Minbar Libya

بقلم عماد قدورة

تعد تركيا دولةً بحريةً، ليس من منظور جغرافي يتعلق بموقعها على سواحل طويلة فحسب، وإنما أيضًا من منظور تاريخي ممتد ارتبط بسياسات وممارسات بحرية، وبخاصة في القرنين السادس والسابع عشر، أدت إلى الهيمنة على البحار الواقعة عليها، مثل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، وإلى وجودٍ فاعلٍ في البحر الأحمر والخليج العربي، فضلًا عن الانخراط بتأمين الطريق البحرية التجارية إلى سواحل الهند.

الجزء الثالث

ثانيا: التدخل العسكري في ليبيا

يعد الاتفاق العسكري والأمني مع ليبيا جزءا أساسيا من السياسة البحرية التركية الجديدة وامتدادا ضروريا لها. كما أنه يعبر عن التحول في السياسة الخارجية القائمة، في جزء أساسي منها، على سياسة القوة وإظهارها، وعن تحد لقوى دولية وإقليمية.

ويمكن توضيح ذلك من خلال التالي: 1 ـ الأهمية التي يمثلها هذا التدخل لتركيا، 2 ـ والسياق الذي أتاح هذا التدخل، 3 ـ ومواقف القوى الدولية والإقليمية الأساسية المتضررة من هذا التدخل وتداعياته المحتملة عليها، والسياسة التركية إزاءها.

أـ أهمية التدخل لتركيا

يمكن توضيح الأهمية التي يمثلها التدخل العسكري في ليبيا بالنسبة إلى أنقرة وسياساتها البحرية، وكذلك التحول ألذي أحدثه هذا التدخل في سياساتها الخارجية، من خلال النقاط التالية:

ـ تمثل ليبيا صلة الوصل الضرورية والشرعية التي تحتاج إليها أنقرة لسياساتها البحرية الجديدة، فمن دون الاتفاقيتين الرسميتن مع ليبيا على ترسيم الحدود البحرية وطلب المساعدة العسكرية، لا تستطيع تركيا أن تبقي قواتها في أعالي البحار، ولا أن تمد نفوذها نحو عمق المتوسط. وهكذا، يمثل دعم حكومة الوفاق الوطني ومجلس الدولة الليبي أهمية لإستمرار الولاية القضائية التركية على حدودها البحرية الجديدة.

ومن أجل ضمان استمرار عمل الحكومات الليبية مستقبلا بالاتفاقية البحرية، وتأمين تصديق أول برلمان ليبي موحد جديد ما بعد استقرار البلاد، تعمل تركيا على دعم حكومة الوفاق لتحقيق تقدم عسكري حاسم يزيد القوة التفاوضية لهذه الحكومة في أي تسوية سياسية ويزيد ثقل ممثليها في الدولة الليبية مستقبلا.

ومن دون هذا الدعم أو التدخل، قد يتقدم نفوذ الأطراف المحلية الليبية المعادية لتركيا والقوى الإقليمية المنافسة. ما يهدد المصالح التركية في ليبيا ووجودها البحري في المتوسط.

ـ التدخل العسكري في ليبيا هو الأكثر تعبيرا عن التحول الجوهري في السياسة الخارجية التركية، وتهتم أنقرة بإظهاره للدفاع عن المصالح في الخارج، وعن الحلفاء في مواجهة المنافسين، وهو سلوك عسكري عابر للحدود يحتاج إلى قوة إقليمية كبيرة ذات قدرات عسكرية ذاتية وسلسلة أمداد، ودعم اقتصادي، وحضور دبلوماسي دولي وإقليمي للمواجهة أو المفاوضة.

ـ يمثل التدخل في ليبيا تحديا لقوى دولية كبرى، مثل فرنسا وروسيا، وباستخدام القوة العسكرية ضد مصالحهما. وهذه هي المرة الأولى، منذ تأسيس الجمهورية، التي تتجاوز فيها القوات التركية بمفردها المناطق الحدودية وتدخل في صراع ضد دول كبرى.

