Minbar Libya

القصة الكاملة للصراع على أكبر بحيرة غاز طبيعي في العالم بين 9 دول في شرق المتوسط والتدخلات الخارجية واحتمالات التصعيد.

الجزء الثاني

صعود تركيا إلى الصدارة الإقليمية

الآن تشعر تركيا بقوتها في الإقليم على الصعيد السياسي والصناعي والعسكري بشكل خاص. والآن تتابع تركيا الضعف والانقسام الذي بدا واضحاً في القوى العربية والدول الأوروبية مؤخراً.

ومع انشغال أمريكا ترامب بصراعاتها في جنوب شرق آسيا، وانكفائها على ذاتها مؤخراً، وإهمال دورها التقليدي في الشرق الأوسط، بالتزامن مع توافق روسي تركي في عدد من الملفات الإقليمية، شعرت تركيا بأن الفرصة مواتية للتحرك.

تركيا الآن قوة ذات ثقل إقليمي، وتسعى جاهدة للفكاك من معاهدة لوزان.

ها هي تعود للموصل العراقية، آخر مدينة انسحب منها العثمانيون بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، وتقيم فيها قاعدة بعشيقة منذ عام 2015 بحجة حماية الوجود التركماني وتدريب قوات البشمركة.

ها هي تتحكم في الجزء الشمالي من قبرص منذ 1974، وتسعى للتنقيب عن النفط والغاز في مياه الشطر الجنوبي للجزيرة وتقاسم العائدات معهم؛ بحجة أن لقبرص الشمالية التابعة لهم نصيباً في تلك الموارد الجنوبية، وهو ما يرفضه الاتحاد الأوروبي الذي هدد بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا في حال تماديها.

سبق أن نصح أردوغان بداية 2018 الشركات الأجنبية التي تقوم بعمليات التنقيب قبالة قبرص بـ”ألا تكون أداة في أعمال تتجاوز حدودها وقوتها من خلال ثقتها بالجانب القبرصي الرومي. نحذّر من يتجاوزون حدودهم في بحر إيجة وقبرص، ويقومون بحسابات خاطئة مستغلين تركيزنا على التطورات عند حدودنا الجنوبية”.

إذن.. أمام تركيا 3 أهداف تسعى لتحقيقها الآن

لتركيا أهداف واضحة توجِّه موقفها في الصراع شرق المتوسط.

الهدف الأول جغرافي تاريخي

تسعى فيه تركيا لتخفيف ما تراه آثاراً سلبية من اتفاقية لوزان التي وقَّعها مؤسس الجمهورية التركية كمال أتاتورك.

وترى تركيا أن ترسيم الحدود البحرية أو تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة من خلال تطبيق معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار على هذه الجزر (التي تعد بالآلاف وأغلبها ضئيل المساحة)، يجعل شرق المتوسط بحيرة يونانية.

وتقول إنه لا يمكن القبول بأن تركيا بمساحتها البالغة أكثر من 800 ألف كيلومتر وشواطئها الطويلة على البحر المتوسط، يتم حصرها في مساحة اقتصادية بَحرية محدودة كما تريد اليونان.

ومؤخراً، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى عقد اجتماع تحضره دول البحر المتوسط كافة، لإيجاد صيغة مقبولة تحمي حقوق الجميع في المنطقة، بعد أن أعلن أن الاتفاقية المصرية اليونانية لترسيم الحدود لا قيمة لها.

الهدف الثاني بالنسبة لتركيا اقتصادي

فرغم النجاحات الكبيرة التي حققتها البلاد في عهد حزب العدالة والتنمية، فإن البلاد تعاني من حظ جيولوجي عاثر.

فعكس أغلب جيرانها في القوقاز والشرق الأوسط والبحرين الأسود والمتوسط، فإن تركيا فقيرة في الطاقة الأحفورية، ويمثل استيراد الغاز والنفط عبئاً يُثقل كاهل الميزان التجاري للبلاد.

