Minbar Libya

بقلم عائد عميرة

تشهد العلاقات الجزائرية التركية، تطورات كبرى بعد فتور اتسمت به في السنوات الأخيرة لحكم نظام الرئيس المستقيل تحت ضغط الشارع عبد العزيز بوتفليقة. تحسن في العلاقات نلاحظه من خلال تواتر الزيارات الرسمية بين الطرفين والتقارب الملحوظ بينهما في المجال الاقتصادي والتجاري والتنسيق الأمني، لكن هل ينعكس هذا على الأحداث في ليبيا و ما يجري في شرق البحر الأبيض المتوسط؟

زيارات متبادلة

آخر الزيارات المتبادلة بين الطرفين، كان لوزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، حيث زار أنقرة أول أمس الثلاثاء، والتقى بوقادوم خلال هذه الزيارة نظيره التركي مولود تشاووش أوغلو، فضلًا عن الرئيس رجب طيب أردوغان الذي كلفه بنقل تحياته للرئيس عبد المجيد تبون وتمنياته باستقباله في زيارة إلى تركيا.

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي استقبل الرئيس عبد المجيد تبون، وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، بالقصر الرئاسي، كما التقى جاويش أوغلو نظيره الجزائري صبري بوقادوم، والتقى أيضًا مع رئيس الوزراء عبد العزيز جرّاد.

ترفض كل من الجزائر وتركيا هيمنة خليفة حفتر على المشهد العام في ليبيا، فيما يدعمان الحكومة الشرعية في طرابلس

كان الرئيس أردوغان هو أول رئيس دولة زار الرئيس عبد المجيد تبون بعد انتخابه يناير/كانون الثاني الماضي، ووصفت الرئاسة الجزائرية زيارة أردوغان حينها بأنها “زيارة صداقة”، ولا تعطي الجزائر هذه الصفة لزيارة المسؤولين الأجانب إلا نادرًا لما تشهد العلاقات تطورًا ملحوظًا.

وكانت هناك زيارات أخرى بين البلدين عطلتها أزمة وباء فيروس كورونا، يذكر أن رجب طيب أردوغان، كان ثالث زعيم أجنبي يهاتف الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون لتهنئته بفوزه في الانتخابات، التي نُظمت في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، بعد كل من الرئيس التونسي قيس سعيّد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

فضلًا عن ذلك، التقى عبد المجيد تبون، أردوغان في ألمانيا على هامش مؤتمر برلين الخاص بالأزمة الليبية الذي عقد في يناير/كانون الثاني الماضي، والذي اتفق المجتمعون فيه على ألا حل عسكري للنزاع في ليبيا ووعدوا باحترام حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة عام 2011 على هذا البلد الذي تمزّقه حرب أهليّة.

استثمارات كبيرة

هذا التطور، يظهر أيضًا في المجال الاقتصادي الذي سجل مؤخرًا مؤشرًا إيجابية بين الطرفين، بعد أن أبقى نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة العلاقات الجزائرية التركية الاقتصادية مكبلة ومحدودة، خاصة في فترة الوزيرين الأولين السابقين أحمد أويحيى وعبد المالك سلال.

تستحوذ الشركات التركية العاملة في الجزائر على استثمارات كبرى تقدر بمليار دولار وهو ما جعلها تشكل أهم مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بحسب ما كشفه عبد الكريم منصوري مدير الوكالة لتطوير الاستثمار في الجزائر.

ففي غيليزان، يوجد أكبر مصنع للنسيج في إفريقيا، وهو ثمرة استثمار تركي، وغير بعيد عنه يوجد مصنع “توسيالي” للحديد والصلب بوهران، وتبلغ قدرة إنتاجه مليون طن سنويًا، وساهم في استرجاع النفايات الحديدية وقلص فاتورة الواردات بنسبة كبيرة.

