Minbar Libya

بقلم محي الدين أتامان و محمد علي كارا دومان

تناقش هذه الدراسة سياسات محور الإمارات والسعودية ضد الحركات الديمقراطية في العالم العربي، وبخاصة ضد الحكومة الشرعية في ليبيا، وهي سياسات برزت بعد وصول الجماعات المقربة من جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في لييبا بعد انهيار نظام القذافي، وقد أدى تدخل الجهات الخارجية إلى تفشي عدم الاستقرار السياسي في البلاد.

الجزء الأول

تتبع الإمارات والسعودية اللتان تدافعان عن استمرار النظام الإقليمي القديم القائم على النموذج الاستبدادي ـ سياسة تدخلية ضد الحكومة الشرعية في ليبيا، وتقدم هاتان الدولتان كل أنواع الدعم المالي والعسكري والسياسي والدبلوماسي إلى الفاعل غير الشرعي خليفة حفتر، بسبب مخاوفهما بشأن تغيير النظام، والتطورات الأيدلوجية.

انطلقت الثورات العربية في عام 2011 في تونس ومصر، ثم امتدت إلى ليبيا، حيث خرج الناس ضد نظام القذافي الاستبدادي الذي استمر 42 عاما، لينهار النظام بعد ثورة شعبية ضده، وتدخل حلف شمال الأطلسي بعد استخدام نظام القذافي العنف ضد الشعب. ومع ذلك، دخلت البلاد منذ انهيار نظام القذافي في حالة من عدم الاستقرار السياسي والإضطرابات الداخلية.

بعد سقوط نظام القذافي مضت عملية تطبيق الديمقراطية الشعبية، كما حصل في الثورتين التونسية والمصرية عام 2011، وقد برزت فيها حركة الإخوان المسلمين، وفازت الأحزاب المنبثقة عنها في الانتخابات.

ثم امتدت أعمال الثورات العربية، إلى عدة بلدان عربية أخرى، وكان لهذه المرحلة تأثير في السياسة الإقليمية والدولية، وفي سياق هذه الدراسة فقد ألقت الثورات بظلالها على منطقة الخليج، وبخاصة من خلال تأثير الحركات السياسية، مثل جماعة الإخوان المسلمين.

ومع ذلك، فإن عملية التحول الديمقراطي والتوقعات الإيجابية للربيع العربي استمرتا عامين فقط، حيث تحوّل الهواء الربيعي إلى شتاء مع الإنقلاب العسكري الذي حدث في يوليو/ تموز 2013 في مصر، حيث بدأ الاستبداد والنظام السلطوي في السيطرة على الدول العربية من جديد، من خلال ما عرف بقوى الثورة المضادة.

على الرغم من أن مصر شهدت نوعا من التغيير في هيكل النظام كان يسعى إلى ضمان الإستقرار، وقد جرت متابعة ذلك لاحقا في ليبيا أيضا ـ إلا أن قوى التغيير لم تتمكن من الوصول إلى نتيجة نهائية، بسبب تدخل قوى إقليمية وغير إقليمية، إذ حُوِّ مسار عملية التحول الديمقراطي إلى حد كبير، واستمرت الفوضى في المنطقة في مصر ليبيا، واليمن وسوريا أيضا، كحركة الدومينو.

كانت السعودية والإمارات على رأس النظم الإقليمية التي تبنت مواجهة الثورات العربية، حيث دعمتا وجود نظام سلطوي من خلال رؤية استمرار النظام القديم. وبدأت السعودية والإمارات، واللتان عملتا على حماية منطقة الخليج من التغيير بعد ذلك في انتهاج سياسة إقليمية توسعية وغير تقليدية، تسعى إلى التدخل في البلدان العربية خارج الجليج.

وقد بدأت هذه السياسة التي يمكن وصفها بأنها سياسة خارجية تعديلية متشددة واستفزازية وتدخلة على وجه الخصوص في البروز ـ لدى تنسيق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، وهما الحاكمان الفعليان لهذين البلدين، كما تماشت أهدافهما المتمثلة في توسيع رؤيتهما مع التأثير في صناع القرار الإقليميين والعالميين.

وقد وجد البلدان حرية في الحركة، لأنهما لا يمثلان أيا من الرأي العام الداخلي أو الرأي العام الدولي، وقد جعلا من أنشطتهما التجسسية والتلاعب بوسائل الإعلام والهجمات الإلكترونية وسيلة رئيسة لسياستهما الخارجية.