ومن هنا تسعى تركيا إلى أن تكون مركزاً وممراً لتوزيع الطاقة في المنطقة، لكي تحصل على رسوم عبور إضافة إلى معاملة تفضيلية من المُصدِّرين.

الهدف الثالث لتركيا هو ضمان مصالح قبرص التركية، التي ترى أنقرة أنها طرف مظلوم من قِبل قبرص الرومية والاتحاد الأوروبي.

تعتبر تركيا أن غزوها لقبرص في السبعينيات جاء كردِّ فعل على انقلاب عسكري من قِبل قوميين متطرفين أرادوا ضمّ قبرص إلى اليونان، وضرب التفاهمات التي تحفظ للأقلية التركية حقوقها.

ومن هنا ترى أنقرة أنها وحكومة قبرص التركية هما المخول لهما حماية حقوق قبرص التركية في البحر المتوسط.

هكذا يبدو أن تركيا تواجه إرث خلافاتها القديمة والجديدة مع اليونان، ما يعوق تقدمها في ملف غاز شرق المتوسط، كما تشرح الفقرة التالية:

تركيا واليونان: خلاف التاريخ الذي يرسم المستقبل

لم تكن مصادفة أن تصبح العلاقات بين تركيا واليونان محركاً للتوترات، والنقطة الأكثر سخونة في “معضلة” غاز شرق المتوسط.

وليست مفاجأة أن تصبح “العلاقة الملتهبة” بينهما هي ذروة التصعيد في نهاية صيف 2020.

كما أن انحياز الولايات المتحدة لليونان على حساب تركيا متوقع.

قبل نهاية 2019 اجتمع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مع وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس للمرة الثالثة في أقل من ثلاثة أشهر. وفي مؤتمر صحفي مشترك عقده الاثنان بعد الاجتماع، صرح بومبيو بأن واشنطن قد حذرت تركيا من “أعمال التنقيب غير القانونية” في شرق البحر المتوسط وسوف تتأكد بأن يتم التمسك بالقوانين الدولية في هذا الشأن.

ما سبب الخلاف التركي ـ اليوناني؟

يعود أصول الخلاف التركي – اليوناني لأسباب تاريخية بالمقام الأول واقتصادية ترتب على تلك التاريخية.

تركيا لا تعترف بالحكومة القبرصية في نيقوسيا كرئيسة لدولة ذات سيادة. وترى أنه يحق للجزيرة الحصول على 12 ميلاً بحرياً فقط من المياه الإقليمية، ما يحرمها من “المنطقة الاقتصادية الخالصة” الطبيعية المخصصة للدول الأخرى.

وتركيا ليست من الدول الموقعة على “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”، وبالتالي فهي لا تعترف رسمياً بأي حدود للجرف القاري في المنطقة باستثناء تلك التي تفاوضت حولها مع الجمهورية التركية لشمال قبرص في عام 2011.

تركيا تعترف فقط بـ”المنطقة الاقتصادية الخالصة” التي تطالب بها الجمهورية التركية لشمال قبرص، ولذلك شرعت في أنشطة التنقيب والحفر حول معظم أنحاء الجزيرة.

بعد الحرب العالمية الأولى فقدت تركيا أغلب جزرها الموجودة في شرق البحر المتوسط لصالح اليونان، رغم وجودها قبالة السواحل التركية مباشرة.

وينص قانون البحار على أن الجزر، وبغض النظر عن حجمها أو موقعها الجغرافي، تتمتع بمناطق اقتصادية خالصة على غرار السواحل. ما يعني أن الجزر الواقعة قبالة السواحل التركية مباشرة، ولكنها تحت السيادة اليونانية، رغم بعدها بآلاف الكيلومترات عن اليونان، تُفقد تركيا كل المناطق الاقتصادية الخالصة قبالة سواحلها.

