Minbar Libya

القصة الكاملة للصراع على أكبر بحيرة غاز طبيعي في العالم بين 9 دول في شرق المتوسط والتدخلات الخارجية واحتمالات التصعيد.

الجزء الأول

وسط عواصف وخلافات الغاز التي تهب على شرق المتوسط، سارت سفينة التنقيب ببطء في اتجاه الجنوب الغربي مطلع أغسطس/آب 2020.

السفينة التركية أوروتش رئيس متخصصة في المسح الزلزالي والتنقيب عن الغاز والنفط.

أبحرت من ولاية أنطاليا على ساحل المتوسط، في حراسة شقيقتيها الحربيتين أتامان وجنكيز خان. كانت وجهتها مناطق متواجهة لسواحل جزيرة قبرص. وأثارت الرحلة عاصفة من التغطيات الإعلامية، والتوترات الدبلوماسية بين عواصم شرق المتوسط.

من ساحل فلسطين وإسرائيل ولبنان، إلى اليونان وإيطاليا وشمال إفريقيا غرباً، يغوص شرق البحر المتوسط تدريجياً في الاضطرابات الإقليمية.

الصراع على النفط والغاز في مياه شرق المتوسط ملف ضخم، تتعقد فيه الحسابات السياسية والاقتصادية، وتنذر أصغر الشرر فيه بحريق هائل.

السباق الأكبر بين تركيا ومصر وإسرائيل وقبرص واليونان، وكل منها تعتقد أن من واجبها حماية ثروتها الطبيعية من الغاز.

بينما تكافح دول أخرى ظروفها الداخلية ومشاكلها الأمنية لتتفرغ للبحث عن ثرواتها، دول مثل لبنان وليبيا وسوريا وفلسطين، غزة.

بينما تتحفز قوى خارجية لتنقض على بحيرة الغاز إذا سمحت الظروف.. هناك روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وتصاعدت كل هذه التوترات منذ عقد أو نحو ذلك، ولكن زادت حدتها في نهاية العام الماضي عندما أعلنت تركيا عن اتفاقها على حدود بحرية مع ليبيا، وهي امتداد جغرافي وقانوني على حد سواء. ومرة أخرى تجاهلت المطالبة التركية أي ادعاء يوناني متعلق بالكثير من جزرها، بما فيها جزيرة كريت التي تضم قاعدة أمريكية.

ثم زاد التوتر بعد اقتراب سفينة التنقيب التركية من سواحل قبرص برفقة سفينتين حربيتين تركيتين، في خطوة وصفتها أثينا بأنها غير قانونية.

في أنقرة، وأمام أعضاء حزبه الحاكم العدالة والتنمية، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: “قلنا إنكم إذا هاجمتم السفينة أوروتش رئيس Oruç Reis فستدفعون ثمناً باهظاً”.

تخفي صفحة المياه الهادئة كميات مهولة من الغاز، وخلافات قد يؤدي انفجارها في أية لحظة إلى حريق كبير، تصل ألسنة اللهب فيه إلى سواحل الكثير من الدول المحيطة به، وإلى مصالح شعوبها.

منذ اكتشاف احتياطي ضخم من الغاز الطبيعي بشرق المتوسط في 2009، انهمكت الدول الساحلية في نزاعٍ مرير على ترسيم الحدود البحرية، في غياب تعريف متفق عليه للمناطق الاقتصادية الخالصة لكلٍّ دولة.

على أرض الواقع

تسعى 8 دول مطلة على سواحل شرق المتوسط، بالإضافة إلى شمال قبرص التي لا تعترف بها سوى تركيا، إلى تحقيق أكبر استفادة ممكنة من هذا الكنز، لكن الخلافات الثنائية بين عدة محاور تعقد الاستفادة من الغاز.

اليوم، يقترب الجميع من صدام كبير ربما يغير شكل المنطقة كلها، حيث إنها تتصارع ضمن تحالفات وتكتّلات كبيرة على حقول الغاز الضخمة في قاع البحر المتوسط.

