Minbar Libya

بقلم أمر الله إيشلر

تتناول هذه الدراسة العلاقات التركية الليبية، ولأن العلاقات تستند إلى خلفية تاريخية عميقة فقد أشارت الدراسة إلى مراحل هذه العلاقة منذ عام 1551م.. كما تناولت سياسةَ تركيا تجاه ليبيا خلال ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م وبعدها، وركّزت على التطورات الأخيرة.

وأكّدت الدراسة دعم تركيا طوال جميع هذه المراحل الحلول السياسية، وحتى الاتفاق الأمني مع حكومة الوفاق جاء خدمة لهذا الغرض، وهو ما ظهرت آثاره في مؤتمر برلين الذي لم يكن لينعقد لو استطاع حفتر السيطرة على طرابلس.

الجزء الثالث

السياسة التركية بعد عملية 4 أبريل/نيسان 2019

كما قوض حفتر عمليات التفاوض التي قادتها الأمم المتحدة فقد عوّق تنفيذ مقترحات الحل السياسي التي ظهرت، وأصر على الطريقة العسكرية. وقد حذرت تركيا المجتمع الدولي من هذا الموقف الذي اتخذه حفتر، ودعت إلى توفير أرضية لحل سياسي من خلال اتخاذ التدابير اللازمة.

منع حفتر مجلس طبرق من توقيع الاتفاقية السياسية الليبية، وواصل هجماته ضد الحكومة الشرعية في 2017 و 2018 و 2019. في جميع تصريحاته تقريبا أوضح حفتر أنه يهدف إلى دخول طرابلس بالقوة، وأنه لن يكون جزءا من العمليات السياسية. وعندما يُنظر في مسار عملياته، ستبين بوضوح أنها كانت تهدف منذ البداية إلى مهاجمة طرابلس.

وبالرغم من ذلك، بقيت الجهات الفاعلة والمؤسسات الدولية صامتة ضد هجمات حفتر، وحاولت تحويله إلى فاعل سياسي، وكانت تركيا تؤكد في كل المحافل أن التعامل مع حفتر بوصفه فاعلا، ومخاطبا سياسيا، واستضافته في العواصم العالمية بدون اتخاذ التدابير اللازمة ضد هجماته – خطأ، وأن تهيئة بيئة صحية للمباحثات تتطلب إنهاء الصراع.

هاجم حفتر طرابلس في 4 أبريل 2019، بعد أن قام بكل الاستعدادات الضرورية، وعبر عن ذلك بوضوح أمام أعين العالم، وفيما بقى العالم كله صامتا أمام هذا العمل غير المشروع قامت تركيا بتقديم الدعم اللازم لحكومة الوفاق.

كان هجوم حفتر في 4 أبريل 2019، يشير إلى أنه طالما استمر الدعم بالسلاح لحفتر، مع صمت المجتمع الدولي، في الوقت الذي لا تحصل حكومة الوفاق على الدعم الكافي – فسوف يستمر حفتر في الإصرار على حلّه العسكري.

وبالرغم من أن حكومة الوفاق الوطني تدعو إلى التعاون مع جميع دول العالم في مواجهة الهجمات غير القانونية التي بدأها حفتر، إلا أن الجهات الفاعلة العالمية ومجلس الأمن فضّلا الصمت.

ومن خلال إدراك تركيا خطورة الوضع على حكومة الوفاق الوطني مع تقدم حفتر على الأرض، وتراجع أفق أي حلّ سياسي – قررت تركيا تغيير التوازن العسكري على الأرض لمصلحة حكومة الوفاق. وفي هذا الصدد وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني مذكرتي تفاهم في 27 نوفمبر 2019، ووافق البرلمان التركي على مذكرات التفاهم هذه بين 5-12 ديسمبر، ودخلت حيز التنفي. وبناء عليها، منح البرلمان التركي الرئاسة التريكية في 2 يناير 2020 تفويضا بإرسام قوات الجيش إلى ليبيا.

في إطار هذا الاتفاق، ازداد التعاون بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في مجال الدفاع والأمن، رغبة في إعداد البيئة الملائمة للتوصل إلى حل سياسي. تضمنت مذكرتا التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق العديد من العناوين الفرعية التي تعزز التعاون في إطار شامل في المسائل العسكرية والأمنية.

ويشمل الاتفاق تدريب تركيا الجانب الليبي، ونقل الخيرات إليه، وكذلك التخطيط، والدعم المادي، والتوجيه، وتأسيس مكتب التعاون الأمني في حال الطلب، وتنفيذ أعمال الصيانة، ودعم الموانئ، والدعم الاستشاري في عدة مجالات، كتوفير المباني، وتخصيص الأراضي، كما شمل الاتفاق تبادل المعرفة والخبرة حول التشارك في التدريبات، والبحوث التكنولوجية والأمنية.

أدّى إبرام التعاون بين حكومة الوفاق الوطني وتركيا إلى السماح بإجراء المحادثات في برلين وجعله أمرا واقعيا. ولو لم يحدث التعاون بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني لكان المجتمع الدولي يناقش مشروعية دخول حفتر لطرابلس تحت تهديد السلاح، لأن حفتر كان سيجعل الجميع يعتقدون أنه سيكون ناجحا تحت تهديد السلاح.

