Minbar Libya

بقلم أمر الله إيشلر

تتناول هذه الدراسة العلاقات التركية الليبية، ولأن العلاقات تستند إلى خلفية تاريخية عميقة فقد أشارت الدراسة إلى مراحل هذه العلاقة منذ عام 1551م.. كما تناولت سياسةَ تركيا تجاه ليبيا خلال ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م وبعدها، وركّزت على التطورات الأخيرة.

وأكّدت الدراسة دعم تركيا طوال جميع هذه المراحل الحلول السياسية، وحتى الاتفاق الأمني مع حكومة الوفاق جاء خدمة لهذا الغرض، وهو ما ظهرت آثاره في مؤتمر برلين الذي لم يكن لينعقد لو استطاع حفتر السيطرة على طرابلس.

الجزء الثاني

الثورة الليبية وموقف تركيا

عندما بدأت الثورة الليبية، كانت تركيا ترى في المرحلة الأولى، صعوبة ترك القذافي لليبيا، ومحو آثار النظام الحالي، إضافة إلى أنّ أخذ الآثار السلبية على أنقرة بالاعتبار، أعطت تركيا الأولوية لإنهاء الصراع عبر الإصلاحات، ونظرت إلى عملية سقوط النظام على أنها خطوة أخيرة.

وكان نظر تركيا لخيار عزل القذافي على أنه خيار سلبي، ولكن استعمال نظام القذافي السلاح ضد الشعب الأعزل في بنغازي واجدابيا وراس لانوف الذي أدى إلى مقتل العديد من الأشخاص ـ دفع تركيا إلى دعم قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1970. ومع دعم تركيا قرارات الأمم المتحدة الضرورية، فإن تركيا لم ترد المشاركة في المادة التي كانت تفتح الطريق لمحاكمة القذافي من قبل المحكمة الجنائية الدولية؟

وبذلك، أرادت تركيا منع القذافي من اتخاذ إجراءات أكثر صرامة من خلال إدراكه أنه لا يستطيع الهروب من محاكمته في المحكمة الجنائية الدولية، حتى لو قام بتسليم الإدارة من خلال تنفيذ الإصلاحات.

وبالفعل بدأت قوات القذافي، في مهاجمة الثوار بأسلحة ثقيلة بعد هذا القرار، في حين ارتفعت أعداد القتلى المدنيين وازداد الصراع، وتبين أن مخاوف تركيا لم تكن بدون أساس بشأن هذه المسألة.

مع قرار مجلس الأمن رقم 1970، ودخول الأحداث في ليبيا مرحلة جديدة مع بداية التدخل العسكري، وقرار استخدام القوة ضد نظام القذافي- صرحت تركيا أنها لا تريد تحول التدخل العسكري إلى احتلال، وأنها تريد العمل من خلال حماية المدنيين عبر قرار مجلس الأمن رقم 1973. وكان الإسهام المهم الذي قامت به تركيا مع بدء التدخل العسكري لتركيا هو دورها الرائد في إنشاء “مجموعة الإتصال حول ليبيا”.

ونتيجة للاتصالات التي قامت بها تركيا مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، إضافة للعمل مع حلف شمال الأطلسي – أُنشئت بنية سياسية، واستطاعت تركيا وضع شروطها في الإجتماع الأول الذي عقد في لندن.

ومهدت مجموعة الإتصال التي أُسست في اجتماع لندن الطريق لآليات التشاور السياسي للعمل والتدخل في العملية في ليبيا، بينما كانت تركيا سلبية تجاه التدخل العسكري، وعملت على حماية المدنيين، وضمان حضر توريد الأسلحة، وتسليم المساعدات الإنسانية إلى ليبيا، أذ ركزت جهودها الرئيسة على إنهاء الصراع.

منذ بداية الثورة في ليبيا، أعطت تركيا الأولوية لمنع تطور الأزمة الإنسانية، وأعربت عن قلقها من أن تضع الأعمال العدائية الدائمة التي قد تنشأ في وقت لاحق، ليبيا على حافة أزمة جديدة.

إعتبارا من يونيو 2011، وبعد التأكد من الحل لن يكون ممكنا مع نظام القذافي، وضعت أنقرة جميع الخيارات التي يوجد فيها استمرار القذافي على الرّف، واعترفت بالمجلس الوطني الإنتقالي ممثلا شرعيا لليبيا.