ـ يمثل التدخل التركي في ليبيا تحديا لمصر، وربما ردا على القاهرة في تقويض السياسة والمصالح التركية، فبعد تحالفها مع الإمارات والسعودية لمواجهة تركيا وقطر في المنطقة العربية، وتحالفها مع اليونان وقبرص وإسرائيل لحصر أنقرة في شريط بحري ضيق وتهميشها في مشاريع الطاقة في شرق المتوسط، يتيح هذا التدخل وصول نفوذ تركيا إلى الحدود المصرية المباشرة، وقد يشكل تهديدا لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذ دشن تلك السياسات المعادية لأنقرة.

ب ـ سياق قرار التدخل في ليبيا

في الواقع، تعتبر ليبيا ساحة معركة محلية وصراع إقليمي ودولي منذ إطاحة القذافي في عام 2011. ومن اللافت أن الصراع بدأ بعد أن أجريت سلسلة من الإجراءات الديمقراطية التي كانت واعدة.

ففي تموز/ يوليو 2012، عقدت البلاد أول انتخابات عامة لانتخاب المؤتمر الوطني العام، وفي شباط/ فبراير 2014، أجريت انتخابات عامة لاختيار الجمعية التأسيسية المكومة من 200 مقعد لإعداد دستور جديد.

وفي حزيران/ يونيو 2014، أجريت انتخابات عامة مرة أخرى لانتخاب مجلس النواب. وقد حاولت السلطات الليبية الجديدة إعادة بناء القوات المسلحة، لكن معظم الثوار على القذافي اعتبروا الجيش السابق منظمة سيئة السمعة بسبب ارتباطها بالنظام القديم. ومنذ آب/ أغسطس 2014، انخرطت الأطراف السياسية المتنافسة في صراع لفرض هيمنتها على الحياة السياسة.

وبعد الانقسام بين مجلس النواب في طبرق والمؤتمر الوطني العام في طرابلس، وبصرف النظر عن تفاصيل ادعاء الشرعية، انضمت الأطراف المتنازعة لمحادثات السلام تحت رعاية المبعوث الخاص للأمم المتحدة برناردينو ليون. لكن لك تُقدَّم تنازلات كافية لإنجاح الحوار، كما كان القرار السياسي متأثرا بالقوى الفاعلية الموجودة على الأرض والتي كانت تسيطر على المؤسسات الضعيفة.

ومع ذلك نجح مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، مارتن كوبلر، في مواصلة المفوضات في مدينة الصخيرات في المغرب، وتوصلت الأطراف إلى أتفاق في كانون الأول/ ديسمبر 2015 على توحيد السلطة التنفيذية في حكومة واحدة، والتشريع في برلمان واحد، وتوحيد الجيش، وإنشاء مجلس أعلى للدولة في طرابلس يتألف من رئيس ونائبين ومقرر.

وحدّد الملحق الأول للإتفاقية السياسية الليبية تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة عضو مجلس النواب في طرابلس، فايز السراج، وحاز الاتفاق والحكومة على اعتراف الأمم المتحدة.

لكن الصراع العسكري تعاظم بعد الإتفاق، كما تزايد النزاع على الشرعية. وغذى الصراع المحلي تنافس إقليمي أوسع بين داعمي الثورات العربية والتحول الديمقراطي، مثل تركيا وقطر، وبين المناوئين لهذه الثورات، مثل السعودية والإمارات ومصر.

وقد دخّل الصراع مرحلة حرجة مع بدء الجنرال خليفة حفتر – قائد ما يعرف بالجيش الوطني الليبي الذ يستند إلى دعم مجلس النواب في طبرق – هجوما شاملا على العاصمة طرابلس في نيسان/ أبريل 2019 لإنهاء وجود حكومة الوفاق ومجلس الرئاسة الليبي، وحسم الأزمة عسكريا.