هذا التقرير يستعرض الخريطة الزمنية والسياسية والعسكرية لبحيرة الغاز الطبيعي التي ينام فوقها شرق المتوسط، والتوترات التي تبدو أحياناً قابلة للتطور، والتمهيد لمواجهات أكثر حدة.

بداية الحكاية: عندما اكتشفوا أكبر بحيرة غاز في العالم

منذ اكتشاف احتياطي ضخم من الغاز الطبيعي في شرق المتوسط عام 2009، انهمكت الدول الساحلية في نزاعٍ مرير على ترسيم الحدود البحرية. وفي قلب النزاع يكمن غياب تعريف متفق عليه للمناطق الاقتصادية الخالصة لكلٍّ منها، وهي المساحات البحرية التي تُطالب الدول بحقوقٍ خالصة لها في استغلال الموارد الطبيعية فيها، مثل الغاز الطبيعي.

هكذا تطورت الأحداث..

البداية عام 2000

اكتشفت شركة برتش بتروليوم حقل غزة مارين على مسافة 36 كم من ساحل القطاع، بمخزون بتجاوز تريليون متر مكعب.

2009: أول الغيث

أخذت المياه في شرق المتوسط في التحرك مع حديث إسرائيل عن اكتشافها لحقلي غاز تمار وليفياثان في عامي 2009 و 2010 على التوالي، قبالة سواحل يافا وخضيرة، ويوفر الحق الأول 60% من احتياجات توليد الطاقة في إسرائيل، كما اكتشفت قبرص حقل أفروديت العملاق.

مطلع 2010: يوجد كنز هنا

أعلنت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن حوص شرق البحر المتوسط يحتوي على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و 1.7 مليار برميل احتياطي من النفط. كاشفة أن حوض شرق المتوسط به كميات من الغاز يكفي لتلبية حاجة السوق الأوروبي لمدة 30 عاما على الأقل.

هذه البحرية الإقليمية لست دول هي: تركيا وقبرص ولبنان ومصر وسوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك قطاع غزة.

2020: إسرائيل تقترب من قبرص

بعد الاكتشاف الإسرائيلي وقعت تل أبيب اتفاقية مع القسم اليوناني من قبرص، لترسيم حدود المياه الإقليمية، الخطوة التي رفضها لبنان باعتبارها تجاوزا نتنياهو بصفته أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور نيقوسيا.

2015: اكتشاف ظُهر

التطور الأهم لمصر كان اكتشاف حقل الظُهر العملاق، الذي يعد أكبر حقول شرق المتوسط، وذلك على يد شركة تنقيب إيطالية. وقد عزز هذا الإكتشاف من دور مصر في سوق الغاز الطبيعي في المنطقة، مع امتلاكها لمحطتي إسالة للغاز الطبيعي، كما أنه أعطى دفعة جديدة لشركات التنقيب عن الغاز والنفط.

2018: تركيا تقترب

دخلت تركيا سباق التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط متأخرة، إذ أطلقت أولى سفنها، سفينة الفاتح، للتنقيب عن الغاز في نهاية عام 2018. وهي تعمل حاليا على توسيع عمليات تنقيبها عن الغاز جنوبا، وتستند إلى ما تعتبره دورها في الدفاع عن حقوق جمهورية قبرص التركية أيضا.

2018/2019: ومن مصر والأردن

دفعت اكتشافات الغاز في شرق المتوسط إسرائيل إلى البحث عن أسواق للتصدير، ما جعلها تتوجه إلى جيرانها في كل من مصر والأردن. وبالفعل وقعت إسرائيل اتفاقيتي تصدير للغاز مع البلدين.

2019: منتدى غاز شرق المتوسط

عدم قدرة إسرائيل على تسويق الغاز الطبيعي المستخرج في المنطقة، دفعها إلى استهداف الأسواق الأوروبية عبر خط للغاز من تركيا، أو عبر طرح فكرة تأسيس خط إيستمد لإيصال غاز شرق المتوسط إلى الأسواق الأوربية، وهي الفكرة التي حظيت ـ من حيث المبدأ ـ بدعم كل الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي، الذي خصص عدة ملايين لدراسة المشروع.

