قرّر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة “الوفاق” فايز السراج، مواجهة مطالب المحتجين على سوء الأوضاع المعيشية بالعاصمة طرابلس، بمكافحة “الفساد”، ملوحاً باستخدام قانون الطوارئ لتشكيل حكومة أزمة في حال لم ينجح بإجراء الإصلاحات الوزارية المرتقبة.

وقالت مصادر حكومية مقربة من السراج إن الأخير عقد اجتماعات مكثفة عدة خلال الساعات الماضية، من أجل إجراء تعديلات على تشكيلته الحكومية المرتقبة، بعد أن لقيت رفضاً في السابق من قبل أعضاء بالمجلس الرئاسي وقادة سياسيين من المجلس الأعلى للدولة بطرابلس.

وكانت المصادر نفسها قد كشفت لـ”العربي الجديد”، في منتصف يوليو/تموز الماضي، عن عزم السراج الإعلان عن تعديل وزاري يطاول وزارتي الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى تكليفات جديدة في وزارات الصحة والحكم المحلي والمواصلات. لكن هذه المصادر قالت إن السراج يعمل حالياً على إجراء تعديل في تشكيلته الوزارية، مشيرة إلى أنه يعيش وضعاً صعباً وضغوطاً بسبب عدم قدرته على تجاوز عرقلة المحاصصات وإرضاء بعض الأطراف المتنفذة لضمان تمرير تشكيلته الجديدة.

وعن إمكانية اللجوء إلى قانون الطوارئ لفرض الإعلان عن حكومة أزمة، اتفقت المصادر على عدم قدرة السراج على اللجوء إلى هذا الخيار، موضحة أن التعديلات المقبلة ستطاول حقائب الصحة والاقتصاد والمالية والحكم المحلي، من دون إحداث أي تغيير في حقائب الخارجية والداخلية والدفاع، بالإضافة إلى إنشاء هيئة لدعم المناطق المتضررة بهدف احتواء الغضب الشعبي.

واعترف السراج، خلال خطابه الموجه للشعب ليل أمس الإثنين، بانتشار حالة الفساد في مفاصل الدولة، معتبراً أنها السبب في تردي الوضع المعيشي للمواطنين، وبينما طالب “المؤسسة القضائية ومكتب النائب العام باتخاذ إجراءات حازمة وحاسمة مع كل موظف عام طاولته اتهامات بالفساد”.

وأكد أن إغلاق النفط على يد مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر “سيؤدي إلى أزمات اقتصادية قد نعجز معها عن دفع مرتبات الموظفين في كل ليبيا”.

واعترف السراج ضمنياً بأن جهوده السابقة في إجراء تعديلات وزارية حال دونها “الوضع لحالي للرئاسي”، مقراً بأن السبب “رغبات البعض في الحصول على مناصب معينة”.

وهدد السراج باللجوء الى قانون الطوارئ لفرض حكومة أزمة في حال عدم القبول بتعديلاته الوزارية. لكن خطابه الذي وافق وجود مئات من المواطنين المحتجين في ميدان الشهداء، يبدو أنه لم ينجح في امتصاص غضبهم، فإثر انتهاء كلمته تجددت التظاهرات، وأشارت هتافات المشاركين فيها المطالبة برحيل المجلس الرئاسي، إلى عدم رضاهم عن وعود السراج التي تضمنت حلحلة أزمات الكهرباء والماء والوضع الاقتصادي، ضمن حزمة من الإصلاحات قال إنها تمر بمراحل قصيرة ومتوسطة المدى.

ومنذ الأحد الماضي، شهدت مدن ليبية عدة، من بينها العاصمة طرابلس، احتجاجات شعبية تطالب بتحسين الوضع المعيشي المتردي، وزاد الجدل بشأنها بعد قيام مسلحين بإطلاق النار على المتظاهرين، مساء الأحد، فيما نفت وزارة الداخلية صلة المسلحين بأجهزتها الأمنية التي قالت إنها كانت في مهمة تأمين المظاهرة.

ولا يتوقع الناشط السياسي الليبي عقيلة الأطرش، نجاحاً كبيراً للإصلاحات الحكومية المنتظرة على يد السراج لأسباب عدة، منها ضعف قدرته على تنفيذ وعوده، وانهيار جسور الثقة بين الناس والحكومة حتى وإن سمّى شخصيات حكومية جديدة.

ويشير الأطرش في حديثه لـ”العربي الجديد” إلى أن هناك أطرافاً تستثمر حالة الغضب الشعبي سياسياً لصالحها، سواء في طرابلس من خلال تجديد دعوة المجلس الأعلى للدولة لضرورة إعادة تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة، أو من خلال أنصار مجلس نواب طبرق.

ونشر موقع مجلس نواب طبرق بياناً لرئيسه عقيلة صالح، بعد انتهاء خطاب السراج ليل أمس، يطالب فيه بـ”حماية المتظاهرين السلميين المُطالبين بحقوقهم”، كما بضرورة معاقبة من “أساء استعمال السلطة بحق المتظاهرين السلميين”.

وبادر العديد من التشكيلات المسلحة في طرابلس إلى المطالبة بحماية المتظاهرين ودعم حقهم في الاحتجاج، مثل لواء “ثوار طرابلس” وقوة “حماية طرابلس” وقوة الردع الخاصة، في بيانات منفصلة خلال أمس وليل البارحة، في خطوة لتبرئة ساحتها من التورط في حادثة إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين الأحد الماضي.

وفي الوقت الذي يتوقع فيه الأطرش “صموداً مؤقتاً للسراج” وإمكانية استقالته في حال تزايد الاحتجاجات وعدم قدرته على فرض تعديلاته الحكومية، لا يرى الباحث السياسي الليبي زايد مؤمن إمكانية للإطاحة بالسراج لأسباب عديدة. ويشرح مؤمن رأيه بالقول لـ”العربي الجديد” إن “غالبية الشخصيات التي عارضت تعديلات السراج يرتبط مصير وجودها بوجوده، وبالتالي فإن تهديد السراج باللجوء إلى قانون الطوارئ رسالة مباشرة لهم بضرورة القبول بتعليماته بشأن تنحيتهم من مناصبهم”.

ويضيف أن “السبب الأهم من ذلك هو حالة الفراغ السياسي التي سيتركها السراج، وهي وضع لن تقبل به العديد من الأطراف بحكومة الوفاق التي تحظى باعتراف دولي كتركيا والولايات المتحدة وأطراف أخرى باتت اليوم تقترب من حلحلة خلافاتها في الملف الليبي”.

ومقابل دعوة عضو المجلس الأعلى بلقاسم قزيط، إلى دعم خيار السراج في مكافحة الفساد “في ديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي” لتلافي الفوضى والفراغ، بحسب تصريحات صحافية له، اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن الشاطر، أن كلمة السراج “محبطة ومجرد مسكن للشارع”.

واعتبر الشاطر، في تغريدة له عبر “تويتر”، أن “كلمة السراج تنصل من المسؤولية وعليه أن يستقيل”، مضيفاً أن “تراكم المشاكل التي أحالت حياة المواطن إلى جحيم، كلها بسبب سياسات الاستهتار التي انتهجها طيلة فترة حكمه وجلبت حفتر إلى أبواب طرابلس”.

وحذر الباحث السياسي الليبي زايد مؤمن في هذا السياق من حالة فراغ سياسي قد تؤدي إلى فوضى في حال الإطاحة بالسراج، لافتاً إلى أن الفساد لا يتوقف على الإدارات والوزارات في الحكومة، بل يطاول أيضاً قادة الأطراف المختلفين والمنوط بهم مهمة إعادة تشكيل مجلس رئاسي جديد.

وقال: “هذا الخيار كان مطلباً للطرفين سواء مجلس الدولة أو مجلس النواب، وقد أجريت بشأنه العديد من اللقاءات منذ منتصف 2018، ولم يصلا إلى توافق بسبب المصالح الضيقة، والسراج كان شجاعاً عندما أشار إلى أن بعض القادة يطمحون لمناصب ولذا عطلوا تعديلاته الوزارية”.

وانتهى مؤمن، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أن كلمة السراج أشارت إلى عدم إمكانية التوصل إلى حلول جذرية لحل أزمة الفساد بسبب اتصالها بالأطراف المسيطرة على المشهد، مشيراً إلى أن السراج أكد ضمناً أن الحل النهائي بإجراء انتخابات عامة في مارس/آذار المقبل، وهو الخيار الأنسب الذي يبدو أن أطراف دولية ستدعمه من خلال البعثة الأممية التي تقود مسارات الحلول.

*******

هل يستقيل السراج على وقع تزايد الاحتجاجات في طرابلس؟

علاء فاروق

لليوم الرابع على التوالي، لازالت المظاهرات تخرج في بعض المدن الليبية على رأسها العاصمة “طرابلس” ومدينة “مصراتة” للمطالبة بعزل “الفاسدين” ومحاسبتهم، انضم إليها مؤيدون لعملية “بركان الغضب” العسكرية.

