Minbar Libya

بقلم امحمد مالكي

تبعدُ مدينة “بوزنيقة” المغربية عن نظيرتها “الصخيرات” بأميال قليلة، فكلتاهُما تُطلان على المحيط الأطلسي، وهما معاً تتوفران على ظروف مناخية جيدة، وبنية استقبال مُشجعة على الاستماع والحوار المتبادلين،

كما تُساعدان الأطراف المتنازعة على استرجاع راحة الضمير، وروح السكينة، وكلها ميزات محبذة في المفاوضات من أجل “الوصول إلى نعم” ، على حد تعبير روجر فيشر، الأكاديمي في كلية القانون بجامعة هارفارد، ومدير “مشروع هارفارد للمفاوضات” سابقا.

لم تتسرب معلومات كثيرة عن اجتماع “بوزنيقة” الذي جمع البارحة (06 أيلول/ سبتمبر 2020) ممثلي الأطراف الأساسية في الأزمة الليبية، كما لم تتضمن كلمة وزير الخارجية المغربي، الدولة الراعية للاجتماع، ما يمكنه المساعدة على معرفة تفاصيل اللقاء والنتائج المتوقع منه، حيث انصب التركيز على الدور المغربي في توفير مناخ المفاوضات، وتقريب الأطراف للتحاور من أجل الوصول إلى المشترك. كما تم التشديد على حيادية المغرب، ورعايته لإنجاح اللقاء، الذي تعود سلطة الفصل في نتائجه أولا وأخيرا لليبيين أنفسهم.

بيد أن مبادرة المغرب في احتضان اللقاء مرة أخرى على أرضه، سعيٌ مدعوم بمباركة الأمم المتحدة ودعم القوى الكبرى، ومشاركة مختلف مكونات المجتمع الليبي السياسية والمدنية. ثم إن اجتماع “بوزنيقة” (بوصفه محطة جديدة في سيرورة البحث عن مخرج متوافق عليه للأزمة التي دامت تسع سنوات، منذ انهيار النظام السابق سنة 2011) غير مقطوع عن اللقاءات التي سبقته، سواء من خلال وثيقة اتفاق الصخيرات لعام 2015، أو عبر نتائج الناجمة عن الدورات المنعقدة حول الأزمة الليبية في عواصم بعض الدول الأوروبية.

من يتأمل في قوائم الوفود المشاركة في اجتماع “بوزنيقة” (06 أيلول/ سبتمبر2020)، يلاحظ تمثيلية الشرعيتين المتنازعتين مجاليا أو جغرافيا بين شرق ليبيا وغربها، وسياسيا في شخص كل من رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، فالأول محسوب على غرب البلاد، والثاني على شرقها، إذا كان لهذا التمييز قدر من المقبولية من الناحيتين التاريخية والسياسية، لأن ليبيا أولا وأخيرا بلد واحد وإن تنوعت تكويناته.

والواقع، تبدو مظهريا المؤسسة التشريعية المغربية، أي البرلمان، وكأنها صاحبة المبادرة في إعادة فتح ملف الحوار الليبي- الليبي، من خلال استقبال رئيس مجلس النواب المغربي للطرفين معا، وحفزهما على التحاور بُغية التوصل إلى صيغة توافقية للأزمة. بيد أن السياسة، كما هو معروف، لا يعكس ظاهرها ما يجري في باطن ما يعتمل في حدائقها الخلفية.

فالأزمة الليبية وصلت حدّا من الحدة والتعقيد لم يعد مقبولا حتى من قبل أكثر الأطراف تشدداً. ولفرط كثرة المتدخلين من القوى الإقليمية والدولية، وتشتت الليبيين وتوزع ولاءاتهم، وتصاعد شهية السلطة والمال لدى العديد منهم، فقدت ليبيا سيادة قراراتها، وانفلتت سلطة تقرير مصير الليبيين من أيديهم.