أنشأت تركيا الخطوط العريضة لسياستها وفقا للمطالب المشروعة للشعب، والتغيير السياسي الذي لا مفر منه من أجل ليبيا موحدة. ولم تكتف تركيا بالاعتراف بالإدارة الجديدة، بل أعلنت عن مساعدة من 300 مليون دولار للتغلب على الأزمة في ليبيا، وللإسهام في حل مشكلات الناس.

في 16 سبتمبر 2011، أي بعد الثورة الليبية بأشهر، زار وفد يضم العديد من الوزراء والبيروقراطيين، بقيادة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان – طرابلس وبنغازي، واجتمع بقادة المجلس الانتقالي الليبي، وعلى رأسهم مصطفى عبدالجليل ومحمود جبريل. ومع ذلك، بعد الاسبوع الأول من شهر نوفمبر 2011، زار وزير الاقتصاد ظفر تشاغلايان ليبيا بصحبة 225 من رجال الأعمال الأتراك، حيث ناقشوا الملفات التي يمكن لتركيا أن توفر من خلالها إسهاما في بناء ليبيا، وقد لخصت بعض العبارات التي كان يرددها المسؤولون الأتراك سياسة تركيا تجاه ليبيا بأفضل ما يكون: “يجب أن يقرر الشعب الليبي مصيره بنفسه، وأن يحدد الاحتياجات التي يريدها، ولنساعده نحن بعد ذلك”.

سياسة تركيا تجاه ليبيا بعد الثورة

وبعد ثورة فبراير بعام، أي في سنة 2012 تشكلت توقعات سياسية وآمال عالية في ليبيا، وكان التوجه العام لتركيا في عام 2013 هو دعم ليبيا في عملية إعادة الإعمار، والاستجابة لطلبات ليبيا. لقي المؤتمر الوطني العام الليبي، الذي وصل إلى السلطة في عام 2012 عن طريق الانتخابات – القبول من جميع الشرائح الاجتماعية.

وبعد دكتاتورية استمرت 42 عاما في ليبيا، وجدت بعض المعسكرات السياسية والبيروقراطية والجماعات المسلحة والهياكل القبلية التي ظهرت في عملية ما بعد الثورة جذورا للماضي، وجرّت البلاد إلى أزمة اندلعت في عام 2014.

وفي وسط الأزمة المتعمقة مع تدخل أطراف إقليمية، ضاع الكثير من الخطوات المطلوبة في مجالات إعادة هيكلة مؤسسات الدولة في البلاد، وتنشيط القطاع الخاص، واستمرار الإستثمارات في البنية التحتية، وخلق نظام سياسي ديمقراطي وتشاركي وإصلاح قطاع الأمن … إلخ.

في مايو 2014 دخلت السياسة الليبية فترة مختلفة عندما استعمُل العنف أداة، مع محاولة انقلاب حفتر، بدعم من مصر والإمارات، وفي هذه الفترة تجنبت تركيا أن تصبح طرفا في الصراع، ودافعت عن حلول تُُبنى على أساس التوافق الوطني، ومن خلال العملية السياسية.

بالرغم من أن عمليات خليفة حفتر جعلت رأسين للصراع السياسي في ليبيا، فقد وُجدت تركيا ضمن الجهود الساعية إلى حل الأزمة من خلال المصالحة الوطنية. ومع الانتخابات التي أجريت في يوليو 2014 في بيئة كان المناخ الاجتماع والسياسي والعسكري فيها متوترا للغاية – اجتمع مجلس النواب في طبرق، وشكلت إدارة ذات رأسين: أحدهما في طرابلس والآخر في طبرق.

ومع بدء عمل مجلس النواب بدأت الجهات الفاعلة الدولية في التشكيك في شرعية المؤتمر الوطني العام، وقد تشكلت حينها بيئة رأي فيها الخبراء في الشأن الليبي أنه يجب على الجهات الفاعلة الدولية أن تقود الطريق بين القوى المتصارعة التي تدّعي الشرعية في ليبيا للتوصل إلى اتفاق.

عندما كنت ممثلا خاصا في ليبيا التقيت في أول زيارة لي إلى ليبيا بإدارة مجلس طبرق، برئيس الوزراء عبدالله الثني الذي عينه مجلس طبرق، كما التقيت برئيس الوزراء الذي عينه المؤتمر الوطني العام. وأصبحت استراتيجية الحوار هذه بقيادة تركيا عملية محط اهتمام جميع الجهات الفاعلة الدولية المعتمدة، بما في ذلك وفد مجلس الأمم المتحدة إلى ليبيا الذي جمع كل الفرقاء في اجتماع واحد في المغرب.