فضلًا عن النشاط الكبير للشركات التركية على صعيد البنى التحتية، السكن والعمران، والأشغال العمومية، والموارد المائية، كما يوجد هناك مشروع مشترك بين سوناطراك و”رينيسانس هولدنج” التركية، في قطاع البتروكيماويات، والذي سيقام بولاية أضنة، جنوبي تركيا.

كما يقدر عدد المؤسسات التركية النشطة في الجزائر بـ988 مؤسسةً توظف أكثر من 30 ألف عامل، تشتغل معظمها في إنتاج مواد التنظيف والأجهزة المنزلية كأدوات ومستلزمات المطابخ، وتسعى تركيا اليوم إلى إقامة منطقة تبادل حر مع الجزائر، تضمن توسيع الاستثمارات وتدفق السلع، خاصة بعد إلغاء القاعدة الاستثمارية 49/51 في قانون المالية الساري حاليًّا.

هذا المشروع سيبدأ الإنتاج في شهر يوليو المقبل، وسيسمح لسوناطراك بتصدير 450 ألف طن من غاز البروبان إلى هذا المصنع، كمادة أولية لإنتاج مادة البيلوبروبيلان، وهي مادة أولية للبلاستيك، تستخدم في صناعات السيارات والنسيج والصيدلة.

غير أن الأهم من كل ذلك، هو اتفاق الغاز المبرم بين البلدين، والذي تم تمديده بخمس سنوات (حتى 2024)، خلال الزيارة التي قادت الرئيس أردوغان، إلى الجزائر مطلع العام الحالي، وهو اتفاق ينطوي على قدر كبير من الأهمية، لأنه جاء في وقت يعاني فيه سوق الغاز الجزائري في أوروبا من أزمة خانقة.

القضية الليبية

كل هذه المؤشرات، تؤكّد وفق الصحفي الجزائري رياض المعزوزي، اتجاه العلاقات الجزائرية التركية نحو مزيد من التعزيز، ليس فقط على صعيد التبادل التجاري والاقتصادي والاستثماري فحسب، بل يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا على تقريب وجهات النظر، بشأن بعض القضايا الإقليمية المصيرية بالنسبة للبلدين.

على رأس هذه القضايا، وفق المعزوزي، الأزمة الليبية التي باتت تهدد الأمن في المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وكذلك التوتر بشرق المتوسط بشأن اكتشافات الغاز والبترول التركية، وقضية الاتفاق التركي الليبي.

ويؤكد رياض المعزوزي في حديثه لنون بوست، أن “الموقفان الجزائري والتركي يتقاطعان في العديد من المسائل الإقليمية والدولية، وخاصة الأزمة الليبية، حيث يقف البلدان إلى جانب الحكومة المعترف بها دوليًا، وقد لعبا دورًا بارزًا في دحر الهجوم العسكري على العاصمة طرابلس، وإن كان هذا الدعم اختلف من العسكري كما هو الحال بالنسبة لتركيا، إلى الدبلوماسي بالنسبة للجزائر.”

تشهد منطقة شرق المتوسط منذ أشهر تصعيدا في التوتر بين تركيا واليونان، على وقع استعراض متبادل للقوة وتنقيب حثيث من الطرفين عن موارد للطاقة

يضيف محدّثنا، “مع هذا التقارب باتت الجزائر لا تعارض الحل الأقرب في حال فشل المفاوضات السياسية، وهو الحل العسكري الداعم لحكومة الوفاق”، وتسعى كل من الجزائر وتركيا لحل الأزمة الليبية بالطريقة الدبلوماسية والحوار، على عكس مصر وفرنسا والإمارات التي ترى وجوب الحل العسكري ودعم خليفة حفتر المتمرد على الشرعية الدولية، وهو ما يظهر باختراق الأخير لجميع الهدن التي جرى التوصل إليها.

