Minbar Libya

القصاص ولو بعد حين

علياء حمزة سيدة ليبية كانت تعيش مع أبنائها وبناتها الخمسة في حي بنغازي.. أعياهم الجوع والعطش وقتلتهم ميليشيات خليفة حفتر ولا أحد يعرف هل تم دفنهم أو أين.. مأساة آل حمزة مر عليها أربع سنوات، لكن أرواحهم عادت لتطارد قاتلهم الأمريكي الجنسية، فما قصة تلك الأسرة التي كان مقتلها نهاية مشوار من الألم والمعاناة؟

قصة آل حمزة نشرتها صحيفة ذي تايمز البريطانية في تقرير بعنوانضحايا ليبيون يرفعون قضية تعويض بقيمة 50 مليون دولار على أمير الحرب المشير خليفة حفتر”، تناول تفاصيل المأساة وكيف وصلت إلى أروقة محكمة فيدرالية أمريكية.

جوع وحصار وقنابل

 كانت أسرة حمزة الليبية المكونة من خمسة أفراد تقتات على العشب ولحاء الأشجار لتتمكن من البقاء على قيد الحياة. ومثل المدنيين الآخرين العالقين إلى جانبهم في حي بنغازي المحاصر، كانوا يشربون مياه الأمطار من البرك فيما تنهال الغارات الجوية حولهم.

وفي النهاية، بعد الكثير من المعاناة، قُتل الجميع، وكانت علياء حمزة (75 عاماً) آخر من ماتت برصاص ميليشيات شرق ليبيا (يسميها حفتر الجيش الوطني الليبي) بجانب اثنين من أبنائها أثناء محاولتها الهرب، وجثثهم ليس لها قبر معروف، ومن المؤكد أن قَتَلَتهم – إذا فكروا مجرد التفكير في موت أفراد هذه الأسرة أصلاً- افترضوا أن الأمر سينتهي عند هذا الحد.

دعوى قضائية

لكن مساء يوم الخميس 3 سبتمبر/أيلول، بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على مقتلهم، ظهرت تفاصيل مقتل عائلة حمزة من جديد في دعوى قضائية أمريكية رفعها ضد أمير الحرب الليبي أقارب عائلتين مدمرتين للحصول على تعويض قدره 50 مليون دولار.

قد يكون للقضية، التي رفعها محامون بريطانيون وأمريكيون بارزون، رفعوا دعاوى قضائية على منظمة الجيش الجمهوري الإيرلندي، عواقب بعيدة المدى على المشير حفتر، مما قد يهدد أمنه المالي بعد الهزائم التي تعرض لها هذا الصيف في ليبيا.

فالدعوى المرفوعة على جنرال الحرب البالغ من العمر 76 عاماً جاءت بموجب قانون يسمح للأجانب برفع دعاوى ضد الأمريكيين لانتهاكهم القانون الدولي، وبصفته مواطناً يحمل الجنسية الأمريكية والليبية ويملك أصولاً مالية واسعة في ولاية فرجينيا تضم منزلاً وعقاراً بمساحة حوالي 34 هكتار واستثمارات عقارية لا تقل قيمتها عن 8.5 مليون دولار، بإمكان الليبيين مقاضاة المشير حفتر أمام محكمة فيدرالية أمريكية.

كم تساوي حياة الأسرة؟

يقول ماثيو جوري، الشريك الإداري لمكتب محاماة في لندن، الذي يمثل عائلة حمزة مع اثنين من المحامين الأمريكيين: “الغرض الرئيسي من القضية هو الإدانة”، وأضاف: “التعويض دائماً ما يكون ثانوياً فلا يمكنك تحديد سعر لحياة عائلة، والمدعون يريدون تسليط الضوء على ما يحدث في ليبيا، أن يجعلوا من قضيتهم منصة يمكنهم الحديث منها”.

ولكن إذا خسر حفتر القضية فقد لا يخسر ضمانه المالي في الولايات المتحدة فحسب، ولكن التحقيق قد يطال أصوله الأجنبية الغامضة أيضاً، وأوضح جوري: “من الممكن مصادرة أصول حفتر في فرجينيا وتوزيعها بين المدعين إذا فازوا بالقضية، ولكن قد تخضع أصول حفتر الدولية للتحري أيضاً. وإذا جُمّدت أصوله أو صودرت، فسيكون لذلك تأثير. ورفع دعوى مدنية ضده، إذا نجحت في ما يتعلق بجرائم حرب، سيحفز الولايات المتحدة على طلب تسليمه”.

وقد نشأت الدعوى المرفوعة على المشير حفتر، المتهم بارتكاب عدة انتهاكات للقانون الدولي، مثل الإشراف على عمليات القتل خارج نطاق القانون وجرائم ضد الإنسانية، من حصاره الذي دام ثمانية أشهر لحي قنفودة في بنغازي بين أغسطس/آب عام 2016 ومارس/آذار عام 2017، حيث حاصرت قواته مسلحين إسلاميين بينهم عناصر من أنصار الشريعة، الجماعة الإرهابية التي نفذت هجوم 2012 على موظفين أمريكيين في بنغازي.

متى وقعت جرائم الحرب؟

وكان مئات المدنيين محاصرين إلى جانب المسلحين ومنعهم الجيش الوطني الليبي من مغادرة المنطقة المحاصرة رغم المناشدات المتكررة من الأمم المتحدة والجماعات الحقوقية، وكان من بين هؤلاء المدنيين آل حمزة وعائلة سليمة جبريل، التي فقدت ثلاثة من أبنائها تتراوح أعمارهم بين 3 و11 عاماً، والمدعية الثانية في القضية إلى جانب علي حمزة، أحد الناجين من عائلته.

وكانت العائلتان قد فرتا من القتال في أماكن أخرى، وبحلول خريف عام 2016، وجدتا نفسيهما تحتميان في قنفودة بين الأنقاض وتحت قصف الجيش الوطني الليبي دون رعاية طبية أو طعام طازج أو مياه جارية.

وقال علي حمزة، وهو مواطن كندي ليبي كان يتواصل هاتفياً مع والدته وأشقائه البالغين المحاصرين من كندا بين الحين والآخر: “في إحدى المكالمات في ديسمبر/كانون الأول عام 2016، أخبرني أخي محمود أنهم إذا لم يجدوا أعشاباً ليأكلوها، فإنهم يبدأون في التعثر والسقوط من الجوع، ومع مرور الوقت، أصبحوا لا يستطيعون التحدث سوى بصعوبة بالغة”.

وقد علم حمزة بوفاتهم عبر صفحة على فيسبوك عرضت صوراً لأجسادهم تحت الأنقاض، ولا يُعرف ما إذا كانوا قد دفنوا أو مكان دفنهم، وقال حمزة قبل ساعات من رفع دعواه في فيرجينيا: “حتى أنني أرسلت إلى حفتر رسالة مكتوبة تطلب منه إجلاء المدنيين من قنفودة، لكنه لم يكلف نفسه عناء الرد”.

هل حانت ساعة الحساب؟

ورغم المعرفة الواسعة بالفظائع التي يرتكبها الجيش الوطني الليبي المزعوم، لم يواجه المشير حفتر بعد أي تداعيات خطيرة لاتهامه بارتكاب جرائم حرب، وقالت حنان صلاح، الباحثة الليبية البارزة في منظمة هيومن رايتس ووتش: “حفتر لم يخضع لأي عقوبات من  الاتحاد الأوروبي أو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، ويتمتع بحرية السفر ومقابلة من يريد. ورغم  عدم تسليم حفتر لأي من قادته المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية، فقد تمكن من السفر إلى برلين وباليرمو وباريس وأبوظبي، دون أن يفقد أي نقطة سياسية على ما يبدو”.

إلا أن المدعين في القضية الجديدة المرفوعة على المشير حفتر، الذين تحركهم ذكريات أقاربهم المقتولين، قالوا إنهم يسعون إلى نتيجة تتجاوز المال أو السياسة، إذ قال حمزة: “الأمر لا يتعلق  بالمال، بل بالكشف عن الحقيقة. أمي رأت بناتها وأبناءها يقتلون، ثم قُتلت هي نفسها بعد أن عاشت ظروفاً مروعة. ولم يكونوا وحدهم. لقد حوصروا في مكان قُتل فيه مدنيون دون اهتمام، وحيث كان الناس يعانون من ضغوط نفسية. وإذا لم يُدَن حفتر بأنه قاتل، قاتل شرير للنساء والأطفال، فإن العدالة قاصرة”.

***********

التايمز: هل تتسبب جنسية حفتر الأمريكية بالقضاء عليه؟

بقلم بلال ياسين

نشرت صحيفة “التايمز” البريطانية افتتاحية سلطت فيها الضوء على “الجنسية الأمريكية” التي يحملها من وصفته بـ”اللاعب الرئيسي” في الحرب الأهلية المشتعلة في ليبيا.