وقد قال وزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو، في تصريح لوكالة الأناضول: “تركيا ليست طرفا في ليبيا، وهي تدعم الجهود المبذولة للحل عبر المسار السياسي، وتدعم جهود ليون”.

وبذلك كانت تركيا الدولة الأولى التي تُقدم على خطوات دعم عملية التفاوض بين الأطراف الليبيية، حيث دعمت جهود محادثات السلام التي بدأت تحت قيادة المبعوث الخاص الأمم المتحدة إلى ليبيا برناردينو ليون. وكما ذكر سابقا، ففي حين تردد مسؤولون الخاص الأمم المتحدة في اللقاء بنظرائهم من المؤتمر الوطني فقد بادرتُ شخصيا بصفتي ممثلا خاصا لتركيا إلى اللقاء بالمؤتمر الوطني العام، وكان هذا انعكاسا للموقف التركي بضرورة اللقاء مع جميع الأطراف في حل الأزمة.

وإضافة إلى ذلك، أجرت تركيا محادثات دبلوماسية مع الجهات الفاعلة الإقليمية التي يمكن أن تؤدي دورا نشطا في حل القضية الليبية في هذه المرحلة. وبصفتي ممثلا خاصا لتركيا، قمتُ بزيارة الجزائر في يناير 2015، وتبادلت وجهات النظر مع المسؤولين الجزائريين لحل القضية في ليبيا سياسيا.

بالرغم من كل التصريحات والجهود الإيجابية التي بذلتها تركيا قالت حكومة الثني المؤقتة المنبثقة عن مجلس طبرق في بيان لها إنها تخطط لاستبعاد الشركات التركية من العقود العامة.

من ناحية أخرى وجه مسؤولون عسكريون موالون لخليفة حفتر ومسؤولون سياسيون في مجلس طبرق ـ انتقادات ضد تركيا، مدعين أن تركيا تحاول أن تكون طرفا في ليبيا. وبناء على ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية تانجو بيلجيك في بيان أدلى به ردا على ذلك: “نتوقع من المسؤولين في الحكومة المؤقتة مراجعة مواقفهم غير المسؤولة، وتجنب التصريحات العدائية التي لا أساس لها من الصحة ضد بلدنا، من الطبيع أن نضطر إلى إتخاذ الإجراءات اللازمة إذا لم يتغير الموقف”.

وفي هذا الظرف، تعرضت سفينة شحن البضائع “تونا 1”، المملوكة لشركة تركية، تحت علم جزر كوك إلى هجمات صاروخية، وقد نفذت هذه الهجمات قيادة القوات الجوية التابعة لحفتر، وادُعى قائد القوات الجوية صقر الجروشي، في بيان حول هذا الموضوع أن السفينة التركية التي استهدفت لأنها انتهكت الشاطئ البحري الليبي، واستمرت في الإبحار بالرغم من التحذيرات. وردا على ذلك قال الرئيس أردوغان في بيانه حول الموضوع: “إن تركيا أدانت الحادث، لكن رد فعلنا كان سيختلف لو كانت السفينة تحمل العلم التركي”.

وقد بذلت تركيا جهودا دبلوماسية جادة للتغلب على الأزمة في ليبيا تحت قيادة المجلس الرئاسي، وحكومة الوفاق الوطني التي شكلت إطار عملية التفاوض التي تقودها الأمم المتحدة. وفي الوقت الذي اتّبعت تركيا سياسة رائدة في عملية الحوار من خلال البقاء على مسافة متساوية من الاطراف في ليبيا، أقدمت تركيا على خطوات إيجابية نحو اختتام المباحثات مع الجانب الليبي في المغرب تحت قيادة الأمم المتحدة.

وفي ديسمبر عام 2015، شارك وزير الخارجية التركي في اجتماع ليبيا الذي عقد في العاصمة الإيطالية روما، وفي وقت لاحق حضر حفل التوقيع في المغرب.

وعندما كان هناك شعور واضح بحملة حفتر في المنطقة الشرقية، لم يدعم مجلس طبرق والمجموعات من حوله حكومة الوفاق الوطني، في حين جمع 102 نائب توقيعات، وأعلنوا دعمهم لحكومة الوفاق الوطني، وقد رأيت بصفتي ممثلا خاصا، أن توقيع 102 عضو يشكل غالبية، وقلت: يجب قبول ذلك لكونه تصويتا بالثقة لحكومة الوفاق.

