Minbar Libya

بقلم د. علي باكير

اتهم ممثل إسرائيل الدائم بالأمم المتحدة، داني دانون، طهران في رسالته إلى مجلس الأمن الدولي في مايو (أيار) الماضي، بإرسالها أسلحة إيرانية متطورة إلى الجنرال الليبي خليفة حفتر بطريقة غير شرعية، مستشهدًا بـ(صاروخ دهلاويه) أنظمة صواريخ مضادة للدبابات التي تستخدمها الميليشيات المرتبطة بقوات حفتر في ليبيا.

الجزء الأول

حول الدعم الإيراني لأحد أطراف الصراع الليبي، نشر «معهد وارسو» (مركز أبحاث جيوسياسي مقره بولندا) تقريرًا للمحلل السياسي المتخصص في الاتجاهات الجيوسياسية والأمنية في الشرق الأوسط، علي باكير، يتناول فيه الصلة التي تربط إيران بخليفة حفتر والدور الذي تلعبه طهران في ليبيا مباشرة أو عبر وسطاء.

في مستهل التقرير، يقول الكاتب: «في إشارة إلى التورط الإيراني في ليبيا، ودليلًا إضافيًا على طموحات النظام الإيراني لفرض نفوذه الإقليمي، أكد السفير الإسرائيلي أن وجود أسلحة إيرانية في ليبيا يُعد انتهاكًا خطيرًا لقرار مجلس الأمن 2231 عام 2015م، الذي تمنع مادته 6 توريد الأسلحة أو المعدات الإيرانية أو بيعها أو نقلها».

في المقابل، شكك الخبراء الإيرانيون في تصريح دانون لأنه صادر من سفير إسرائيلي، ما يطعن في مصداقية المعلومات وصحتها، زاعمين أن طهران لا يُمكنها دعم حفتر المدعوم من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، أو تكون في المعسكر نفسه مع هذه الدول الخليجية؛ لأن مثل هذا الارتباط سيؤدي إلى زيادة النفوذ الإقليمي لخصوم طهران.

وأكدوا أن إيران ليست طرفًا فيما يحدث في ليبيا؛ لأن التورط في النزاع الليبي لا يتناسب مع أجندة طهران الأيديولوجية، ولا خططها الجيوسياسية طويلة الأمد، على اعتبار أن تورط إيران الواسع في منطقة الشرق الأوسط يجعل تورطها في ليبيا شبه مستحيل حتى لو أرادت التدخل.

لكن الكاتب يرى أن هذا الطرح تعتريه عيوب خطيرة؛ لا سيما فيما يتعلق بالسياق التاريخي للعلاقات الإيرانية- الليبية، وتشابك السياسات الخارجية لإيران، وعملياتها السرية، وأخيرًا السلوك الميكافيلي الذي لطالما تبنته: الغاية تبرر الوسيلة.

الخميني الإيراني والقذافي الليبي

إن التباعد الجغرافي بين البلدين يُولد انطباعًا بأن طرابلس ليست مهمة لإيران، أو لا يمكنها تحقيق أجندتها الإقليمية، ومع ذلك يلفت الكاتب إلى أن العلاقات بين البلدين في عهد المرشد الأعلى آية الله الخميني ومعمر القذافي تروي قصة مختلفة تمامًا؛ إذ لعب القذافي دورًا حاسمًا في دعم نظام الخميني سياسيًّا وعسكريًّا، خلال الحرب العراقية- الإيرانية.

وفي فترة ما بعد الحرب الإيرانية- العراقية، شهدت العلاقات بين ليبيا وإيران تعاونًا اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا مكثفًا، كما تعاونا في مجال تكنولوجيا الصواريخ؛ إذ وافقت إيران، بحسب ما ورد – في التسعينيات ومطلع القرن الحادي والعشرين – على تقديم المساعدة الفنية لبرنامجي القذافي لامتلاك الصواريخ الباليستية والصاروخ الباليستي متوسط المدى، نظير ملايين الدولارات رسومًا سنوية.

