Minbar Libya

القصة الكاملة للصراع على أكبر بحيرة غاز طبيعي في العالم بين 9 دول في شرق المتوسط والتدخلات الخارجية واحتمالات التصعيد.

الجزء الثالث

اتفاقية أنقرة طرابلس والحدود المصرية

هكذا نفهم أنه ليس من مصلحة مصر بأي حال من الأحوال إنشاء وإنجاز خط إيست ميد. ويترتب على ذلك أن أي ترسيم حدود بحرية يقطع الطريق على الخط ويعيق إنشاء هذا المشروع يتماشى بشكل مباشر مع المصلحة المصرية ويعضد من آمال مصر في تحقيق حلمها بأن تصبح المنصة الرئيسية في شرق المتوسط لنقل وتصدير الغاز المسال إلى أوروبا.

وهذا يعني أن الاتفاقية التركية الليبية تصبّ في مصلحة مصر لأن ترسيم الحدود التركية الليبية يقطع الطريق على خط East Med ويجعل مرور الخط يمر عبر المياه التركية، ومن غير الوارد على الإطلاق أن توافق تركيا على مروره في ظل أزماتها مع قبرص واليونان.

ولا تزال مصر الجهة الفاعلة المهيمنة في مجال الطاقة في شرق البحر المتوسط، حيث يبلغ احتياطيها الإجمالي من الغاز أكبر بكثير من احتياطيات إسرائيل أو قبرص. وتتميز القاهرة أيضاً بسوق محلية كبيرة وقدرة على تصدير فائض الكميات عبر مصنعيْن للغاز الطبيعي المُسال على شاطئ دلتا النيل. ومن المتوقع أن يتم قريباً التوقيع على عقود لِستّة مراكز تنقيب بحرية جديدة غرب الدلتا، من بينها مركزان تمتلك فيهما شركة “نوبل” حصة.

واتفاقية مصر مع اليونان حققت بعض المكاسب

جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان لتمثل موقفاً مخالفاً للتقاليد الدبلوماسية المصرية في هذا الملف.

فنتيجة الوضع المعقد في شرق المتوسط لم ترسم مصر حدودها البحرية إلا مع قبرص في عام 2003، ولم ترسم مصر حدودها البحرية مع إسرائيل ولا مع اليونان.

وكانت هناك توصية مصرية داخلية برفض الطرح اليوناني لترسيم الحدود، لتمسُّكه بمواقف قد تؤدي إلى خسارة مصر مساحات من مياهها الاقتصادية.

يبدو ما تسرب من الاتفاق المصري اليوناني أن القاهرة قد قللت الطلبات اليونانية، ولكن على الأرجح تظل مكاسب مصر حتى بعد تنازلات أثينا، أقل مما قد تعرضه أنقرة عليها.

ببساطة لأن أنقرة ستعرض ترسيم الحدود من جانبها من البر الرئيسي، وهو الأمر الذي يعطي حدوداً أطول لمصر، بينما ترسيم الحدود من الجانب اليوناني سيكون بداية من الجزر، وهو ما يقلل طول الحدود الممنوحة لمصر.

والمفارقة هنا أن الإتفاقية المصرية اليونانية حسب ما تسرب عنها، قد تكون أكثر فائدة لتركيا من القاهرة.

منتدى غاز شرق المتوسط: على خطوط المواجهة

في يناير/ كانون الثاني 2020، أعلن وزراء الطاقة في 7 دول شرق متوسطية إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط بهدف “تأسيس منظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء في مواردها الطبيعية، بما يتفق ومبادئ القانون الدولي، وفقا لبيان وزارة البترول المصرية”.

عضوية المنتدى شملت مصر والأردن وفلسطين وقبرص واليونان وإيطاليا وإسرائيل. وحول استثناء دول مثل تركيا ولبنان وسوريا من هذا المنتدى، وضم إسرائيل التي تعتبر عدوة لسوريا ولبنان وخصما لدودا لتريكا، يعتقد محللون أن المنتدى يعد العدة لبناء جبهة معادية لتركيا، ويضع مصر مع إسرائيل في خندق واحد معاد لتركيا.

عدة دول تقف اليوم على خطوط المواجهة ضمن مجموعتين، تربط المصالح بين أطراف كل منهما.