لذلك رفضت تركيا التوقيع والانضمام لقانون البحار؛ لأنه يظلمها ويضيع حقوقها في المياه والمناطق الاقتصادية الخالصة أمام سواحلها لصالح اليونان.

لم يتم ترسيم الحدود البحرية بين الطرفين وظل الامر معلقاً

وانعكس بطبيعة الحال على ترسيم الحدود البحرية المصرية من ناحية الغرب سواء مع اليونان أو مع تركيا. وكان الترجيح المصري هو أن هذا الأمر يحتاج إلى توافق وتفاهم بين الدول الثلاث مصر وتركيا واليونان.

تركيا ليست الدولة الوحيدة التي لا تعترف بقانون البحار

الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا وإسرائيل لم تنضم لاتفاقية البحار اعتراضاً على أجزاء في الاتفاقية، وبعضهم اعتراضاً على البند الذي يمنح الجزر مناطق اقتصادية خالصة.

يرى أردوغان أن “موقف اليونان في كل من بحري المتوسط وإيجة مبنيّ على سوء النية ومطالبتها بالجرف القاري استنادا إلى جزيرة (ميس) لا يمكن تفسيره بالعقل والمنطق.

الإدعاء بأن جزيرة يونانية مساحتها 10 كم مربع، لها الأحقية بجرف قاري مساحته 40 ألف كم مربع، أمر مضحك ولا أساس له في القانون الدولي، وأدعو اليونان إلى احترام حقوق تركيا ومصالحها”.

اليونان غاضبة من اتفاق أنقرة طرابلس

في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 رسمت تركيا على حدودها البحرية مع ليبيا بعدما أعلنت اليونان اعتزامها التنقيب والاستكشاف في المياه المتنازع عليها مع تركيا.

ثارت اليونان وطردت السفير الليبي، معلنة أن الاتفاقية مخالفة للقوانين الدولية، ثم أعلنت عن توقيعها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر، ناسفةً أطروحاتها الخاصة التي روّجت لها كثيراً.

وسعت اليونان بجدية إلى ترسيم حدودها البحرية مع مصر وإيطاليا من أجل محاصرة الاتفاق التركي الليبي قانونياً، ما يعني امتلاك اليونان أدوات دبلوماسية تستند إلى قانون الأمم المتحدة في مواجهتها مع تركيا. وبالرغم من الخلاف الطويل بين اليونان وإيطاليا حول ترسيم الحدود البحرية فإن اليونان أبرمت اتفاقها مع إيطاليا، وأعقبت ذلك بترسيم الحدود مع مصر بعدما قدمت بعض التنازلات لكلا الطرفين.

اليونان تدخل المعركة بجزرها وتحاول توريط الآخرين

تحاول اليونان الاستفادة من امتلاكها آلاف الجزر لتوسيع حدود منطقتها الاقتصادية، كما تحاول توريط الاتحاد الأوروبي في خلافها مع تركيا، في ظل فارق القوة الهائل بين البلدين.

والمفارقة أنه بينما تسعى اليونان لتوتير العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي فإنها غالباً لا تستجيب لكل التفاهمات التي تُبرم بوساطة أوروبية مثلما فعلت أخيراً مع الوساطة الألمانية.

كما أن اليونان تعمد إلى تهدئة التوتر مع أنقرة التي تتشارك معها في حدود ومصالح مشتركة.

وتقوم اليونان بمحاولات مماثلة مع مصر لاستغلال الخلاف الأيديولوجي بين تركيا ومصر والشخصي بين الرئيسين المصري عبدالفتاح السيسي والتركي رجب طيب أردوغان.

إذ تحاول اليونان توريط مصر في خلافها الحدودي المعقد مع تركيا، كما استغلت الجفاء بين البلدين، لدفع القاهرة إلى توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية بناءً على معايير اليونان، وهو أمر سيمنح مصر، الدولة القارية قليلة أو عديمة الجزر، أقل كثيراً مما ستمنحه تركيا الدولة الأشبه بمصر بطبيعتها شبه القارية قليلة الجزر.