وأوضح التقرير أن هذه التطورات حدثت برغم اتهام إيران وحلفائها الإقليميين للقذافي بإصدار أمر بقتل الزعيم الديني الشيعي موسى الصدر، والمختفي أثناء زيارته إلى ليبيا عام 1978م، ورفضت وزارة الخارجية الإيرانية مطالب العثور عليه حينئذ؛ لأن السلطات الإيرانية «لم ترغب في التضحية بالعلاقات السياسية لأجل العلاقات الأسرية».

ومع اندلاع الثورة الليبية في عام 2011م، أفادت التقارير بأن بشار الأسد، حليف طهران الرئيس، أرسل دعمًا عسكريًّا للقذافي، وهذا ما نفاه الأسد. ومع سقوط نظام القذافي، عُثر في ليبيا على مئات القذائف المزودة بمكونات كيميائية، يُعتقد أن إيران زودت نظام القذافي بها.

محور إيران– الأسد– روسيا

وانتقل التقرير إلى مرحلة ما بعد إطاحة القذافي؛ إذ دخلت ليبيا في حالة من الاضطراب حتى إبرام «اتفاق الصخيرات» بين الأطراف الليبية المتنازعة في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015م تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة، والتي تمخضت عن تكوين ثلاث هيئات: المجلس الرئاسي، والمجلس الأعلى للدولة، وحكومة الوفاق الوطني، والتي اعترف بها مجلس الأمن الدولي بوصفها السلطة التنفيذية الشرعية الوحيدة.

وبرغم الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق، رفضت إيران الاعتراف بها بحجة افتقارها لدعم برلمان طبرق، الذي شكَّل حكومة منافسة لاحقًا ويدعم حفتر، ما أدى إلى انقسام القوى الليبية إلى قوات حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.

أما العامل الآخر الذي حدد موقف إيران السلبي تجاه حكومة الوفاق فهو أن طهران تنظر إليها على أنها أداة أمريكية؛ إذ شنت قوات حكومة الوفاق، في نهاية عام 2016م، بدعم من أمريكا وبريطانيا وإيطاليا عملية عسكرية ضد وجود داعش الأخير في مدينة سرت، بينما كان حفتر يركز على تعزيز قوته في شرق البلاد بمهاجمة الموانئ وحقول النفط، والسيطرة على المزيد من الأراضي.

وتابع الكاتب «في عام 2019م، قاد حفتر حملة عسكرية ضد طرابلس مدعومًا من الإمارات، والسعودية، ومصر، وفرنسا، وروسيا لإطاحة حكومة الوفاق، وفي ذلك الوقت حاول المحور الإماراتي السعودي الترويج لرواية مزيفة بأن إيران تدعم حكومة الوفاق؛ لإقناع الغرب بزيادة دعم حفتر في مهمته المزعومة ضد الإسلاميين والمتطرفين».

وعندما فشل حفتر في الاستيلاء على طرابلس وإطاحة حكومة الوفاق، تلقَّى دعمًا إضافيًّا في بداية عام 2020م من روسيا ونظام الأسد، وكلاهما حليفان لإيران، ومع توسيع دمشق وموسكو مشاركتهما لدعم حفتر في الصراع الليبي، ظهرت أدلة إضافية على دور إيران في ليبيا.

وبرغم أن النسيج الاجتماعي والديني في ليبيا لا يسمح لإيران بالتسلل إليها بسهولة، كما تفعل في الخليج أو بلاد الشام، فإن ما يجعل الأمر أسهل لإيران أنه لا يتعين عليها لعب دور علني ومباشر وفعال في ليبيا، وبدلًا من ذلك يمكن أن تلعب دورًا سريًّا وغير مباشر من خلال حلفائها، وخاصة نظام الأسد وروسيا، سواء بنقل أسلحة إيرانية أو تقديم والدعم العسكري، أو من خلال التجارة غير المشروعة وأشباهها من الوسائل.

