديا والأسهل لوجستيا والأكثر معقولية من الناحية الجغرافية. ويعني ذلك بالنسبة إليها أن الاعتبارات الجيوسياسية المنافسة تتفوق على أفضليات واعتبارات السوق.

البقية في الجزء الثالث حول التدخل العسكري في ليبيا

***

عماد قدورة ـ مدير قسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عمل باحثًا ومحرر أول في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وباحثًا في مركز دراسات الشرق الأوسط، والمركز العلمي للدراسات السياسية . تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية، والدراسات التركية.
____________

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات