Minbar Libya

بقلم محي الدين أتامان و محمد علي كارا دومان

تناقش هذه الدراسة سياسات محور الإمارات والسعودية ضد الحركات الديمقراطية في العالم العربي، وبخاصة ضد الحكومة الشرعية في ليبيا، وهي سياسات برزت بعد وصول الجماعات المقربة من جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في لييبا بعد انهيار نظام القذافي، وقد أدى تدخل الجهات الخارجية إلى تفشي عدم الاستقرار السياسي في البلاد.

الجزء الثاني

استراتيجيات دعم الإمارات والسعودية لمصلحة حفتر

تتطلب الرؤى الإقليمية للإمارات والسعودية منع قيام إدارة ديمقراطية فعالة من الناحية الاستراتيجية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط. وبوصفه عسكريا سابقا أراد حفتر أن يشارك في الثورة الليبية، لكن الديناميات المحلية للبلاد أبعدته عن العملية الثورية.

في البداية لم يكن حفتر، يملك من الوسائل ما يكفي لإنتاج سياسة مستقلة من تلقاء نفسه، لكنه بدأ يسيطر على جزء كبير من الأراضي الليبية بفضل دعم عدد كبير من الجهات الإقليمية والعالمية الفاعلة، حتى وصل إلى مشارف العاصمة طرابلس في أواخر عام 2019.

وقد دلت حقيقة استيلاء حفتر في وقت قصير على سرت التي تعد إحدى المدن الرئيسة الثلاث في ليبيا ومن أهم مراكز الثورة ـ على أن حفتر لم يتلق دعما من القوى الإقليمية فحسب، بل من القوى العالمية أيضا.

ومع ذلك، ورغم كل هذا الدعم وتراكم القوة لم يتمكن حفتر من السيطرة على طرابلس، ولم يتمكن من أن يصبح الحاكم الوحيد للبلاد، حيث صمدت حكومة الوفاق التي اعتمدتها الأمم المتحدة حكومة شرعية بفضل الدعم العسكري والسياسي من تركيا وقطر في وجه محور حفتر، وتحدّت كل التوقعات.

ساعدت تركيا على مجه الخصوص حكومة الوفاق من خلال التحركات العسكرية والدبلوماسية، وهذا أثار استياء الإمارات والسعودية من تركيا، وأدى إلى ردود فعل عنيفة في جامعة الدول العربية. وإضافة إلى التحالف الإماراتي السعودي تؤيد مصر وفرنسا وروسيا العسكري المتقاعد حفتر في جميع البرامج العسكرية والإقتصادية والسياسية.

مكنت الإمارات والسعودية حوالي 5000 من المرتزقة السودانيين الذين كانوا يقاتلون في صفوف التحالف العربي ضد الحوثيين في اليمن ـ من الذهاب إلى ليبيا. وكما تقدّم الإمارات والسعودية التمويل اللازم للحرب في اليمن فإنهما تمارسان الشيء نفسه في ليبيا.

ووفقا لما أعلنته تركيا فإن قوات مرتزقة شركة فاغنر الروسية التي تتكون من حوالي 2000-2500 مقاتل موجودة للقتال في ليبيا. وبسبب الهياكل الديموغرافية الضعيفة للإمارات والسعودية، وعدم وجود قوات عسكرية كافية، فإن معداتهما التكنولوجية تشكل قوة مهمة.

وكما فعلتا في الحرب اليمنية نجدهما في ليبيا أيضا، من خلال تشكيل تحالف فعال من الميليشيا والمرتزقة، بدلا من الحضور المباشر. ومن الجدير ذكره أنه يعتقد أن الإمارات هي من دعمت ماليا مجموعة المرتزقة الروس فاغنر في المجال الليبي.

أسباب دعم الإمارات والسعودية لحفتر

مما يجدر ذكره ابتداء أنه في الوقت الذي تحاول فيه الإمارات والسعودية ـ وهما من الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط ـ تحقيق رؤاهما الإقليمية والعالمية، فإن أساس اتباعهما سياسة مؤيدة لحفتر هو مواجهة إمكانية عودة موجة التغيير إلى المنطقة.