تحدثت البارحة هاتفيا مع صديق عزيز، أعتبره من خيرة الباحثين الليبيين في تخصصه (علم الاجتماع)، عاش طوال مساره العلمي مدافعاً عن استقلاليته الأكاديمية، وقد تجاوز الثمانين سنة، أطال الله في عمره، فقال لي متأسفاً: “لم يعد لدينا، نحن سكان طرابلس، سوى البحر، نناجي أمواجه، ونستحم في مياهه، ونستفيد من جمال زرقته، ولو كانت لدينا وزارة للبحر لسُدت الأبواب أمامنا، وتعطلت فرص استفادتنا كما هو حال باقي مؤسسات البلاد”. وأضاف قائلا بحسرة كبيرة: “ليبيا ليست بخير، ولا نعرف إلى أين تسير”..

إنه رأي عالم اجتماع، مشهود له بوطنيته، ونزاهته الفكرية، وتفاؤله في أن يرى بلده مستقرا وآمنا ومزدهراً.. فكيف سيكون رأي الناس العاديين والبسطاء، الذين لا تسعفهم خلفياتهم التعليمية والاجتماعية في إعمال التفكير العميق لرؤية أحوال بلدهم وآفاق تطورها مستقبلا؟

يعرف القراء الكرام حجم الكتابات التي تناولت الأزمة الليبية، كما يُدركون أنها من صنف الأزمات المركبة، وقد أضافت إليها ثرواتها الطبيعية ضروبا من الصعوبات والتعقيد، كما لم يساعدها مسار بناء دولتها الوطنية على اكتساب مناعة الصمود في مثل هذه الأزمات، والخروج منها بأقل الخسائر.

فليبيا تؤدي ثمن ثرواتها الوطنية من نفط وغاز، وبحر ممتد على أكثر الشواطئ والسواحل جمالاً وجاذبية، وتؤدي أيضا ضريبة الجوار الجغرافي الواسع مع أفريقيا، والشرق العربي، وجنوب أوروبا. وهي أيضا وأساساً تعيش نتائج نظام سياسي عمّر أكثر من أربعة عقود، ترك البلاد حقلا قاحلاً بدون مؤسسات، ولا وسائط سياسية واجتماعية، والأخطر أنه كرّس نمطاً تربويا وتعليميا ومدنياً، يقتضي عقودا من الزمن لتفكيكه وإعادة بنائه على نحو مغاير ومختلف.

ومن هنا، نفهم لماذا سهل اختراق الأرض الليبية، لإسقاط النظام أولا، وترك البلاد مرتعا للقبلية، والجهوية، ولغة السلاح. وندرك ثانيا أسباب تصاعد شهية القوى الإقليمية والدولية لتوزيع خيرات الليبيين من نفط وغاز، بل والفوز في جذب بعض القادة الليبيين إلى جعلهم شركاء في تبديد ثروات بلدهم، تحت أسباب وذرائع كثيرة، لا ترتقي إلى مستوى القيمة التي يجب أن تُعطى للوطن، والاستعداد الذي يلزم التعبير عنه لإنقاذه والمحافظة عليه..

لذلك، يمكن للإرادة الدولية، إن حضرت النزاهة والصدقية لدى أصحابها، أن تُخرج ليبيا من أزمتها، غير أن القرار الفصل لتخليص ليبيا من عقدتها يعود أولا وأخيرا لليبيين أنفسهم، وللحكماء في بلدهم، وللنخب الصالحة في مجتمعهم.

***********

استمرار حوار فرقاء ليبيا في بوزنيقةوسط تفاؤل حذر

حسين مصطفى

يواصل وفدا المجلس الأعلى للدولة الليبي، وبرلمان طبرق جلسات الحوار بينهما في المغرب، وسط آمال في أن تتمخض المباحثات عن خارطة طريق لحل الأزمة الليبية.

