Minbar Libya

بقلم ديدييه بيّون

يستعرض كل من إيمانويل ماكرون ورجب طيب أردوغان عضلاته في شرق المتوسط، حيث تتفاقم أزمة المحروقات بين تركيا واليونان. سوريا، ليبيا، أوروبا، قبرص: تطول قائمة الخلافات، ويبدو من خلال هذه القضية الجديدة أن شرخا ما حصل في العلاقة بين باريس وأنقرة.

تشهد العلاقات بين فرنسا وتركيا فترة حرجة من جديد. وإن تلت أزمات الماضي فترة انقشاع، فلا يمكن إنكار أن تراكم الخلافات طوال السنوات الأخيرة أدى إلى تدهور في الأوضاع سلطت عليه هذه الأزمة الضوء. ويخشى أن شرخا قد حصل في العلاقة بين البلدين وسيصعب ترميمه.

توظيف تاريخي

إحدى الصعوبات المتكررة هي توظيف هذه العلاقة من طرف البلدين لأغراض سياسية داخلية، وقد كان ذلك حال عدد من الرؤساء الفرنسيين. وكان أكثرهم توظيفا وبكل تبجح وضراوة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في إطار سعيه لاستقطاب أصوات اليمين المتطرف، إذ تبنى المواضيع المعادية لتركيا مثل “المبادئ” القومية ومعاداة الإسلام.

أما في تركيا، فقد بالغ أردوعان من جهته في استعمال خطاب قومي ليبرهن على أن البلدان الغربية -ومنها فرنسا- تسعى لفرض إرادتها وتلاحق حلمها التاريخي بتذليل بلاده وفرض سيطرتها عليها.

تفاقم هذا البعد من خلال قضية إبادة الأرمن، إذ تبنى البرلمان الفرنسي سنة 2001 قانونا يعترف بالإبادة الجماعية. وبعد بضع سنوات، رفض المجلس التأسيسي الفرنسي مرتين في 2012 و2017 محاولات برلمانية لتجريم إنكار الإبادة الجماعية لسنة 1915. وقد استاءت السلطات التركية من هكذا مبادرات سياسية التي كانت بداية تدهور بطيء لكن مؤكد للعلاقات بين البلدين.

وطبعا، كانت مسألة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي الخلفية الأساسية لتبادل هذه الاتهامات. وقد ساهمت تصريحات المسؤولين الفرنسيين الرئيسيين في تغذية مناخ شك وعدم ثقة. فقد كانت ردود الفعل متعددة وعاطفية عندما كتب فاليري جيسكار ديستان الذي كان رئيس مؤتمر مستقبل أوروبا في مقال بجريدة لوموند في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 أن “تركيا بلد قريب من أوروبا، وهي بلد مهم يتمتع بنخبة حقيقية، لكنها ليست بلدا أوروبيا”.

عدها ببضع سنوات، لم يفتأ نيكولا ساركوزي ينادي بمعية المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بشراكة مميزة مع تركيا -عوض انضمام تام للاتحاد الأوروبي-، حتى أنه أعلن بكل احتقار خلال برنامج تلفزي: “لو كانت تركيا بلدا أوروبيا لكان ذلك أمرا معلوما”.

كما يتساءل أحدهم عما وراء التحليل الذي قدمه إيمانويل ماكرون في 27 أغسطس/آب خلال مؤتمر السفراء التقليدي، إذ وصف سياسة الرئيس التركي بالـ“مشروع القومي الإسلامي الذي يُقدَّم عادة على أنه معاد لأوروبا”، خاصة وأن فرنسا تدعي أنها قادرة على لعب دور جديد على الساحة الأوروبية والدولية.

وكان يجدر بإعلان الرئيس الفرنسي إرادته في إعادة صياغة طرق بناء الاتحاد الأوروبي أن يكون فرصة لتجديد العلاقة بين باريس مع أنقرة. لكن سرعان ما أثبتت إرادة ماكرون حدودها.

نرى من خلال هذا التذكير تعدد أسباب الخلاف بين البلدين. لكن هذا الخلاف لم يتعد إلى حد الآن مستوى الخطاب مهما كان عدوانيا، رغم خيبات أمل بعض الشركات الفرنسية التي تمت إزاحتها خلال دعوات مناقصات تركية.

تصعيد غير منتج

كما يحدث عادة في حالات التوتر المستمر، تضاعفت خلافات مثل هذه دون أن تسيطر عليها الحكومة الفرنسية ولا التركية، وقد كان من الممكن أن تحل بطريقة توافقية خلال الأشهر الأخيرة.

ويبرهن هذا التصعيد على الضغينة والتوجس المتبادل بين الطرفين وهو غير منتج بالمرة إذ لا مبرر له حقا. فالشكاوي والتصريحات المبهمة أو الجارحة لا تؤدي إلا إلى احتقان الوضع وتفاقم الاختلافات في الإدراك والتحليل.

جوهريا، تتعدد الآن الخلافات وهي تتعلق أكثر فأكثر بملفات جيوسياسية مثل قضية الأكراد في سوريا ومنظمة الحلف الأطلسي (الناتو) وليبيا وشرق المتوسط. تطول اللائحة وتشير إلى شراكات متنافسة.

