Minbar Libya

بين مقاومة الشعوب وتوازنات الأنظمة

يتراوح موقف محور الثورة المضادة في المغرب العربي بين نقيضين، يستهدفان ترويض المغاربيين.

الطرف الأول للنقيض يتمثل في حرب أهلية مستعرة في ليبيا، كانت في طريقها للنهاية بعد اتفاق (الصخيرات) استضافت المغرب فعالياته ورعته الأمم المتحدة، لكنه برغم إرساء الأوضاع المؤسسية التي تكفل نجاحه، فإنه لم يحقق استقرارا، بسبب تدخل محور الثورة المضادة الذي أغرق شرق ليبيا بالمال والسلاح، وأمد التمرد الليبي بتحالف دولي استخباراتي، كما زوده بمرتزقة من جنسيات شتى في محاولة لجعل ليبيا عبرة مثل اليمن.

الجزء الثاني

ثانيا: الحالة المغربية

أ. خلافات المغرب مع محور الثورة المضادة: لم يكن من قبيل العلاقات الطيبة بين المغرب والإمارات، لجوء الكيان الصهيوني لطائرة أمير إماراتي لنقل رعاياه من المغرب، بعد رفض المغرب هبوط طائرات طيران العال في مطاراته، وهو الأمر الذي فضلت الإمارات إبقاءه سرا، وصورته لوسائل الإعلام باعتباره نقلا تم من خلال تعاون فرنسي أميركي.

فبرغم هذا الإجراء الذي يبدو وديا، فإن العلاقات المغربية الإماراتية لا تبدو اليوم ودية بحال من الأحوال. فالمغرب يخوض اليوم مواجهة شرسة مع الإمارات، وكانت ليبيا كلمة السر.

فبرغم العلاقات القوية بين المملكة المغربية والإمارة الخليجية، والتي بدأت منذ تأسيس الأخيرة في مطلع سبعينيات القرن الماضي، فإن الربيع العربي مثَّل أحد مداخل الاختلاف بين البلدين، حيث أقدم العاهل المغربي على إصلاحات دستورية حفظت المغرب، ومكنت حزب العدالة والتنمية المغربي من رئاسة الحكومة، برغم الاعتراضات الإماراتية التي ترى في الحزب “امتدادا للإخوان“، فيما تمسك العاهل المغربي بحصاد إصلاحاته، ودافع عن حق الحزب في تولي الحكومة، وقاوم رغبة الإمارات في بناء “حلف ملكي” محافظ، مناهض للربيع العربي واحتمالات تمدده في الحاضر (العام 2011) وبعثه في المستقبل.

أما المدخل الثاني من مداخل الخلاف بين المملكة والإمارة، فتمثل في الخلاف بين الخط الوسطي المتوازن الذي تقف فيه الدبلوماسية المغربية، وهو خط اصطدم بنزوع الإمارات – في أعقاب الربيع العربي – لتبني سياسة تدخلية عنيفة في الدول العربية، وبخاصة تلك التي لمست روح الربيع العربي.

وأدت السياسة الإماراتية إلى تحفيز الانقلاب العسكري في مصر، والحرب الأهلية في كل من ليبيا وسوريا واليمن، فضلا عن خطوة “حصار قطر“. حيث وقف المغرب على الحياد فيما يتعلق بالحصار على قطر.

أما في ليبيا، فقد تمسك العاهل المغربي بسياسة بلاده المتوازنة المعتدلة، وجدد احترامه في أكثر من مناسبة لمخرجات “اتفاق الصخيرات” كإطار مرجعي للحل السياسي للأزمة في ليبيا، في حين حرضت الإمارات العسكري (خليفة حفتر) على الانسحاب أحادي الجانب من الاتفاق، مفتتحا مسار الحرب الأهلية للسيطرة على ليبيا.