ومع ذلك، فإن حقيقة أن الوفد الليبي التابع للأمم المتحدة استند إلى قرار إدارة مجلس طبرق تحت تأثير حفتر بدلا من الاستناد إلى رأي غالبية النواب ـ قد عمق الأزمة في ليبيا، وتسبب في وصولها إلى ما وصلت إليه اليوم.

وإضافة إلى ذلك، أقنعت تركيا رئيس المؤتمر الوطني العام نوري أبو سهمين الذي كان معارضا لمحادثات الأمم المتحدة وللمجلس الرئاسي بأن هذه المحادثات إيجابية، وأخبرتُ نوري أو سهمين الذي زارني بعد المؤتمر في روما أن إعلان إدارة المؤتمر الوطني قبولها بأعضاء المجلس ودعوتهم إلى طرابلس للقيام بعملهم سيكون خطوة صائبة. وقد ذكرت أن الموقف الذي ستتخذه إدارة المؤتمر الوطني في هذا الاتجاه سيسهم إسهاما جادا في إرساء السلام والمصالحة في ليبيا.

من ناحية أخرى، بقيت تركيا التي استضافت في أوقات مختلفة العديد من النواب وممثلي القبائل توصي دائما بالحوار. وفي حين اتخذ نواب مجلس طبرق موقفا معقولا جدا في اللقاءات الثنائية، فقد اتخذوا موقفا مختلفا في الاجتماعات. ولا شك أن الاختلاف في موقف نواب مجلس طبرق في اللقاءات الثنائية والإجتماعات نتيجة طبيعية لبيئة الخوف التي خلقتها المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها حفتر.

وقد أظهرت تركيا أكثر من مرة أنها ليست طرفا في الأزمة من خلال دعوة رئيس مجلس طبرق عقيلة صالح إلى تركيا مرتين، وبالرغم من هذه الدعوات التي لم يستجب صالح لها فقد أبقى على المسافة من تركيا.

دعت تركيا إلى ضرورة تمهيد الطريق أمام السياسة المدنية في ليبيا. وبعد ذلك، حاول حفتر الذي جرّ البلاد إلى أزمة بمحاولته الانقلاب عام 2014، ومن خلال دعم مصر والإمارات له، وحاول أن يُظهر نفسه بوصفه حلا مطلقا. كان حفتر يحاول تحويل القوة التي اكتسبها باستخدام الأساليب العسكرية في المنطقة الشرقية إلى سلطة في جميع أنحاء ليبيا. في هذا الاتجاه كان حفتر يهدف إلى السيطرة على المجلس الرئاسي.

ومع هذا، ففي حين أن قسما من الناس يتبع حفتر في ليبيا، فإن المجموعة الكبرى تعدّه مجرم حرب، بل لا يمكنها تحمّل سماع اسمه. وفي هذا السياق، فإن تركيا تدافع عن حضورها جميع الأطراف والأسماء الليبية التي يمكن أن تتفق على حل شامل ومتكامل في ليبيا. ولأن تركيا ترى أن الدعم الذي يحصل عليه حفتر يأتي إلى حد كبير من مصر والإمارات فقد أعربت تركيا في مختلف المحافل إلى ضرورة الضغط على مصر والإمارات لوقف تدخلهما في الشؤون الداخلية لليبيا.

اتخذت تركيا خطوات مهمة من أجل حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها شعب ليبيا. وبالرغم من كل المخاوف الأمنية، ذهبت شركتان تركيتان إلى المنطقة، لاستكمال محطتي الطاقة اللتين لم ينته العمل فيهما. وتمشيا مع طلبات الأطراف الليبية أرسلت الخطوط الجوية التركية فرقها الفنية إلى ليبيا، لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة.

لسوء الحظ، لن تكتمل هذه المحاولة بسبب تهديد قائد سلاح الجو التابع لحفتر بضرب الطائرات التركية. وفي الوقت الذي لا تعمل فيه سفارة العديد من البلدان في طرابلس، فإن السفارة التركية تواصل عملها في العاصمة، ويقدم قسم القنصلية خدمة التأشيرات هناك.

البقية في الجزء الثالث

***

أمر الله إيشلر ـ هو نائب رئيس الوزراء التركيّ في حكومة رجب طيب أردوغان.

________________

المصدر: رؤية تركية ـ السنة 9 العدد الثاني