ومع ذلك، ونتيجة للتعاون المذكور، نوقشت كيفية تحقيق وقف إطلاق النار في ليبيا في برلين، وكيفية تشكيل إجماع سياسي، وكيفية إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية في ليبيا، وطُرحت خريطة طريق في إعلان برلين، وقد يكون هذا الإعلان خريطة طريق لإنهاء الأزمة، وإعادة بناء ليبيا – إذا وُفرت الظروف المناسبة والعمل بدقة لتنفيذها.

ومع ذلك كان حفتر يؤكد أنه لا يفضّل الحل السياسي في كل فرصة، وذكر حفتر أنه لن يعترف بهذا الإعلان، وعبر عن إصراره على دخول طرابلس بالسلاح. وإزاء هذا فإن تركيا وحليفتها حكومة الوفاق الوطني، ستعملان دائما على مواصلة التعاون اللازم، لخلق بيئة أمنية تمكّن من الحل السياسي.

تفرض العلاقات التاريخية بين تركيا وليبيا شعورا عميقا بالمسؤولية في السياسة التركية تجاه ليبيا، لذلك تتميز تركيا عن الجهات الفاعلة الأخرى بوصفها فاعلا بناء.

من الطبيعي أن تكون العلاقات بين البلدين على أساس الصداقة والمصلحة المتبادلة، حيث تمتلك العلاقات الثنائية تاريخا مشتركا يبلغ خمس مئة عام، وذاكرة اجتماعية في ذات الحضارة والحاضنة الثقافية، وعلاقات قرابة، لذلك فإن تركيا، كرّست دائما جهودا جادة لحل الأزمة عبر الطريق السياسي، سواء في إثناء الثورة عام 2011، أم بعدها في عام 2014، أم في دعم جهود الأمم المتحدة.

دعمت تركيا المؤسسات الليبية الناشئة عن الاتفاق السياسي في نهاية عام 2015، ووجهت الدعوات اللازمة للمجتمع الدولي لإزالة العقبات التي تعترض تنفيذ الاتفاقية الليبية الوطنية. ولم تتخذ تركيا أي خطوات سوى دعم مبادرات المجتمع الدولي، حتى وصل حفتر إلى أبواب طرابلس، وحاول مصادرة حكومة البلاد تحت تهديد السلاح. لكن المجتمع الدولي ظل صامتا في وجه هذا الهجوم غير القانوني، على أنه أمر واقع.

رأت تركيا أن سياسة الأمر الواقع هذه ستقود ليبيا إلى أزمة عميقة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وأنها لا تخدم شعب ليبيا بقدر ما تخدم مصالح بعض الأطراف الخارجية، ولهذا قررت تركيا الوقوف خلف حكومة الوفاق الوطني التي وقفت هي الأخرى بجانب تركيا في معادلة الطاقة في شرق البحرالمتوسط.

إن العمل بفاعلية بناءة يستوجب الالتزام بالاتفاقات والقانون الدولي، والحدود الشرعية، ولذلك فإن تركيا وإيمانا منها بضرورة وأولوية الحل السياسي فضّلت هذا العمل مع حكومة الوفاق الوطني.

يمكن التوصل إلى الحل السياسي للأزمة الليبية بتغيير الموازين العسكرية في الميدان لمصلحة حكومة الوفاق الوطني. وكل التفسيرات والمحاولات الأخرى ليست واقعية، لأنه عندما جرى فحص الطريقة التي اتبعها حفتر بعناية من مايو 2014 حتى يومنا هذا، كان من الواضح أن تمكنه من إحراز تقدم في هذا المجال هو الذي جعله يرفض مقترحات الحلي السياسي، ويمنعه من محاولات تنفيذه.

علاوة على ذلك، لوحظ أن داعمي حفتر كانوا يحاولون تحويل تقدمه في الميدان إلى مكاسب سياسية، وحاولوا جعله مخاطبا سياسيا، خلافا للاتفاق الذي تُوصِّل إليه في نهاية عام 2015، بناء على التقدم غير القانوني الذي حققه في عام 2016 والسنوات التالية له.

ومع تقدم حفتر على الأرض وإضفاء الشرعية عليه من مؤيديه فرغت جهود الأمم المتحدة من مضمونها، وأهدرت كل خطوة اتُّخذت لحل سياسي. وفي هذا الصدد، كانت استجابة تركيا لطلب حكومة الوفاق الوطني من أجل جعل التوصل إلى حل سياسي أمرا ممكنا، ولذلك كان العسكري والأمني مع حكومة الوفاق الوطني في هذا المجال لتغيير التوازن العسكري في مصلحتها.

تمر أزمة ليبيا بفترة صعبة للغاية، ومع ذلك يمكن بناء ليبيا مدنية وديمقراطية باستراتيجية متعددة الأبعاد، تخدم الحل السياسي في الميدان، وعلى الطاولة. وعندما تُضبَط التوازنات العسكرية في الميدان ستتوفر بيئة مناسبة للتوصل إلى حل سياسي، ولهذا فإن تركيا ستدعم الجهود الليبية لبناء ليبيا المدنية الديمقراطية، وستواصل الوقوف إلى جانب الشعب الليبي والدولة الليبية في جميع العمليات، من خلال دعم الإصلاحات التي عبر عنها إعلان برلين في قطاع الأمن الشامل، والإدارة العامة، والإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

***

أمر الله إيشلر ـ هو نائب رئيس الوزراء التركيّ في حكومة رجب طيب أردوغان

________________

المصدر: رؤية تركية ـ السنة 9 العدد الثاني