لم تبدأ ضغوط الإمارات على المغرب، مع توجه الأولى للحرب الأهلية في ليبيا، بل بدأ قبلها مع رفض المغرب الاشتراك في الحلف المحافظ الذي افتتحته كل من السعودية والإمارات.

وتمثلت الضغوط الإماراتية في تقديم وعود بمساعدات ثم المماطلة في تقديمها، ثم تجميد الاستثمارات في المغرب، وتوظيف إعلامها للهجوم على حكومة عبدالإله بن كيران رئيس الحكومة السابق ورئيس حزب العدالة والتنمية.

ومع لجوء حكومة الوفاق المعترف بها دوليا- والناجمة عن “اتفاق الصخيرات” الموقع في مدينة الصخيرات المغربية، برعاية الأمم المتحدة، بتاريخ 17 ديسمبر /كانون أول – إلى توقيع اتفاقيتي تفاهم، في 27 نوفمبر / تشرين الثاني، إحداهما تتعلق بالتعاون الأمني والعسكري بين أنقرة وطرابلس، بذلت الإمارات جهودا حثيثة لضمان دخول دول المغرب العربي الثلاث ضمن الرؤية الإماراتية لمستقبل الأوضاع في ليبيا، وعملت على إغواء المغرب بتدفق النفط الليبي وتمويلات استثمارية ضخمة، مقابل دعم المغرب العسكري لخليفة حفتر.

ومع تمسك المغرب بمخرجات “اتفاق الصخيرات”، فإن الإعلام الإماراتي، والإعلام المغربي المدعوم إماراتيا، لم يأل جهدا في الهجوم على المغرب، وتوظيف قضايا تتراوح بين ما يمس الأمن القومي، وما يمس سمعة الشعوب.

أما فيما يتعلق بالتوظيفات المتعلقة بالأمن القومي، فإن ثمة مؤشرات على أن الأذرع الإعلامية الإماراتية قد تلقت تكليفا باستغلال أزمة “الصحراء المغربية” للضغط على المغرب، وهي قضية تتعلق بالأمن القومي المغربي.

وأما فيما يتعلق بالتوظيفات المتعلقة بسمعة النساء المغربيات، فيمكن الإشارة من بينها لاتهام الإعلامي السعودي فهيد الشمري نساء المغرب بممارسة السحر والشعوذة، وأنهن يستخدمن السحر للتأثير على السياح الخليجيين من أجل تعزيز “السياحة الجنسية” التي تدر على المغرب عائدات كبيرة بالعملة الأجنبية، ناهيك عن قصة طرد الفنانة “مريم حسين” من الإمارات وخلفياتها.

وبين هذين المسارين يقبع مسار ما اصطلح على تسميته “الذباب الإلكتروني” الذي يلعب دورا كبيرا في استفزاز المغاربة، وكان من بين المشكلات التي أثارها فيديو “فتاة كورونا” المغربية التي تشكو الجوع وسوء الرعاية الطبية. وتتسبب ممارسات الذباب الإلكتروني في استمرار تنامي الروح الشعبية المعادية للإمارات والسعودية.

غير أن خيطا رفيعا ما زال يربط المغرب بالسعودية، حيث إن الخطوة الدبلوماسية بسحب السفير المغربي لدى الرياض للتشاور، في أعقاب مواجهة إعلامية قوية بين الدولتين، لم تتطور إلى خفض التمثيل الدبلوماسي على نحو ما وقع بين الرباط وأبوظبي. بل تجاوزت الدولتان الأمر نسبيا عقب جولة مكوكية لوزير خارجية المغرب صالح بوريطة ومستشار العاهل المغربي للشؤون الخارجية فؤاد عالي الهمة، زارا فيها كلا من الرياض والدوحة دون التوقف في أبوظبي.

ب. الروح الشعبية المغربية ضد محور الثورة المضادة: هناك قدر من الرضا الشعبي في المغرب عن الموقف الرسمي المغربي من محور الثورة المضادة، وربما لهذا لا تكاد تتفجر احتجاجات شعبية ساخطة حيال العلاقات المغربية بمحور الثورة المضادة. غير أن هذا لا يمنع من تحسب العاهل المغربي وحكومته لغضبة الشارع، والتي تبدت في عدة مواقف.