ومع نجاح قوات حفتر في الوصول إلى محيط العاصمة طرابلس وقصفها باستمرار، حاول الرئيس أردوغان تحديد الأطراف المسؤولة عن تفاقم الوضع في ليبيا، وأشار إلى أن التحديات التي تواجه البلاد تنبع من الدول التي تدعم الجنرال حفتر، بينما اعتبر بلاده تسعى “لمساعدة ليبيا على عدم الفشل”.

وألمح إلى أن تركيا ستتدخل لإنقاذ الحكومة الليبية التي “تواجه دكتاتورا تدعمه بعض الدول العربية”. وأن تركيا “ستقف بحزم مع إخوانها الليبيين كما فعلت في الماضي، وستبذل كل إمكاناتها لإحباط الجهود لتحويل ليبيا إلى سوريا جديدة”.

جاء قرار تركيا بالتدخل بعد أن بدأت قوات حفتر بتهديد بقاء حكومة الوفاق في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. فالدعم الذي قدمته أنقرة سابقا لم يكن كافيا لصد الهجوم، ومنه مثلا، بحسب تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، إرسال ضباط وسفن محملة بالاسلحة والمعدات العسكرية والدفاعات الجوية إلى طرابلس لحمايتها، فضلا عن ناقلات جند مدرعة من طراز كيربي وطائرات مسيرة مقاتلة من طراز “بيرقدار” المصنوعة في تركيا.

أدى هذا الدعم التركي إلى إبطاء تقدم قوات حفتر، وسمح لقوات حكومة الوفاق باستعادة بعض المناطق التي خسرتها عند اندلاع الحرب الأخيرة، لكنه لم يوقف الحرب أو يبعد قوات حفتر عن محيط طرابلس وبعض مدن الغرب الليبي.

لذلك، بدأت أنقرة بالتهيئة لتدخل واسع ورسمي يؤسس لوجود مستقبلي علني، إذ ذهب المسؤولون الأتراك إلى أن “هذه الوقائع على الأرض” والطلب الرسمي الذين قدمته حكومة الوفاق طلبا للمساعدة هي التي دفعتهم إلى اتخاذ القرار بالتدخل العسكري.

وفور تصديق البرلمان التركي على الاتفاقيتين البحرية والعسكرية مع ليبيا، في 2 كانون الثاني/ يناير 2020، بدأ الجيش التركي بتجهيز مركز عمليات وتدريب عسكري داخل ليبيا تمهيدا للإشراف على المساعدات المقدمة لحكومة الوفاق. وهو المركز الذي يتوقع أن يتطور تدريجيا ليصبح قاعدة عسكرية تركية.

بعد أن فشل مؤتمر برلين حول ليبيا، الذي عقد في 10 كانون الثاني/ يناير 2020 بمبادرة ألمانية، في إلزام جميع الأطراف بوقف إطلاق النار وإلزام القوى الداعمة بوقف التسليح، وبعد استمرار قوات حفتر قصف طرابلس وتهديدها بالإجتياح، بدأت تركيا التجهيز لنقل مساعدات عسكرية كبيرة وأنظمة دفاع جوي وطائرات مسيرة إلى حكومة الوفاق ومركز العمليات التركي.

وشرعت في أيار/ مايو 2020 بحملة جوية كثيفة استهدفت قواعد حفتر وخطوط إمداده وقواعده، ما أسفر عن انتصارات عسكرية متسارعة، استعادت حكومة الوفاق على أثرها مدن الغرب الليبي كاملة، ومحيط طرابلس ومطار طرابلس الدولي، وقاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية، ومدينة ترهونة، ووصلت حدود مدينة سرت وقاعدة الجفرة ذات الأهمية الاستراتيجية.

البقية في الجزء الرابع

***

عماد قدورة ـ مدير قسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عمل باحثًا ومحرر أول في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وباحثًا في مركز دراسات الشرق الأوسط، والمركز العلمي للدراسات السياسية . تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية، والدراسات التركية.
____________

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات