Minbar Libya

بقلم أحمد قاسم حسين

أعلنت حكومة الوفاق الوطني الليبية، المدعومة من الأمم المتحدة، وقفَ إطلاق النار في جميع أنحاء ليبيا، وأصدر رئيسها فايز السراج تعليماتٍ إلى القوات التابعة لحكومته مفادها الالتزام الفوري بوقف إطلاق النار، وإنهاء جميع العمليات القتالية في جميع أنحاء الدولة.

الجزء الأول

تزامنت دعوة السراج مع طلب رئيس مجلس النواب في طبرق، عقيلة صالح، المتحالف مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يتخذ من الشرق الليبي مقرًّا له، وقفًا لإطلاق النار، على نحو فوريّ، وكل العمليات القتالية في جميع أنحاء البلاد، وأبدى تطلعه إلى أن تكون مدينة سرت مقرًّا مؤقتًا للمجلس الرئاسي الجديد، يجمع كل الليبيين ويقربهم .

لاقت هذه الدعوة من طرفَي النزاع الليبي ترحيبًا من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وعدد من الدول ذات التأثير في مسار الأزمة الليبية، وهو ما بدا بمنزلة “إعلان هدنة” بين طرفَي النزاع، وهذا الأمر يثير مجموعةً من التساؤلات حول دوافع الطرفين إلى إعلان وقف العمليات العسكرية في ليبيا على نحو متزامنٍ، واحتمالات أن تشكّل الدعوة إلى وقف إطلاق النار أساسًا يمكن البناء عليه في إطلاق عملية سياسية في بلد مزَّقته الحروب والتدخلات الخارجية.

أولًا: نقاط التوافق والتباين في إعلانَي وقف إطلاق النار

مثّلت الدعوة إلى وقف إطلاق النار من جانب السراج وصالح “بارقة أمل” لدى الليبيين بشأن الخروج من أتون الحرب الأهلية التي تعصف بالبلاد، منذ الانقسام السياسي عام 2014؛ إذ جاء في مقدمة كِلا البيانين، طلب الحكومة ومجلس النواب وقف إطلاق النار فوريًّا، وكافة العمليات القتالية في جميع أنحاء البلاد.

وعلى الرغم من أن الخطوط العامة في البيانين تكاد تكون مشتركة ومتوافقة؛ كالدعوة إلى وقف إطلاق النار، واستئناف تصدير النفط، واسترجاع السيادة الوطنية وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة، فإن صياغة العبارات الواردة في كليهما تحمل تفسيرات وتأويلات مختلفة، تعكس عمق الخلافات والتناقضات في مقاربة الطرفين لحل الأزمة، انطلاقًا من وقف العمليات العسكرية في البلاد.

1. سرت والجفرة

ورَد في البيانَين ذكرٌ لسرت والجفرة اللتين تسيطر عليهما قوات حفتر لأهميتهما الاستراتيجية، فهما تشكلان خطوط المواجهة الحالية بين قوات حفتر وقوات حكومة الوفاق الوطني، ذلك أنّ مَن يبسط سيطرته العسكرية على سرت يستطيع أن يتحكم في الطريق الساحلي الممتد نحو 350 كيلومترًا مرورًا بالهلال النفطي ذي الأهمية الاستراتيجية، ومن يسيطر على الهلال النفطي، الذي يمتد من ميناء الزويتينة شمال شرق أجدابيا مرورًا بالبريقة وراس لانوف وصولًا إلى ميناء السدرة على الطريق الساحلي المؤدي إلى سرت والمنطقتين الوسطى والغربية، يحكم قبضته على الاقتصاد الليبي.

أما الجفرة التي تقع فيها قاعدة جوية مهمة عسكريًا، فتتيح السيطرةُ عليها تأمينَ المنطقة الشرقية والوسطى، وكذلك المدن التي تقع غرب مدينة سرت.

دعا بيان رئيس حكومة الوفاق الوطني إلى أن تصبح “مدينتَا سرت والجفرة منزوعتَي السلاح وتقوم أجهزة شرطية من الجانبين بالاتفاق على الترتيبات الأمنية داخلهما”، في حين جاء بيان رئيس مجلس النواب في هذا الصدد كما يلي: “[…] وقف إطلاق النار وجعل مدينة سرت مقرًّا مؤقتًا للمجلس الرئاسي الجديد ويجمع كل الليبيين ويقربهم، وتقوم قوات شرطية أمنية رسمية من مختلف المناطق بتأمينها”، في محاولة لتحييد سرت وجعلها مدينة خارجة عن سيطرة الحكومة والبرلمان؛

وذلك تمهيدًا، وفق بيان صالح، لتوحيد مؤسسات الدولة باعتبارها مرحلة توافقية أساسية من مراحل البناء، على أن تستكمل الترتيبات العسكرية طبقًا للمسار التفاوضي (5+5)، برعاية بعثة الأمم المتحدة، فور الاتفاق عليها وإعلانها رسميًّا.

وتجدر الإشارة إلى أن الترتيبات العسكرية التي جاءت في بيان صالح هي ذاتها التي جاء على ذكرها صراحة إعلان القاهرة، وأنّ إشارته إلى ذلك الإعلان لم تأتِ عبثًا؛ إذ يحاول صالح جاهدًا أن يقنع المصريين بأنه قد آن الأوان لتخفيف الرهان على الحصان الخاسر (خليفة حفتر) وتقديم الدعم اللازم له؛ باعتباره الفاعل المؤثر في المنطقة الشرقية.