بعد الربيع العربي بدأت جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية والاجتماعية والسياسية التي بدت منها في قيادة التحول في تونس ومصر، واستمرت في التأثير في دول المنطقة الأخرى، وامتدت إثار عملية التحول الديمقراطي إلى هذين البلدين (الإمارات والسعودية)، لكنهما تمكنا من ماوجهتها بالتدابير السياسية والعسكرية والاقتصادية التي اتخدتاها.

ومن خلال التأثير خارج الحدود، فعلى سبيل المثالث لا ينبغي تجاهل أن السعودية لها تأثير على المدخلية السلفية في ليبيا، ومن المهم الإشارة إلى أن المدخليون السلفيون يقاتلون في صفوف حفتر، وفي الوقت نفسه لديهم تنظيم قوي في طرابلس أيضا.

ومع ذلك فقد امتدت موجة التغيير هذه إلى الإمارات مع حركة الإصلاح، ومع نشاط الإمارات 94، وهو نشاط يحسب إلى 94 ناشطا إماراتيا وقّعوا عريضة تدعو الحكومة الإماراتية إلى إجراء مجموعة معتدلة نسبيا من الإصلاحات الديمقراطية. إضافة إلى هذا التأثير تأثرت السعودية والإمارات بالحراك في اليمن، وكان له تأثير قصير المدى في المملكة العربية السعودية بشكل خاص.

ومن هنا فإن إمكانية استمرار مبادرات الديمقراطية، وإمكانية استمرار المطالبات للإمارات والسعودية بحكم ديمقراطي سببان كافيان لهاتين الدولتين لدعم حفتر وغيره في هذه البلدان سياسيا وماليا وعسكريا. على الرغم من أن الإمارات والسعودية لم تتبنّ سياسة خاصة بحفتر، إلا أن أيديولوديتهما وتوقعاتهما الرئيسة لا تعتمد على من يقود العملية، ولكن من يعمل على استمرار الأنظمة الاستبدادية. لذلك فهي توفر جميع أنواع الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لحفتر بوصفه أداة للرؤى الإقليمية لهذين البلدين.

تقوم الإمارات والسعودية بتوجيه واستخدام مصر تحت إدارة السيسي بما يتماشى مع سياساتها الخاصة. فأولا تستخدم الحكومتان الإماراتية والسعودية اللتان دعمتا الإنقلاب العسكري للسيسي ضد حكومة مرسي الحكومة المصرية وأراضيها جسرا لدعم قوات حفتر.

يوفر كل من الإمارات والسعودية الدعم الإستراتيجي لحفتر في مصلحة حلفائها الإقليميين والعالميين أيضا. ففي العموم لا تريد إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية أنظمة ديمقراطية في العالم الإسلامي، وفي هذا السياق فإن أنظمة الإمارات والسعودية مسؤولة أيضا عن تلبية مطالب وتوقعات الدول الغربية، لإنها مدينة في مواقعه الإقليمية الحالية لهذه القوى العالمية.

يُعد الالتزام بالحفاظ على العلاقات مع هذه الدول سببا آخر لدعمهم حفتر، وقد كانت “عمليات فزان” التي نفذها حفتر للسيطرة على حقول النفط خطوة مؤثرة في العالم الخارجي، لأن النفط لا يزال في بؤرة اهتمام القوى الدولية، ولا سيما الدول الغربية.

كان لدى القوات الأمريكية والأوربية قواعد ومنشآت عسكرية في مختلف بلدان الشرق الأوسط سنوات طويلة، للحفاظ على مصالحها، وبحجة توفير “السلام والامن الإقليميين”، وهي تعمل بالتنسيق مع مؤسسات حلفائهم الإقليميين، ومن المهم أن تدعم الدول الغربية الجهات الفاعلة الإقليمية التي تضمن استمرارية مصالحها في المنطقة. لذلك ، من المهم جدا للدول الغربية وجود سلطات عسكرية في دول المنطقة تكون متعاونة معها في ظل احتمال أن لا تكون الدول اليمقراطية تابعة.

بالنسبة لهاتين الدولتين الخليجيتين اللتين لديهما رؤية لتنويع اقتصادهما، وتقليل تأثير النفط، وزيادة تجارة الموانئ ـ يعد الموقع الاستراتيجي لليبيا، والإستثمار في الموانئ سببا آخر لدعم حفتر.