وانتهت الأحد أولى جلسات الحوار بين الطرفين والتي عقدت في مدينة بوزنيقة المغربية دون الإعلان عن تفاصيل حول ما جرى، وسط أجواء من التفاؤل مشوب الحذر، في حين أشاد طرفا الأزمة في بيان مشترك بـ”سعي المغرب الصادق وحرصه على توفير المناخ الملائم الذي يساعد على إيجاد حل للأزمة الليبية”.

وأضاف الطرفان أن هذه الجهود المغربية تهدف إلى “الوصول لتوافق يحقق الاستقرار السياسي والاقتصادي، الذي من شأنه رفع المعاناة عن الشعب الليبي”.

ويشارك في حوار بوزنيقة وفدان من المجلس الأعلى للدولة وبرلمان طبرق الذي يدعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

وأبدى الطرفان رغبتهما في تحقيق توافق يصل بليبيا إلى بر الأمان وإنهاء معاناة المواطن الليبي، بحسب البيان.

وكان مقررا عقد مؤتمر صحفي عقب اليوم الأول من الحوار، لكنه أُلغي دون ذكر سبب.

بدورها قالت عضو المجلس الأعلى للدولة ماجدة الفلاح في حديث خاص لـ”عربي21″ إن حوار “بوزنيقة المغربية الذي يشارك فيه وفد مكون من 5 أعضاء من مجلس الدولة مقابل خمسة آخرين من برلمان طبرق جاء بناء على دعوة كريمة من دولة المغرب بهدف التمهيد لاستئناف مسار الحوار السياسي في جنيف”.

وشددت الفلاح على أن الحوار يهدف إلى بناء جسور الثقة بين الطرفين، وتفعيل بنود الاتفاق السياسي، مشيرة إلى أن الحوار سيناقش آلية تنفيذ المادة 15 من الاتفاق.

وتنص المادة 15 من الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات  المغربية في كانون الثاني/ ديسمبر 2015  على أن مجلس النواب يقوم بالتشاور مع مجلس الدولة للتوصل لتوافق حول شاغلي المناصب القيادية للوظائف السيادية التالية في الدولة، على أن يتم تعيين وإعفاء شاغلي المناصب القيادية للوظائف السيادية المبينة في الفقرة بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.

ولفتت الفلاح في السياق ذاته إلى أن الحوار سيناقش أيضا معايير لتولي المناصب السيادية والتي كان قد حددها المجلس الأعلى للدولة.

من جهته، قال المتحدث باسم المجلس الأعلى للدولة، محمد الناصر، إن اللقاء الذي يعقد في المغرب “تشاوري”، ويهدف إلى تقريب وجهات النظر وخلق أرضية لتفاهمات يمكن أن يبنى عليها لإنهاء أزمة الصراع في ليبيا.

وشدد الناضر في حديث خاص لـ”عربي21″، أن ” المجلس الأعلى للدولة لازال متمسك بالحوار السياسي الذي أعلنته الأمم مؤخرا، على أن يضم 13 عضوا من المجلس الأعلى، و13 آخرين من مجلس النواب و13 عضو تختارهم الأمم المتحدة لخلق توازن اجتماعي”.

وتتصاعد تحركات دبلوماسية للتوصل إلى حل سياسي ينهي النزاع الليبي، في أعقاب تحقيق الجيش الليبي سلسلة انتصارات مكنته من طرد مليشيا حفتر من العاصمة طرابلس (غربا) ومدن أخرى.

وتتصاعد تحركات دبلوماسية للتوصل إلى حل سياسي ينهي النزاع الليبي، في أعقاب تحقيق الجيش الليبي سلسلة انتصارات مكنته من طرد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر من العاصمة طرابلس ومدن أخرى غرب ليبيا.

ويسود ليبيا، منذ 21 آب/ أغسطس الماضي، وقف لإطلاق النار تنتهكه قوات حفتر وداعميه من المرتزقة من آن إلى آخر.

________________________