في المجموعة الأولى مصر وإسرائيل وقبرص واليونان والأردن والسلطة الفلسطينية.

في المجموعة الثانية دول مستثناة من الكعكة، لكنها ترفض ذلك، هي تركيا وقبرص الشمالية وسوريا ولبنان، ومن خلفها لاعبون إقليميون آخرون، وفي المقدمة روسيا وإيران.

فرنسا: دوافع سياسية وشخصية ومصالح مع المستبدين

في بداية 2020 أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن حاملة الطائرات شارل ديغول ستُبحر قريباً إلى شرق البحر المتوسط، معللاً ذلك بدعم التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، مضيفاً أن حاملة الطائرات “ستكون في صلب عمليات مشتركة بين عدة دول أوروبية”. لكن السبب الحقيقي لإرسال باريس إحدى أكبر حاملات طا ئراتها إلى شرق المتوسط، هو الغاز.

إعلان ماكرون سبقه بساعات إعلان فرنسا طلبها الانضمام رسمياً لعضوية منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم كلاً من: مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية.

يأتي هذا الحراك الفرنسي بعد توقيع كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وفايز السراج رئيس حكومة الوفاق الليبية، مذكرة تفاهم في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 لترسيم الحدود الاقتصادية البحرية بين تركيا في شمال المتوسط وليبيا في الجنوب.

لم تكن فرنسا بعيدة عن المشهد، إذ سبق لها أن أعربت عن دعمها لقبرص اليونانية، لِما تواجهه من “صعوبات” مع تركيا، التي ما زالت تحاول استكشاف مصادر للطاقة في البحر المتوسط. كما أن باريس تدعم علناً محاولة قبرص اليونانية إيقاف أنقرة عن التنقيب قبالة سواحلها، لحماية رخصة التنقيب الخاصة بشركة النفط “توتال”.

يحرك فرنسا في شرق المتوسط، عدة عوامل متناقضة

ليست لشركات فرنسا حتى الآن مصالح مباشرة كبرى معروفة في مشروع غاز شرق المتوسط، فالشركات الإيطالية تقوم بدور أكبر.

أما أبرز دوافع باريس فهو العداء الشخصي من الرئيس إيمانويل ماكرون لنظيره التركي رجب طيب أردوغان، متضافراً مع العداء التقليدي للعلمانية الفرنسية المتطرفة ضد الإسلام السياسي، حتى لو أن بديل هذا الإسلام هو التطرف الديني المسلح.

ولكن الأهم في دوافع فرنسا، أن باريس عززت في عهد ماكرون توجهاً لا تخجل منه بأنها صديقة المستبدين العرب، وهو توصيف أصبح شائعاً في الإعلام الغربي.

أخيراً.. هذه التحديات تواجه كنز الغاز في شرق المتوسط

لو تم اكتشاف بحيرة الغاز التي يسبح فوقها شرق المتوسط في مكان آخر، لاحتفلت شعوب المنطقة، وجلس رؤساء الدول يتقاسمون “كنوز مغارة علي بابا”.

لكن ما نشاهده هنا هو فيلم خيال علمي، تبدو بعض مشكلاته عصيّة على الحل.

استخراج الكنز يوجه صعوبات عديدة، أبرزها عدم جاهزية البيئة القانونية، ونقص الشفافية الدولية، وضعف البنية الاستثمارية، وصعوبة النقل والتصدير، والحصول على أسواق ذات جدوى. 

هذه أبرز التحديات.

احتياطات كبيرة يصعب الاستفادة منها تقنيا

قدمت المنطقة للدول المحيطة بها ولشركات التنقيب عدة مفاجآت سارة في العقد الأخير، وما زالت الأرقام المتوقعة للإحتياطي هائلة، ومع ذلك، فإن الحفر في هذه المياه العميقة باهظ الثمن، بتكلفة تصل إلى 100 مليون دولار لكل حفرة في المياه التي يبلغ عمقها حول 6 آلاف قدم، ويستغرق البحث وقتا طويلا، نحو ثلاثة أشهر على الأقل، ولا يمكن التنبؤ به بشكل يدعو للضيق على الرغم من مسوحات الاستكشاف الزلزالية الأولية المفصّلة.