وترفض كل من الجزائر وتركيا هيمنة خليفة حفتر على المشهد العام في ليبيا، فيما يدعمان الحكومة الشرعية في طرابلس، كما يعدان الحل السلمي الذي يستثني حفتر الساعي لفرض الأمر الواقع بقوة السلاح مخرجا للأزمة.

كما لا يستبعد المعزوزي أن يكون اللقاء الأخير بين بوقادوم وتشاويش أوغلو  قد ساعد أنقرة على فهم ما يجري في مالي من الطرف الجزائري، الذي يعرف جيدًا هذا البلد الإفريقي الفقير من حيث الموارد والجريح بسبب كثرة الانقلابات والقلاقل الأمنية، لا سيما أن أنقرة تريد مزاحمة النفوذ الفرنسي المستحكم في هذا البلد كما في غيره من البلدان الإفريقية.

قضية الصراع شرقي المتوسط

التوافق في المواقف بين البلدين، يظهر أيضًا في قضية الصراع شرقي البحر الأبيض المتوسط، ويرى رياض المعزوزي أن الموقفين التركي والجزائري متقاربان جدًا في هذه القضية الهامة بالنسبة للسلطات التركية.

ويقول المعزوزي في هذا الشأن، إن “المسار الذي اتخذته سفينة لالا فاطمة نسومر المحملة بالغاز إلى تركيا، عبر المياه الإقليمية المشتركة بين تركيا وليبيا والمحدد بموجب الاتفاق الأخير، يعد بمثابة تزكية مباشرة لمشاريع تركيا شرق المتوسط.”

وفق محدثنا، يعدّ هذا الأمر جزء مهما لموقف الجزائر الداعم لترسيم تركيا لحدودها البحرية، وأحقيتها في اكتشافات الغاز شرق البحر المتوسط، ويرى المعزوزي أن بلاده لها أن تقدم الكثير للأتراك في هذا الشأن نظرًا لمكانتها الإقليمية الهامة.

وتشهد منطقة شرق المتوسط منذ أشهر تصعيدًا في التوتر بين تركيا واليونان، على وقع استعراض متبادل للقوة وتنقيب حثيث من الطرفين عن موارد للطاقة هناك، إذ تتنازع تركيا واليونان السيادة على مناطق بحرية في البحر المتوسط، حيث تم اكتشاف احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي في السنوات الأخيرة. وتتهم أثينا أنقرة بالتنقيب بشكل غير مشروع عن الغاز الطبيعي قبالة جزرها، وترد تركيا بأنها تنقب في مناطق تنتمي إلى الجرف القاري التركي.

*************

دبلوماسية المغرب تصمد أمام التنافس الروسي والأمريكي بشأن ليبيا

من الملفّ اللّيبي وتموّجاتهِ الإقليمية إلى خلقِ تقاطعات استراتيجية على مستوى غربِ بحر الأبيض المتوسّط ومنطقة السّاحل الافريقي، يواصلُ المغرب البحث عن موقعٍ مركزيّ لهُ في سياق الأحداث، وسطَ تسابقٍ محموم بين فواعل دوليّة وتحالفات إقليمية تراهنُ على فرضِ سياسة “الأمر الواقع” في المنطقة المتوسّطية والسّاحل.

وبات المغرب على “مقربة” من البؤر الإقليمية ودائمَ الحضور في الحوار الاستراتيجي الإقليمي الذي ترعاهُ قوى عالمية تملكُ خياراتٍ متعدّدة، من بينها ضمانُ حضور الرّباط في مسلسل التّسويات الذي سيحدّد ملامح مستقبل منطقة غرب-شرق بحر الأبيض المتوسّط ومنطقة السّاحل الإفريقي.

ويستعدُّ المغرب لدورة جديدة من الحوار السّياسي بين الفرقاء اللّيبيين المتخاصمين بعدما وصلَت المبادرات والوساطات المدنيّة إلى الباب المسدود. ويُجمعُ الفرقاء الليبيون على الدور المحوري للمغرب في حل الأزمة الليبية، نظرا لما يشكله اتفاق الصخيرات من أرضية سياسية تأسيسية لا تتعارض مع كل الاتفاقيات والمبادرات الليبية الأخيرة.