أولا، ستكون الموانئ الليبية عاملا مهما في نجاح الشبكة الاقتصادية الإقليمية لدولة الإمارات، حيث تمتلك دولة الإمارات استثمارات في الموانئ في أربع من الدول السبع التي لها حدود على البحر الأحمر، هي: (مصر والصومال واليمن والسعودية).

ورغم الحصول على جزء كبير من هذه الموانئ من خلال اتفاقيات تجارية، عدا أنه جرى الاستيلاء على الموانئ في اليمن بالقوة العسكرية. أما ما يخصّ ليبيا فيمكن أن يؤدي موقعها الاستراتيجي دورا مهما في السياسة الإقليمية التوسعية للإمارات، حيث تحافظ الإمارات على سياستها التوسعية الإقليمية في إطار قواعدها العسكرية أيضا التي أصبحت موجودة في ليبيا واليمن وأريتريا وأرض صومال، وهي تستخدم هذه القواعد لدعم حفتر.

نفذت الإمارات والسعودية أعمالا مهمة وفعالة في سياق عمليات الموانئ والقواعد العسكرية ومجال النفط في جميع أنحاء العالم، خلال السنوات العشر الماضية. والسعودية على وجه الخصوص تُعد دولة مؤثرة في مجال النفط، ونلاحظ من خلال العرض العام لشركة أرامكو السعودية، وإطار تحركات سوق الأسهم، والتحركات المستقبلية ـ أن السعودية تُعد دولة مهمة في عالم اليوم، حيث تبلغ قيمة أرامكو السعودية أكثر من قيمة شركات كبيرة مثل آبل، وموبل، وإكسون، وألفابت، بأرباح صافية بلغت 111 مليار دولار.

وفي هذا السياق يمثل مصير شركة النفط الوطنية الليبية، التي تخضع حاليا لسيطرة البنك المركزي في طرابلس التابع لحكومة الوفاق الوطني ـ قضية مهمة لدولة مهتمة بقطاع النفط، ولها صور في عالم تدفق النفط وتسعيره.

وبالعودة إلى الموانئ وفيما يخص دولة الإمارات، فإن “موانئ دبي العالمية” تُعد من أكبر الجهات الفاعلة العالمية، والأكثر نفوذا في الإمارات في مجال الموانئ البحرية، ولديها محفظة قوية مع مرافق حديثة لتفريغ الحاويات في منطقة الخليج والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا والشرق الأوسط.

وتمتلك الشركة، تحت إدارة رئيسها سلطان أحمد بن سليم هيكلا ومشروعا كبيرا من خلال ميناء جبل علي، والمنطقة الحرة على شبكة التجارة البحرية. وقد أسست شبكة استراتيجية في المنطقة مع موانئ العين السخنة في مصر، وجدة في المملكة العربية السعودية، ودورال في جيبوتي، وجن جن في الجزائر، وبربرة في أرض الصومال، وكيجالي في وراندا، وداكار في السنغال.

وكما هو الحال في اليمن تسعى الإمارات إلى السيطرة على المياه الأقليمية للبحر المتوسط من خلال حفتر، هذا إن لم تكن تسيطر مباشرة على الميناء في ليبيا. وعلى الرغم من أن ميناء جبل علي هو ميناء مجهز تقنيا، إلا أن احتمال عدم وجوده على طرق التجارة وتقليل كثافة عمله يقلق دولة الإمارات. ولمنع ذلك، قامت الإمارات بالعديد من التحركات في السياسة الخارجية.

تمتلك ليبيا أيضا ثلاثة موانئ رئيسة وهي بنغازي ومصراتة وطرابلس ـ ولها ساحل واسع يشمل العديد من الموانئ الصغيرة، مثل درنة وراس لانوف وزوارة وسرت والخمس. وتوفر الموانئ في المنطقة التي استولى عليها حفتر ميزة استراتيجية له للحصول على الدعم من الإمارات والسعودية خلال الحرب الأهلية. وتتمثل المشكلة الرئيسة في الموانئ في إمكانية وجود دولة أخرى إقليمية أو عالمية تحقق التفوق في تلك الموانئ الليبية، وهذا ما يدفع دولة الإمارات إلى توفير دعم غير محدود لحفتر.

البقية في الجزء الثالث

____________

المصدر: رؤية تركية ـ السنة 9 العدد الثاني