ويشير التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، بذلك إلى “المارشال”، كما يقدم نفسه، خليفة حفتر، “أمير الحرب البالغ من العمر 76 عاما”، وفق “التايمز”.

ورغم الدعم الدولي الكبير الذي حظي به، بحسب الصحيفة، بما في ذلك جهود موسكو والمرتزقة التابعين لشركة “فاغنر” الروسية، إلا أنه عانى قبل فترة من هزئم منكرة.

وفي هذا الإطار، فإن متاعب “أمير الحرب” لا تتوقف على الهزائم أمام الحكومة الشرعية في طرابلس، بدعم تركي، فهنالك شائعات تفيد بأن صحته متردية.

واعتبرت الصحيفة أن جنسية حفتر هي التي جلبت له أحدث المشاكل، فقد قدمت دعوى ضده تطالبه بتقديم 50 مليون دولار في المحاكم الأمريكية، رفعها أعضاء نجو من عائلات قتلتها قوات “المارشال”.

وفي حال خسر الدعاوى، فلن يدفع الجزء الأكبر من أرصدته المالية في فيرجينيا وحسب، بل وربما يواجه محاكم أخرى تكشف عن ماضيه الغامض واتهامات بارتكابه جرائم حرب.

وحتى وقت قريب، تمتع حفتر بدعم تحالف قوي من دول مثل مصر والإمارات وروسيا وفرنسا، التي اعتقدت أن “سمعته التافهة” كموال للزعيم السابق معمر القذافي، وفق الصحيفة، ستمكنه من أن ينتصر، وأنه الأمل الوحيد لوضع حد للحرب الأهلية.

وعارضته إيطاليا، المستعمر السابق لليبيا والتي توصلت لاتفاقية مع حكومة طرابلس لوقف تدفق المهاجرين وكانت تأمل بلعب دور الوسيط في الحرب الأهلية.

ودخلت تركيا في الآونة الأخيرة على أمل أن تواجه اليونان وتؤكد حقوقها في حقول الغاز القريبة من شواطئ قبرص، وأرسلت آلافا من المقاتلين السوريين للقتال مع الحكومة هناك، وهي خطوة كما تقول الصحيفة قد تسهم في تراجع الأمن وتثير حنق الناس.

وكرد على الخطوة، زادت روسيا من الدعم اللوجيستي لمرتزقة “فاغنر” وأرسلت 338 شحنة عسكرية من سوريا، مع أن الرئيس فلاديمير بوتين نفى تورط بلاده في ليبيا.

ووصل عدد مرتزقة فاغنر في ليبيا إلى ألف و200 مقاتل، وفق “التايمز”، ومن المتوقع أن تزيد تركيا من دعم الحكومة الليبية في المقابل.

أما مصر الخائفة من الفوضى على حدودها، فقد هددت بالتدخل، بينما تقف الأمم المتحدة عاجزة عن التحرك وتقف متفرجة على مشهد تحول ليبيا إلى ميدان تنافس.

ويعتمد جزء كبير من الحل على حفتر، فلو اعتقل أو أفلس أو أضعف، فآماله بأن يصبح القذافي الجديد ستنتهي، ولكن الخوف هو تحول ليبيا إلى ساحة جديدة للمواجهة بين تركيا وروسيا.

والخوف الثاني هو تحول ليبيا إلى دولة فاشلة تصبح مصدرا للفوضى وخطرا على كل منطقة البحر المتوسط. 

وتنقل الصحيفة عن “ماثيو جوري”، وهو مدير شركة محاماة في لندن ويمثل عائلة ليبية قتل جنود حفتر أبناءها: “الهدف الرئيسي لهذه الدعوى هو الإدانة.. والتعويض ثانوي أو في المرتبة الثالثة، ولا يمكن وضع ثمن على حياة عائلة. وهدف الدعوى هو الكشف عما يحدث في ليبيا”.

وفي حالة خسارته الدعوى فلن يخسر حفتر ماله في الولايات المتحدة ولكن كل أرصدته الأجنبية المشبوهة التي ستكون تحت التحقيق.

وقال جوري: “سيتم توزيع أرصدة حفتر في فرجينيا على المدعين لو خسر القضية.. وسيصدر أمر بحث في أرصدته الدولية.. وستقدم ضده دعوى مدنية بارتكاب جرائم حرب ومطالبة بتسلّمه”.

_______________