وسيكونُ المغرب في مواجهة أقطاب وفواعل دوليّةٍ منها من تتناغمُ معها الرّباط في التّوجهات وحدود الرّؤية السّياسية والاستراتيجية، مثل الولايات المتّحدة الأمريكية وفرنسا، ومنها من تتحكّم في خيوط علاقاتها مع الرّباط تفاهمات “ظرفية” مثل الصّين وروسيا.

وفي هذا الصّدد، قال الشرقاوي الروداني، خبير في الشّأن العسكري والأمني، إنّ “المملكة المغربية تستعدُّ لاحتضان لقاء رفيع المستوى بين الأطراف الليبية؛ بحيث هناك حديث عن وساطة موسكو ودول أخرى من بينها المغرب في طريقها إلى تفعيل مجموعة من الإجراءات التي من شأنها تذويب الخلافات وتقريب وجهات النظر”.

وأوضح الأستاذ الجامعي المتخصّص في الشّأن الاستراتيجي أنّ “اختلاف الآراء وانعدام الثقة بين الشرق والغرب كرسه تمسك كل طرف بمواقف غير واقعية ومتشددة، وهو ما لا يصب في مصلحة ليبيا”، مبرزاً أنّ “الأمم المتحدة تقترح وضع آلية رصد مشتركة صغيرة دولية لرصد وقف إطلاق النار”.

ومن هذا المنطلق، يرى الشّرقاوي أنّ “أطرافاً قوية داخل المشهد الليبي من التي تريد تفعيل مسار العملية السياسية تريد من هذه الاجتماعات مناقشة سبل تفعيل الحل السياسي والتشاور حول آلية تغيير شخصيات تتولى قيادة المؤسسات السيادية”.

وبشأن تحرّكات الرّباط على هذا المستوى وكيفية مجاراتها القوى الدّولية في تعاطيها مع هذه القضية، قال الشّرقاوي إنّ “روسيا مثلا كانت بعيدة على مجموعة من التّجمعات الإقليمية المهمة، مثلَ مجموعة غرب بحر الأبيض المتوسط، وعودتها إلى سياق الأحداث يمكنها أن تخدمَ مصالح المملكة”.

وأضاف أنّ “الحضور الرّوسي في مالي ومنطقة السّاحل برمتها لافت وقوي، كما أنّ النيجر ستترأّس دورة مجلس الأمن المقبل، وبالتّالي روسيا لا يمكنها أن تمر إلى النيجر إلا عبر المغرب الذي يعتبر حليفها الاستراتيجي في إفريقيا”.

وتوقّف المحلّل ذاته عند مشروع أنبوب الغاز مع نيجيريا، مبرزاً أنّ “المغرب يطمحُ إلى بناء علاقات دولية متينة من خلال توسيع الشّراكات مع الدّول”، مقرّاً بأنّ “تأمين الغاز لدول غرب أوروبا هو مسألة حيوية واستراتيجية قد تكون هناك قراءات قد تحدّ من نقاط التأثير الرّوسي في غرب أوروبا”.

وأورد المحلّل ذاته أنّ “الملف اللّيبي له اعتبارات سياسية؛ فالمغرب له عمق استراتيجي من خلال علاقاته مع التّجمعات القبلية الليبية التي لها ارتباطات مع إمارة المؤمنين،” مبرزاً أن “روسيا تقوم بدعم تفاهمات الرّباط”.

وخلص المحلل ذاته إلى أنّ “الولايات المتحدة الأمريكية ستواصلُ دعمها للجهود المبذولة من طرف المملكة المغربية لحل الأزمة الليبية، وتعتبر منصة الرباط ذات مصداقية وموثوقة للوصول إلى حل سلمي ينهي الانقسام

….

المصدر : هسبريس