اصطدمت هذه المحاولات بالتوتر في العلاقات التركية – الإسرائيلية، ومن ناحية أخرى بصعوبة تطبيق مشروع خط إيستمد في الوقاع، لكونه يتطلب الأنابيب تحت مياه المتوسط، الأمر الذي يبدو مستبعدا بسبب كلفته المالية العالية، وانعدام جدواه التجارية.

بدأ الاستقطاب الإقليمي

منذ 2014 تحسنت العلاقات المصرية ـ اليونانية ـ القبرصية اليونانية، كما أدى دخول مصر على خط التحالف الثلاثي الإسرائيلي ـ اليوناني ـ القبرصي اليواني، دورا مهما في توسيع الإصطفاف الإقليمي.

ثم ازدادت حدة الاستقطاب الإقليمي

تم الإعلان عن تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط في القاهرة، بداية 2019، بمشاركة مصر واسرائيل واليونان وقبرص اليونانية وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية. وحضر الإجتماع التأسيسي ممثلون عن الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والبنك الدولي، فيما استبعد منه كل من تركيا ولبنان وسوريا وقبرص التركية.

التاريخ يقول إن اتفاقية لوزان الثانية غصّةفي حلق الأتراك

في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية، أجبرتها دول التحالف على التوقيع على وثيقة مودروس أكتوبر/تشرين الأول 1918، وعلى إثرها احتلت القوات البريطانية والفرنسية والإيطالية إسطنبول.

تم تعديل الوثيقة في معاهدة سيفر 1920، بشروط رآها القوميون الأتراك “الجمعية الوطنية الكبرى” مجحفة، فقادوا معركة الاستقلال بقيادة أتاتورك وعصمت إينونو، وشهدت انتصارات عسكرية هامة لقوات القوميين دحروا خلالها القوات الفرنسية والبريطانية في الجنوب والقوات اليونانية والأرمنية في الغرب، تكللت في 24 يوليو/تموز 1923 بمعاهدة لوزان.

كانت لوزان أقل إجحافاً للجمهورية التركية الوليدة، لكنها سلبت تركيا مساحات شاسعة من الأراضي التاريخية لدولتهم لصالح اليونان وبلغاريا، واستولت رومانيا على جزيرة “أدا قلعة” على نهر الدانوب، رغم أنها كانت ذات أغلبية مسلمة.

أجبرت الاتفاقية الأتراك على التخلي عن مساحات شاسعة يقطنها 400 ألف مواطن تركي، وتسليم الأراضي للدولة اليونانية. ومن ضمن الأراضي المسلوبة عدد غير محدد من الجزر التي تقع مباشرة أمام السواحل التركية وتسليمها لليونان مقابل تعويض تركيا بعدد من المدن العربية في الشمال السوري، مثل: أورفا وأضنة وغازي عنتاب وكلس ومرعش.

من أشهر الجزر التي احتلتها اليونان جزر بحر إيجة، ليسبوس وكارادك وخيوس ومجموعة جزر الدوديكانيز الـ12، وجميع الجزر التي تقع أمام سواحل مدينة إزمير التركية، كذلك جزر كاستيلوريزو و رو وستروغيلي، وثلاثتها تقع على بعد ميل واحد فقط من السواحل التركية.

لا تزال لوزان الثانية غصّة في حلق الأتراك على اختلاف أيديولوجياتهم، فهي وإن أنقذتهم من شروط أكثر إجحافاً لكنها قلصت دولتهم جغرافياً كثيراً؛ وقد حان الوقت لرفع الظلم، حسب وصف الرئيس أردوغان عام 2016، حيث وصف الاتفاقية بالجرح العميق، وقال: “هناك من يريد إقناعنا بأن لوزان انتصار لتركيا ولوّحوا لنا بالموت لنقبل بالعاهة الدائمة”، وأضاف: “الحدود مع دول الجوار ثقيلة على قلوبنا، الموصل كانت لنا، وكركوك كانت لنا، وكذلك حلب”.

_______________________