وظهرت خلال التظاهرات عدة لافتات تحمل اسم عملية “البركان” وتطالب بتصحيح المسار ومحاسبة كل من تورط في الفساد وتحسين مستوى المعيشة، كما طالبت بعدم التفاوض مع “حفتر” وضرورة فتح الموانئ النفطية، إلا أن البعض خرج عن المسار وذهب إلى مقر إقامة “السراج” وحاصره حتى وقت متأخر من الليل دون أن تعترضه أية قوة أمنية.
والسؤال: هل يغير دخول مؤيدي “بركان الغضب” على قوة وسير الحراك؟ وما صحة أن بعض أعضاء الحكومة وبعض الأحزاب تستغل الحراك للضغط على “السراج” من أجل مكاسب سياسية؟

“تطور المطالب”
من جهته، أكد المتحدث باسم عملية “بركان الغضب”، مصطفى المجعي أن “مطالب الحراك مشروعة ومؤيدو “البركان” الذين شاركوا فيه هم مواطنون ليبيون يشعرون بما يشعر به غيرهم، وسيتفقون في أشياء وينقسمون حول أخرى، فقد شاهدنا بعضهم يشارك في الحراك وبعضهم يشكل حراكا آخر، ولو دمج الحراكان لربما أنتجا حراكا وطنيا فاعلا أكثر جدوى”.

وفي تصريحات خاصة لـ”عربي21″ أشار إلى أنه “لم تصدر أية تعليمات من غرفة عمليات البركان بخصوص الحراك، لكن على الحكومة أن تستفيد من هذا الأمر في تصديها للفساد والمفسدين، لكن شعار رحيل “السراج” ليس من أهداف الحراك -حسب ما هو معلن على الأقل”، وفق رأيه.

“مصالح حفتر”

وحول وجود خطة لإسقاط “السراج” من قبل ساسة أو مسؤولين، قال “المجعي”: “وجود شخصيات في الحكومة تحرك الجموع ليس مستحيلا، لكن لا مؤشرات عليه حتى الآن، ولكن إذا نظرنا إلى المآلات، فهناك أطراف كثيرة ستستفيد من إسقاط السراج والرئاسي وحكومته، أولها حفتر، وشخصيات وتيارات وأطراف سياسية سعت للإطاحة به من قبل وسوقت نفسها بديلا عنه، وربما أطراف سياسية أخرى غير ظاهرة”.

وتابع: “إذا لم يجنح الحراك نحو العنف، فإن الإصلاحات داخل الحكومة في طور الإنجاز، وقد تُهدئ الخواطر قليلا، وتبقى خطوات مكملة تتخذها الحكومة الجديدة، أما إن توقفت عجلة الإصلاح فلا أحد يدري إلى أين ستسير الأمور، خاصة مع استغلال من قبل “حفتر والإمارات” للحراك السلمي وتحويله إلى فوضى”، كما قال.

“رحيل غير وارد”

في حين أشار عضو مجلس الدولة الليبي، عادل كرموس إلى أن “الوضع في ليبيا استثنائي جاء نتيجة الاتفاق السياسي وبالتالي فإن مسألة استقالة “السراج” غير واردة ولا أعتقد أنه سيقدم على هذه الخطوة لخطورتها وما يترتب عليها من فراغ سيؤدي إلى الفوضى والخراب أكثر مما هو موجود”.

وأضاف في تصريحه لـ”عربي21″ أن “الفوضى تأتي كون البديل للسراج يحتاج إلى توافق مجلسي الدولة والنواب وهو ما يعد صعبا في الفترة الحالية نظرا لتفتت “البرلمان”، لذا أعتقد أن الوطنيين سواء في القوة العسكرية أو القوة السياسية لن يؤيدو هذه الخطوة مهما كانت الظروف وأتمنى لتجاوز الأزمة أن يتولى “السراج” إجراء تعديل وزاري كامل يمتص غضب الشارع”، وفق مطالبته.

“تصفية حسابات”
الصحفي من الجنوب الليبي، موسى تيهو ساي رأى بدوره أن “المظاهرات في العاصمة وإن كانت تمثل وجها حضاريا إلا أن هناك أطرافا محلية ودولية كانت تنتظر أي نوع من الحراك الشعبي في المنطقة الغربية لاستغلاله سياسيا من أجل تصفية حسابات ومحاولة الإطاحة بالمجلس الرئاسي وبالتالي الإطاحة بالاتفاقية “التركية- الليبية” وهذه الأطراف لديها دعم “مخابراتي” قوي من قبل داعمي “حفتر”.
واستبعد خلال حديثه لـ”عربي21″ أن “يكون دخول المحسوبين على عملية “بركان الغضب” أو شخصيات مسؤولة دخولا “مسيسا” للإطاحة بالسراج كهدف وحيد، لكن الأوضاع المعيشية تستحق فعلا هذا الحراك، والسراج بإمكانه تغيير ذلك بعزل ومحاسبة الفاسدين وتفعيل الإدارات الحكومية كما ينبغي”.

_____________