اجتهدت الدولتان بداية بداية في مواجهة الحركات الديمقراطية التي بدأت في عام 2011 بشكل ضعيف أمام قوة ومفاجأة الثورات، وبسبب وجود خلافات تاريخية بينهما وبين الأنظمة الجمهورية في العالم العربي، ولكن مع تزايد شعبية الديمقراطية وفكرة الحكم العام وفقا لإرادة الشعوب، بدأت الدولتان في توفير دعم غير محدود للأنظمة القائمة، بسبب

فكرة أن موجة الثورات العربية سوف تمتد إليهما.

أطلقت الإمارات والسعودية حملة شاملة ومستمرة على أنصار التغيير في بلادهم وفي البلدان العربية الأخرى.فمثلا عند اكتساب حركة الإصلاح الإماراتية شعبية في عام 2013، ألقت الإمارات القبض على العديد من الناشطين السياسيين في البلاد، واتخذت تدابير صارمة ضد المعارضين.

وفي ضوء هذه النظرة العامة سيناقش هذا البحث التدخلات المزعزعة للإستقرار التي تقوم بها حكومتا الإمارات والسعودية في الأزمة الليبية. وبعد تحليل سبب استمرارها في تقديم جميع أنواع الدعم المالي والعسكري للجنرال حفتر الذي يمثل الثورة المضادة، سيتناول أدوار ونتائج سياسات الدعم الإماراتية والسعودية لحفتر.

وجهات نظر الأمارات والسعودية تجاه الثورة الليبية

منذ عام 2014 قُسمت ليبيا عمليا قسمين: الحكومة الشرقية والحكومة الغربية.

تسيطر حكومة الوفاق الوطني التي تعترف بها الأمم المتحدة رسميا ويقبلها المجتمع الدولي سلطة شرعية ـ على الجزء الغربي من البلاد، وبخاصة العاصمة طرابلس.

أما القوة العسكريةالتي شكلها خليفة حفتر وسُميت بالجيش الوطني الليبي، فتسيطر على الجانب الشرقي الغني بالنفط من البلاد.

ومن أجل إعطاء شرعية للجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا ذهب حفتر أيضا إلى تشكيل هيكل سياسي يسمى مجلس النواب، ورغم أن الأمم المتحدة ذكرت أنها لا تعترف بشرعية التشكيلات على الجانب الشرقي إلا أن مجلس النواب التابع لحفتر أعتُرف به، ولقي الدعم من قبل العديد من الدول الإقليمية والقوى العالمية، وهو يتلقى أيضا حصة من مؤسسة النفط الليبية العامة من خلال البنك المركزي الليبي.

شن خليفة حفتر هجوما شاملا ضد حكومة الوفاق في أبريل 2019 بدعوى أن لديها “منظمات إرهابية” و “عناصر متطرفة”. ومن المفارقات أن حكومة الوفاق صاحبة الشرعية في نظر المجتمع الدولي والأمم المتحدة لم تحصل سوى على دعم عدد قليل من الدول، مثل تركيا وقطر، بينما تدعم جميع الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية، وبخاصة الإمارات والسعودية ومصر والأردن والسودان وفرنسا وروسيا، الطرف غير الشرعي المتمثل في حفتر.

وافقت الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان الليبي، والتي اجتمعت تحت قيادة الأمم المتحدة بعد نظام القذافي في عام 2011 على العاهدة الليبية بشأن تقييد تجارة الأسلحة من الخارج، واتفقت على العمل لدعم حكومة طرابلس، ومع ذلك فالحقيقة التي يجب معرفتها هي أن إدارة خليفة حفتر لم تذكر في المعاهدة، ومن ثم فهي ليست طرفا في المعاهدة، ورغم هذا تدعمها العديد من الدول في عملياتها العسكرية ضد حكومة الوفاق.

تمكن حفتر المدعوم من تحالف الإمارات والسعودية من التقدم بشكل مريح ضد قوات حكومة الوفاق التي لا تزال بعيدة عن دعم القوى العالمية، وقد تمكنت قواته في وقت قصير من السيطرة على جزء كبير من أراضي البلاد. حصل حفتر على الدعم، لأن تحالف الإمارات والسعودية يريد رؤية عسكرية قائمة على الاستبداد من شخص واحد، بدلا من حكومة ديمقراطية تقوم على إرادة الشعب في ليبيا.