نزاعات قانونية حول ترسيم الحدود

وفقا لقانون البحار، يمكن لأي بلد ساحلي أن يطالب بمنطقة اقتصادية حصرية، لكن يجب أن يتفق على حدودها مع الدول المجاورة. وفي شرق المتوسط لا يعترف لبنان بالمنطقة الاقتصادية الحصرية التي تطالب بها إسرائيل ويرفض التفاوض. ولا تعترف تركيا بأ، لقبرص منطقة اقتصادية حصرية تتجاوز حدودها الإقليمية التي يبلغ طولها 12 ميلا، وقامت بمضايقة سفن الاستكشاف التي تجاوزت تلك المسافة. ويرى الأتراك أيضا أن منطقتهم الاقتصادية تلامس الحدود مع مصر، رغم أن القاهرة وافقت على منطقة اقتصادية حصرية مع قبرص تضم مساحة كبيرة من هذا المجال.

الخلافات والمنافسات السياسية

عرقلت الصراعات السياسية الإقليمية بعض التطورات، بينما سهلت تطورات أخرى. تتحالف مصر مع إسرائيل، وتتدهور العلاقات بين إسرائيل وتركيا، المنافس الإقليمي الرئيسي لمصر، إذ يبدو أن ما يظهره الرئيس رجب طيب أردوغان من كراهية عميقة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد حال دول النظر بفكرة قيام خط تصدير نحو الشمال على الأقل في الوقت الذي يظل فيه الرجلان في السلطة. ونتيجة لذلك، قررت إسرائيل العمل مع مصر بناء على خلفيات سياسية.

الخوف من عمل إرهابي

أجرت البحرية الإسرائيلية في بداية 2019 تدريبات خاصة بحماية منشآت استخراج الغاز البحري، مدفوعة بمخاوف من قيام “حماس” أو “جزب الله” بهجمات محتملة. وتشكل خطوط الأنابيب عبر سيناء نقطة ضعف أخرى، إذ لا تزال المنطقة تعاني من غياب سلطة القانون وإرهاب تنظيم “الدولة الإسلامية”.

هل يستطيع الاقتصاد أن يتغلب على السياسة؟

يمثل الموقف الحالي مأزقاً بالنسبة لجميع الأطراف في شرق المتوسط.

الصراع بين كتلة تركيا والكتلة المناهضة لها يؤذي مصالح الطاقة بالنسبة للجميع، وهو ما يجعل الاستثمار في المنطقة أعلى تكلفة على شركات الطاقة.

لا أحد يريد الحرب، إلا أن التصعيد المتبادل قد يخرج عن السيطرة، وحتى لو لم يخرج عن السيطرة فإنه يرفع التكلفة على الجميع عبر تأخير الاستفادة من موارد المنطقة، وتوتير العلاقة بين شعوبها.

بينما المصالح تُصالح الغرماء.

وخطوط الغاز يمكنها إعادة تشكيل تقاطعات مصالح دول المنطقة، وليست الخلافات الأيديولوجية والسياسية.

والتصعيد الراهن بين الدول المطلة على المتوسط لا يعني وجود احتمالات قائمة لتسوية الخلافات.

قد يكون المسار الأكثر منطقية هو إنشاء سوق للغاز شرق البحر الأبيض المتوسط بالاستناد إلى البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال الموجودة في مصر.

مع جني الأرباح لجميع اللاعبين الإقليميين.

وتوفير فرصة ذهبية لأوروبا، حيث من المرجح أن تنمو متطلبات استيراد الغاز في السنوات القادمة، مع انخفاض الإنتاج المحلي الأوروبي.

قد تتشكل تحالفات جديدة تضم الأطراف التي لم تنخرط في تحالفات واضحة حتى الآن، مثل لبنان وسوريا والسلطة الفلسطينية.

وقد تنجح الوساطات الدولية في الوصول لاتفاق نهائي، حيث إن ثروة الغاز القابعة تحت شرق المتوسط لها أهميتها الكبرى في تغطية احتياجات السوق العالمي.

وبالفعل بدأت الولايات المتحدة في ممارسة دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، كما أعلن الاتحاد الأوروبي تأييده للموقف القبرصي واليوناني في الخلاف مع تركيا.

لكن من الصعب أن يسمح أيٌّ من أطراف النزاع باللجوء لمواجهات عسكرية بأي حجم.

______________