فبينما كان الوضع مشتعلا في تونس جراء جولة “مبس” المكوكية إبان قمة بوينس أيرس، بدأت إرهاصات حراك مماثل في المغرب، بالنظر لوجود ترتيبات مسبقة لزيارة “مبس” للمغرب.

غير أن الحكومة المغربية كان لها موقف آخر، حيث قامت في اللحظات الأخيرة برفض استقبال “مبس”، فيما وصفته مصادر أميركية بأنه يرجع إلى “جدول الأعمال المزدحم” للعاهل المغربي. وهو العذر الذي سلط عليه الضوء لاحقا في نفس اليوم وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، الذي ألمح في تصريحات إعلامية إلى تحفظات بلاده الجادة حيال السياسة الخارجية السعودية التي يديرها “مبس” فعليا.

كانت إرهاصات هذه التحفظات قد تبدت من قبل عبر عدة إجراءات، أبرزها انسحاب المغرب من المشاركة في العمل العسكري مع التحالف الذي تقوده السعودية في الحرب اليمن.

وبرغم ذلك، ثمة تعبيرات مستقلة للموقف الشعبي، لعل أحد أهمها تلك التظاهرات الواسعة التي خرجت في عدة مدن مغربية تندد بموقف محور الثورة المضادة من القضية الفلسطينية، سواء منها ما تعلق بقرار نقل السفارة الأميركية لمدينة القدس، أو التظاهرات المستمرة ضد “صفقة القرن” الأميركية، أو التحضيرات لصفقة القرن عبر “ورشة المنامة الاقتصادية”.

الفعالية الأخيرة – على سبيل المثال – كانت جامعة للأطياف السياسية المغربية قاطبة، حيث دعت إليها الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، وشارك فيها عدة هيئات سياسية إسلامية ويسارية، منها حزب العدالة والتنمية، وفدرالية اليسار الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحركة “بي دي إس”، التي تنادي بمقاطعة الكيان الإسرائيلي، بالإضافة إلى نشطاء نقابيين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

في هذه الفعالية، قطع بعض المتظاهرين الشارع الرئيسي للعاصمة رافعين لافتات كتب عليها: “الشعب المغربي يندد بصفقة الخيانة وورشة المنامة”، وشعارات تطالب بـ”إسقاط مؤتمر العار”، مؤكدين رفضهم أية مشاركة للمغرب في المؤتمر من أي مستوى كان، وطالبوا بإقرار قانون يجرم التطبيع مع العدو الإسرائيلي.

ثالثا: الحالة الجزائرية

أ. خلافات الجزائر مع محور الثورة المضادة: برغم تخوف الجزائريين طيلة الحراك الذي امتد طيلة عام كامل، ليخفت إثر تفشي “فيروس كوفيد 19″، فإن علاقة الرئيس الجزائري بالإمارات ليست علاقة عابرة، حيث بلغ الأمر بمراقبين أن وصفوا الإمارات بأنها “خزينة النظام الجزائري“، إنها تمتلك روابط مالية قوية بجماعة السلطة في الجزائر، وأن بنوك دولة الإمارات العربية المتحدة أضحت في السنوات الأخيرة “خزائن سرية” للعديد من القادة العرب والأفارقة، بسبب تحول هذه البنوك إلى ماكينة هائلة لتبييض الأموال القذرة.