2. قطاع الطاقة في ليبيا

مثّل موضوع النفط واستئناف تصديره واحدًا من البنود الأساسية في البيانين؛ حيث جرَت الدعوة إلى استئناف إنتاج النفط وتصديره وتجميد إيراداته، لكن الاختلاف في هذا المجال يتمثّل في أن بيان السراج أشار، على نحو مباشر، إلى أنْ يتم إيداع إيرادات النفط في حساب خاص بالمؤسسة الوطنية للنفط لدى المصرف الليبي الخارجي، في حين لم يأتِ بيان صالح على ذكر المؤسسة الوطنية للنفط، وهي المؤسسة التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

وبحسب بيان السراج، فإنه يتمّ صرف هذه الإيرادات بعد التوصل إلى ما سماه السراج نفسُه “ترتيبات سياسية” جامعة، في محاولة منه للحفاظ على مخرجات اتفاق الصخيرات، باعتباره الاتفاق السياسي الليبي الذي يجب أن تجري المرحلة الانتقالية بناءً على مواده، في حين أشار صالح إلى “تسوية سياسية”؛ ما يفتح الباب أمام اتفاق جديد، وإلغاء ضمني لاتفاق الصخيرات الذي جاء بحكومة الوفاق الوطني.

كما برز الخلاف في مرجعية تلك الترتيبات/ التسوية السياسية في كلا البيانين؛ ففي حين مثّل مؤتمر برلين في بيان السراج المرجعية الأساسية، بدعمٍ مِن بعثة الأمم المتحدة، أشار صالح في بيانه إلى إعلان القاهرة، بضمانٍ مِن بعثة الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية والدول الداعمة لإحلال السلام في محاولةٍ لإرضاء القوى الداعمة له.

3. القوات الأجنبية والمرتزقة

اتفق السراج وصالح على مسألة استرجاع السيادة الوطنية الكاملة على التراب الليبي وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة، إلا أن بيان صالح جاء فيه ذِكْرٌ لـ “تفكيك الميليشيات”، في إشارة واضحة إلى الفصائل المسلحة في غرب ليبيا التي لها دور أساسي في تحقيق قوات حكومة الوفاق الوطني نصرها على حفتر، وذلك في محاولة لإبراز ضعف حكومة الوفاق كأنها أسيرةٌ لتلك الفصائل المسلحة التي تعتمد اعتمادًا أساسيًّا عليها.

وفي هذا الصدد رحبت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالإنابة، ستيفاني ويليامز، بالمبادرتين، وأعربت عن أملها في أن يفضي وقف إطلاق النار إلى الإسراع في تطبيق توافقات اللجنة العسكرية المشتركة “5+5″، وبدْء ترحيل جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الموجودة على الأراضي الليبية.

وبحسب ويليامز، فإنّ في تنامي النفوذ الروسي، خاصة عبر مجموعة “فاغنر”، خطرًا لا يهدد مصالح الولايات المتحدة في ليبيا فحسب، بل في شمال أفريقيا أيضًا.

4. الانتخابات

حدد السراج في بيانه موعدًا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية (آذار/ مارس 2021)، وذلك وفق قاعدة دستورية مناسبة يتم الاتفاق عليها بين الليبيين، في حين جاء في بيان صالح ذِكْرٌ لإطلاق عملية انتخابية غير محددة، سواء أكانت برلمانية أم رئاسية، وإتاحة الفرصة للجميع من دون تهميش أو إقصاء.

لكن سرعان ما أعلن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على لسان المتحدث باسمه، محمد بن نيس، أن أي حوار سياسي يجب أن يكون بين هيئات وشخصيات منتخبة، وأن المجلس يرفض بشدة التفاوض مع حفتر، كما عارض الناطق العسكري باسم حفتر، أحمد المسماري، هذه المبادرة واعتبر أنها مبادرة للتسويق الإعلامي فقط. وهو ما يدل على الصعوبات في تطبيق وقف فوري لإطلاق النار بسبب تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في ليبيا.

ثانيًا: الدوافع الداخلية لإعلان وقف إطلاق النار

مثّل انتصار القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني والفصائل العسكرية المتحالفة معها على قوات حفتر، بعد نحو عامٍ من شنّ الأخير حربًا على العاصمة طرابلس في 4 نيسان/ أبريل 2019، عاملًا مهمًا في تغيير المشهد السياسي والعسكري في ليبيا؛ إذ انتقلت قوات حكومة الوفاق من الدفاع إلى الهجوم، واستطاعت بسط سيطرتها على عدد من المدن الليبية غرب العاصمة، واسترداد قاعدة الوطية العسكرية التي كانت تُعدّ أحد المواقع المتقدمة لـقوات حفتر في المنطقة الغربية ومركز إمداد لقواته وعناصر المرتزقة المتحالفة معه، كما كانت طائرات تابعة لحفتر تستهدف، انطلاقًا من الوطية، المدنيين في طرابلس والزاوية، ومدنًا ليبية أخرى تقع تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطن.

شجّع هذا التقدم العسكري قوات حكومة الوفاق مواصلةَ تحريرها للمدن التي كانت قوات حفتر قد سيطرت عليها في المنطقة الغربية، بما في ذلك سرت والجفرة اللتان بات تحريرهما “أشد إلحاحًا من أي وقت مضى، وباتت سرت أكثر الأماكن خطورة على الأمن والسلم في ليبيا”، كما قال الناطق باسم قوات حكومة الوفاق الوطني، محمد قنونو، خاصة بعد أن انتشر فيهما المئات من المرتزقة التابعين لشركة “فاغنر” الروسية، فضلًا عن مرتزقة من جنسيات أخرى.

البقية في الجزء الثاني

***

أحمد قاسم حسين ـ باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مدير تحرير دورية “سياسات عربية”، عمل مدرسًا مساعدًا في كلية العلوم السياسية – جامعة دمشق، حاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة فلورنسا – إيطاليا. تتركز اهتماماته البحثية في نظريات العلاقات الدولية.

____________