ودلل التقرير على هذا بالقول «كان نظام الأسد يرسل أحيانًا السفن إلى بنغازي في ليبيا عبر ميناء اللاذقية الخاضع لسيطرة الحرس الثوري الإيراني، وبالمثل أرسلت روسيا طائرات مقاتلة إلى حفتر بعد توقفها في قاعدة همدان الجوية الإيرانية وقاعدة حميميم الجوية في سوريا».

وبينما يصر بعض النقاد على أن إيران لن يجمعها معسكر واحد مع الإمارات، فإن الافتراض الأكثر مصداقية وأمانًا أن طهران لن تقف في ليبيا ضد حليفها الأساسي طويل الأمد، وهو نظام الأسد، ناهيك عن روسيا. وحقيقة أن الإمارات تدعم الأسد في سوريا هي بحد ذاتها دليل على إمكانية وجود إيران في معسكر واحد مع الإمارات والسعودية إذا اقتضت مصلحتها ذلك.

وأيضًا تتشارك إيران والأسد والإمارات والسعودية وحتى مصر هدفًا واحدًا، وهو مواجهة تركيا إقليميًّا، ويبدو أن الرغبة في مواجهة أنقرة أقوى من أي عداوة صورية بين الإمارات وإيران.

التنافس المحموم مع تركيا

وأشار التقرير إلى أن إيران كانت تراقب الدور الإقليمي التركي ونفوذها المتصاعد في سوريا. ومع أن إيران عضو في الوضع ثلاثي الأطراف داخل سوريا مع تركيا وروسيا، تميل أنقرة إلى تجاهل طهران كلما استجد مأزق حرج في سوريا يتعين معالجته؛ إذ تنسق تركيا عادة مع روسيا في اجتماعات ثنائية رفيعة المستوى مستبعدة إيران، وهذا يبرز طهران لاعبًا أدنى درجة؛ ونتيجة لذلك تشعر بازدراء تركيا لها.

وفي مارس (آذار) الماضي، شنت تركيا عملية «درع الربيع» العسكرية في سوريا؛ ما أدى إلى خسائر فادحة لنظام الأسد والميليشيات الموالية لإيران؛ إذ قتلت غارة تركية في هجوم واحد بطائرة مسيرة أكثر من 50 من الميليشيات الموالية لإيران، بعضهم أعضاء في الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، ولوائي فاطميون وزينبيون.

استشاطت إيران غضبًا؛ فأصدرت تهديدًا مستترًا لأنقرة عن طريق «المركز الاستشاري العسكري» في شمال سوريا، والذي هدد في بيانه المنشور في وكالة «فارس نيوز» الإيرانية بأن القواعد العسكرية التركية في سوريا دائمًا في متناولهم، لكنهم امتنعوا عن استهدافها.

وكشف البيان عن أنهم أرسلوا وسطاء لوقف القصف التركي لكن أنقرة تجاهلتهم واستمرت في ضربهم بقوة؛ ما أجبر طهران على البحث عن وسائل جديدة لكبح جماح تركيا ومعادلة النتائج معها، وكان أن زاد النظام السوري والإيراني كثيرًا من مشاركتهما الداعمة لحفتر في ليبيا.

البقية في الجزء الثاني

***

الدكتور علي باكير – محلل سياسي متخصص في الاتجاهات الجيوسياسية والأمنية في الشرق الأوسط مع التركيز بشكل خاص على تركيا وإيران ودول الخليج العربي. يتمتع الدكتور بكير بخبرة تزيد عن عشر سنوات كمستشار – حيث عمل مع كبار المسؤولين وصناع القرار وأصحاب المصلحة الآخرين في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص في جميع أنحاء المنطقة.

___________

معهد وارسو