ولكن رغم محاولات اليونان الاستقواء ببعض الدول الأوروبية لاسيما فرنسا، وبعض الدول العربية المعادية لتركيا بسبب دعمها للربيع العربي، فإن هناك محدودية لفاعلية الدعم المتوقع من هذه الدول في الميدان.

أن أثينا تنازلت بشكل كبير لصالح مصر في هذا الاتفاق عن مطالبها السابقة التي كانت مصر ترفضها، ويعني كذلك أنها ستكون في موقفٍ أضعف أمام تركيا في أي حوار أو ترسيم مستقبلي.

وهناك عواقب أخرى لترسيم الحدود البحرية بين اليونان ومصر، إذ إن هذا الترسيم ينهي احتمالية توقيع اتفاقية ترسيم للحدود بين اليونان وإدارة قبرص الرومية.

وقد أعلنت تركيا أنها لا تعترف باتفاقية مصر واليونان واتفاقية مصر وإدارة قبرص الرومية، ومن ثم من الممكن أن تقيم أنقرة فكرة إبرام اتفاقية ترسيم للجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة مع مصر، في المنطقة التي تبدأ من خط طول 28° 00′ 00″ وتمتد حتى الطرف الغربي للحدود بين مصر وقبرص الرومية.

وقد استطاعت مصر أن تجعل اليونان تقبل بفكرة جرف قاري كبير للسواحل الطويلة، وجرف قاري صغير للسواحل القصيرة، وحافظت على حقها نسبياً في هذا الصدد، إلا أنها من الناحية الأخرى نظرت إلى الحدود التي يمكن ترسيمها مع تركيا، وأهدت اليونان مساحة جرف قاري هامة، وفي مقابل ذلك لم تظهر نفس هذا الكرم لجارتها ليبيا.

رغم هذا تمتلك مصر من الإمكانيات والطموح ما يجعلها تسعى بكل قوة لتصبح منصة تصدير الغاز الأولى في المنطقة، وهو موضوع الفقرة التالية:

مصر تسعى لتصبح الأولى في منافسات غاز شرق المتوسط

جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا لتعلن خريطة جديدة لشرق المتوسط، والتي كان لها تأثير وانعكاس مباشر يتوافق مع المصالح المصرية من زاويتين:

تسعى مصر منذ اكتشاف حقل ظُهر في 2015 إلى أن تصبح المنصة الرئيسية لتصدير الغاز الطبيعي من شرق المتوسط إلى أوروبا. تمتلك مصر أفضلية في ذلك الصدد بامتلاكها محطتين لتسييل الغاز على ساحل البحر المتوسط (محطتي إدكو ودمياط)، ما يعني أن لها حظوظاً عالية في هذا المجال.

لكن واحدة من التحديات أمام مصر ستكون نجاح دولة أخرى في تصدير الغاز بطريقة أرخص وأسهل وأسرع من الغاز المسال من مصر. وتجسد هذا الخطر في اهتمام الاتحاد الأوروبي بإنشاء خط غاز East Med في المياه العميقة للبحر المتوسط من إسرائيل وقبرص إلى اليونان ومنها إلى أوروبا، ما يعني خسارة مصر دورها المستقبلي.

ومع مطلع 2020 وقعت قبرص واليونان وإسرائيل في العاصمة اليونانية أثينا على اتفاق خط أنابيب شرق المتوسط إيست ميد لمد أوروبا بالغاز، وهو مشروع “مهم” بحسب هذه الدول بالنسبة لمنطقة يتزايد فيها التوتر مع تركيا حول استغلال ثروة المحروقات. ويهدف الاتفاق إلى أن تصبح الدول الثلاث حلقة وصل مهمة في سلسلة إمدادات الطاقة لأوروبا، وأيضاً لإظهار التصميم في مواجهة محاولات تركيا للوصول إلى موارد الطاقة في شرق المتوسط.

____________