ورغم قوة استهلال حراك الجزائر، فإن الإمارات كانت تسعى بجدية لإرساء نظام في الجزائر أسوة بما حدث في مصر، وهو الأمر الذي رآه مراقبون ديدن الإمارات في سياستها الإقليمية، حيث لا تترك بلدا عربيا يمر بمرحلة انتقالية أو خرج من حالة حراك أو ثورة هزت النظام القمعي فيه، إلا وتوجهت إليه، محاوِلة تثبيت أركان النظام القائم، أو السعي لإنتاج تغيير محسوب يسمح بإعادة إنتاج نفس التوجه بنخبة جديدة من خلال ثورة مضادة، وهو ما كان مع الجزائر منذ الأيام الأولى لحراكها ضد الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

وفي هذا الإطار، ما زال منحى الإمارات للتعاطي مع الوضع الجزائري يتسم بالتحرك الإيجابي، وتُشيع المواقع الإخبارية الإماراتية أن دبي تسعى لضخ 10 مليارات دولار في الاقتصاد الجزائري خدمة لهذا الغرض، وتركزت هذه الاستثمارات في القطاعات العقارية والسياحية والصناعات العسكرية، وتسيير الموانئ والتبغ.

ورغم أن بعض المراقبين يرون أن السياسة الخارجية الجزائرية تتسم بالاستقلال في مواجهة ضغوط محور الثورة المضادة، وتتمسك بتقاليدها الدبلوماسية المبنية على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتبني المصالحة والحلول السياسية لتجاوز الأزمات، ورؤية مراقبين لاتسام السياسة الخارجية الجزائرية في عهد تبون بالثبات والاستمرارية، بدليل عدم تغيير “تبون” لوزيري الخارجية والداخلية السابقين على مجيئه- فإنهم يرون أن الاهتمام اللافت للنظر، بالملفات الإقليمية، ومن بينها ليبيا، لم يسفر عن توجهات ومعالم واضحة للسياسة الجزائرية الخارجية، التي ما زالت – بحسب قطاع واسع من المراقبين – غير محددة ومتناقضة أحيانا.

وتبقى مؤشرات من قبيل تغيير الوضع التدخلي للجيش الجزائري، والاهتمام بالموقف الأوروبي من الملف الليبي، والعلاقات الدافئة بين الجزائر وكل من فرنسا ومحور الثورة المضادة، ربما تؤشر لوجهة مستقبلية إقليمية جديدة للجزائر، وبخاصة حيال الجارة ليبيا، وهو ما يتخوف منه الشارع الجزائري.

ب. الروح الشعبية الجزائرية ضد محور الثورة المضادة: كانت الإمارات حاضرة بقوة في الحراك الجزائري، ومن بين الشعارات الكثيرة التي رصدها الصحفيون الذين غطوا هذه الاحتجاجات، ورفعها المتظاهرون الجزائريون في الجمعة الثالثة المناهضة للعهدة الخامسة، شعارات وهتافات مناهضة للإمارات، ومنددة بتدخلها في شؤون بلادهم.

ومن بين مظاهر الاحتجاج ضد الإمارات، ما شهدته “جمعات” حراكية عدة ، وبخاصة طيلة شهري مارس وأبريل 2019، في استهلال الحراك، واللذين تكثفت فيهما الشعارات التي أرادت أن تنبه محور الثورة المضادة وتنصحه بالابتعاد عن الحراك.

من هذا، حراك 9 مارس /آذار 2019، حيث حمل المتظاهرون لافتات كتب عليها “تسقط الإمارات” جنبا إلى جنب مع اللافتات التي كانت تطالب الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة بمغادرة الحكم والتخلي عن الطموح لعهدة خامسة[52]، وحتى حراك 15 مارس الذي حمل لافتات عدائية مكثفة ضد محاولات التدخل في حراك الجزائر.

كما بثت قنوات إخبارية عالمية استمرار هذا الوعي الرافض للدور الإقليمي الإماراتي السعودي خلال “جمعات” شهر أبريل. واستمر الوضع متراوحا بين الاهتمام المكثف للحراك والاكتفاء بحضور الرسالة، حتى الجمعة الأخيرة للحراك، قبل أن تحتويه التخوفات من “فيروس كوفيد 19”.

____________