إضافة إلى ذلك، تشكل الحكومة الليبية الشرعية التي تمتلك الموارد والموقع الإستراتيجي الفعّال في شرق البحر المتوسط عقبة رئيسة أمام الرؤية العالمية والإقليمية لهاتين الدولتين. لذلك، فهما توفران الدعم غير المحدود للجنرال الإنقبلابي حفتر، سواء من أجل استغلال الموارد الطبيعية في البلاد أم إعادة السيطرة للإستبداد.

اكتسبت حكومتا الإمارات والسعودية قوة بفضل الدعم السياسي والإيديولوجي للمحور الأمريكي الإسرائيلي، وزادت أنشطتهما الإقليمية بفضله. وحاليا يُعد عدم الإستقرار السياسي والتعقيد في ليبيا مجالا جديدا لنشاط هاتين الدولتين في شرق البحر المتوسط، وخطوة جديدة للرؤية الإقليمية للوريثين الطموحين ابن سليمان وابن زايد.

استراتيجيات دعم الإمارات والسعودية لمصلحة حفتر

تتطلب الرؤى الإقليمية للإمارات والسعودية منع قيام إدارة ديمقراطية فعالة من الناحية الاستراتيجية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط. وبوصفه عسكريا سابقا أراد حفتر أن يشارك في الثورة الليبية، لكن الديناميات المحلية للبلاد أبعدته عن العملية الثورية.

في البداية لم يكن حفتر، يملك من الوسائل ما يكفي لإنتاج سياسة مستقلة من تلقاء نفسه، لكنه بدأ يسيطر على جزء كبير من الأراضي الليبية بفضل دعم عدد كبير من الجهات الإقليمية والعالمية الفاعلة، حتى وصل إلى مشارف العاصمة طرابلس في أواخر عام 2019.

وقد دلت حقيقة استيلاء حفتر في وقت قصير على سرت التي تعد إحدى المدن الرئيسة الثلاث في ليبيا ومن أهم مراكز الثورة ـ على أن حفتر لم يتلق دعما من القوى الإقليمية فحسب، بل من القوى العالمية أيضا.

ومع ذلك، ورغم كل هذا الدعم وتراكم القوة لم يتمكن حفتر من السيطرة على طرابلس، ولم يتمكن من أن يصبح الحاكم الوحيد للبلاد، حيث صمدت حكومة الوفاق التي اعتمدتها الأمم المتحدة حكومة شرعية بفضل الدعم العسكري والسياسي من تركيا وقطر في وجه محور حفتر، وتحدّت كل التوقعات.

ساعدت تركيا على مجه الخصوص حكومة الوفاق من خلال التحركات العسكرية والدبلوماسية، وهذا أثار استياء الإمارات والسعودية من تركيا، وأدى إلى ردود فعل عنيفة في جامعة الدول العربية. وإضافة إلى التحالف الإماراتي السعودي تؤيد مصر وفرنسا وروسيا العسكري المتقاعد حفتر في جميع البرامج العسكرية والإقتصادية والسياسية.

مكنت الإمارات والسعودية حوالي 5000 من المرتزقة السودانيين الذين كانوا يقاتلون في صفوف التحالف العربي ضد الحوثيين في اليمن ـ من الذهاب إلى ليبيا. وكما تقدّم الإمارات والسعودية التمويل اللازم للحرب في اليمن فإنهما تمارسان الشيء نفسه في ليبيا.

ووفقا لما أعلنته تركيا فإن قوات مرتزقة شركة فاغنر الروسية التي تتكون من حوالي 2000-2500 مقاتل موجودة للقتال في ليبيا. وبسبب الهياكل الديموغرافية الضعيفة للإمارات والسعودية، وعدم وجود قوات عسكرية كافية، فإن معداتهما التكنولوجية تشكل قوة مهمة.

وكما فعلتا في الحرب اليمنية نجدهما في ليبيا أيضا، من خلال تشكيل تحالف فعال من الميليشيا والمرتزقة، بدلا من الحضور المباشر. ومن الجدير ذكره أنه يعتقد أن الإمارات هي من دعمت ماليا مجموعة المرتزقة الروس فاغنر في المجال الليبي.

البقية في الجزء الثاني

____________

المصدر: رؤية تركية ـ السنة 9 العدد الثاني