ويبدو أن التصعيد والمواجهة المباشرة يطغيان في كل ملف على إرادة التوصل إلى توافق ديبلوماسي وسياسي. ومن بين هذه الأمثلة، نذكر ما قاله إيمانويل ماكرون في حوار له مع مجلة “ذي إيكونوميست” في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 عندما اعتبر أن الناتو حاليا في حالة “موت دماغي” بعد عجزه عن رد الفعل على العملية العسكرية التركية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 ضد مواقع كردية تابعة للمجموعات المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا. وما كان جواب أردوغان إلا أن قال: “عليك بفحص موتك الدماغي”.

هكذا بات انعدام التفاهم بين فرنسا وتركيا واضحا ولكن خاصة رفض كل منهما فهم منطق مخاطبه، إذ تطغى على الموقف رؤيتان إيديولوجيتان متضاربتان أسفرتا على انسداد الوضع.

في الملف الكردي، ترى باريس أن عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي ينتمون إلى “محاربي الحرية” وهم بذلك حلفاء لفرنسا لأنهم قاتلوا تنظيم الدولة الإسلامية على الأرض وبنجاعة.

لكن أنقرة وجزءا كبيرا من الرأي العام التركي يعتبرهم أولا وقبل كل شيء النسخة السورية لحزب العمال الكردستاني الموصوم بالإرهاب (كما هو الحال في باريس). لذلك ترفض تركيا قطعا أن يتمتع حزب الاتحاد الديمقراطي بإقليم حكم ذاتي على الحدود التركية السورية.

وقد زاد الوضع الفوضوي في سوريا والذي نجحت تركيا من خلاله في استعادة مكانة سياسية بمشاركتها في “مجموعة أستانة” في تفاقم هذه المفارقة، بينما أضحت فرنسا مجرد مراقب للأوضاع هناك، ولا قدرة لها على لعب دور في حل هذا النزاع.

أما في ليبيا، فالأمر أكثر تعقيدا، إذ كادت المواجهة البحرية بين السفن الفرنسية والتركية في يونيو/حزيران 2020 أن تؤول إلى ما لا يحمد عقباه. وقد تفسر سلسلة الأخطاء التي قامت بها فرنسا في الملف الليبي عدوانية الرئيس ماكرون، وكان اتهامه لتركيا بإرادة التوسع طريقة سهلة ليبرئ نفسه.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف لبلد عضو في مجلس أمن الأمم المتحدة ألا يساند حكومة السراج التي تعترف بها الأمم المتحدة، بل أن يراعي تمرد المشير خليفة حفتر. فمهما كانت نيتها من وراء ذلك، يجب الاعتراف بأن تركيا ساهمت في إنقاذ الحكومة التي يعتبرها المجتمع الدولي شرعية.

شراكات البلدين تزيد من هذا التوتر، بسبب رهانات التأثير على الوضع الإقليمي. فمن بين ما تعكسه خلافات الملف الليبي رهانات اكتشاف واستغلال موارد المحروقات في شرق المتوسط. وهو ليس بالقضية الحديثة لكنها شهدت مؤخرا تحولات تبعث على القلق.

فمع انقلاب ميزان القوى في ليبيا، قرر إيمانويل ماكرون أن يستعرض القوة العسكرية الفرنسية لمساندة اليونان والقبرصيين اليونانيين. لكنه لم ينجح في تعبئة الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن ألمانيا رفضت التصعيد وآثرت محاولات الوساطة السياسية.

إعادة تقييم عاجلة

صحيح أن الخطاب القومي والعدواني لرجب طيب أردوغان في غير محله، لكن لا يجب أن يسفر ذلك على التفكير بمنطق تضاربي. فأولا، لا يمكن التصرف وكأنه تم حل الملف القبرصي فالحال ليس كذلك. صحيح أن لانضمام قبرص للاتحاد الأوروبي في 2004 واقع قانوني، لكن ذلك لا يعني أن له واقع سياسي، فالجزيرة لا تزال عمليا مقسمة إلى جزئين. وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي غير قادر على المشاركة بطريقة إيجابية في حل هذا الملف، بما أنه في نفس الوقت حكم ومحكوم.

أما عن تحديد الدرف القاري والمياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، فيكفي أن ينظر أحدهم إلى الخريطة ليقتنع أن القانون الدولي البحري يحتاج إلى تهيئة خاصة حتى لا يصبح بحر إيجة والمنطقة البحرية الجنوبية لتركيا بحيرة يونانية. لذا، فلا فائدة في التصعيد ولا في دبلوماسية طبول الحرب. وحدها مناقشات حقيقية قادرة على حل هذه النزاعات الشائكة التي تدوم منذ عقود.

التوتر على أشده إذن بين فرنسا وتركيا. وهذا أمر مؤسف، خاصة وأن فرنسا بلد سياسي، وهي الأفضل موقعا لإحياء العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة على قواعد جديدة، دون مواربة ولا وعود كاذبة.

فالأحكام المغالطة التي تصدر ضد تركيا لا تسمح بفهمها، بل هي غير مثمرة، إذ قد تحرمنا من إمكانية تعزيز علاقتنا مع شريك فرض نفسه في المنطقة. من الأكثر حنكة إذن أن نتوقف على التسويق لصورة سيئة عن هذا البلد واعتباره وفقا لقيمته الحقيقية.

***

ديدييه بيّون ـ المدير المساعد في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية

___________