Minbar Libya

قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إنّ جماعات مسلّحة مرتبطة بـ “حكومة الوفاق الوطني” الليبية استعملت القوّة الفتّاكة لفضّ مظاهرات كانت سلمية إلى حدّ كبير ضد الفساد في أواخر أغسطس/آب 2020، واحتجزت تعسفا أشخاصا في العاصمة، وعذّبتهم، وأخفتهم.

الجزء الأول

بين 23 و29 أغسطس/آب، احتجزت جماعات مسلّحة في طرابلس تعسفا 24 متظاهرا على الأقل، بمَن فيهم صحفيون كانوا يغطّون الحدث، وضربت بعضهم، واستعملت الرشاشات، والأسلحة المضادّة للطائرات المحمولة على مركبات لفضّ المظاهرات، فجرحت بعض المتظاهرين، وقتلت أحدهم بحسب المزاعم. شملت الجماعات “كتيبة النوّاصي” المرتبطة بوزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني تحت إمرة مصطفى قدّور، و”قوّة الردع الخاصة” بقيادة عبد الرؤوف كارة، والمجموعة المسلّحة المعروفة بـ “قوة الأمن العام” بقيادة عماد الطرابلسي.

قالت حنان صلاح، باحثة أولى في شؤون ليبيا في هيومن رايتس ووتش: “استعملت هذه الجماعات المسلّحة أسلحة ثقيلة ومدرّعات لإسكات المعارضين. ينبغي ألّا تضيع سلطات طرابلس أي وقت لتحاسب أعضاء الجماعات المسلّحة وقادتها الذين هاجموا المتظاهرين السلميين بأغلبهم، واحتجزوهم، واعتدوا عليهم”.

انطلقت مظاهرات واسعة في طرابلس، ومصراتة، والزاوية في 23 أغسطس/آب، ونظّم حراك شعبي جديد، هو “حراك الشعب 23/8” أو “حراك همة الشباب 23/8” )حراك 23/8(، في 23 أغسطس/آب احتجاجات لانتقاد السلطات في الشرق والغرب بسبب الظروف المعيشية التي “لا تُحتمل”. تذمّر المتظاهرون من انقطاعات التيار الكهربائي التي قد تستمرّ حتى ثلاثة أيام، وطالبوا بالعدالة الاجتماعية والانتخابات. بدأت المظاهرات أيضا في 24 أغسطس/آب في مدينتَيْ زليتن والخمس شرق طرابلس، وفي سبها وأوباري في الجنوب.

أدان وزير الداخلية فتحي باشاغا السلوك العنيف للجماعات المسلحة، بما في ذلك خطف المتظاهرين وإخفاؤهم قسرا، وأوقف عن العمل مؤقتا بعد ذلك.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 19 شخصا بشأن المظاهرات والرد العنيف عليها، بمَن فيهم متظاهرون، وأقارب، وأصدقاء متظاهرين، وصحفيين، ومحامين، وناشطين. وثّقت هيومن رايتس ووتش 24 حالة احتجاز تعسفي بين 23 و29 أغسطس/آب، وأُفرج عن العديد منهم، وراجعت صورا وفيديوهات للقوى الأمنية وهي تستعمل القوة المفرطة، أُرسلت مباشرة إلى الباحثين أو جُمعت من منصات التواصل الاجتماعي.

قال ثلاثة شهود شاركوا في مظاهرة أو أكثر لـ هيومن رايتس ووتش إنّ المظاهرات في طرابلس وأماكن أخرى كانت سلمية إلى حدّ كبير. ردت الجماعات المسلّحة الموجودة في طرابلس والمرتبطة بـ حكومة الوفاق الوطني، بجمع المتظاهرين بالقوة واحتجازهم في أماكن لم يُكشف عنها في البداية، بحسب ما قال أقارب أولئك الذين اعتقلوا ثم أطلق سراحهم.

منذ 24 أغسطس/آب، تقوم الجماعات المسلحة بإطلاق سراح المحتجزين بهدوء، وما يزال العدد الحالي للمتظاهرين المحتجزين في طرابلس غير معروف.

بحسب تقرير إعلامي في 6 سبتمبر/أيلول، أعلن مكتب النائب العام الإفراج عن 13 متظاهرا و”بقاء نحو ثمانية آخرين يشتبه في تورطهم في أعمال شغب”. أضاف أن الأطباء فحصوا بعض المتظاهرين المصابين، دون ذكر العدد الإجمالي للمحتجزين أو المصابين.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للسلطات القضائية الجنائية بسرعة عرض جميع المحتجزين المتبقين إلى قاضٍ للبت في شرعية احتجازهم، وإما أن توجه إليهم تهمة بجريمة فورا أو تطلق سراحهم، لأن الحبس الاحتياطي يجب أن يكون الاستثناء وليس القاعدة.

قال أقارب وأصدقاء اثنين من المتظاهرين المفرج عنهم، الذين احتُجزوا أربعة أيام على الأقل في سجن بقاعدة معيتيقة العسكرية في طرابلس، إن الرجلين أفادا بتعرضهما للضرب المتكرر وإجبارهما على توقيع تعهدات بعدم المشاركة في مظاهرات مستقبلية. تدير السجن قوة الردع الخاصة بقيادة خالد البني.

قال قريب أحد منظمي حراك 23/08، الذي اعتقله مسلحون مجهولون في طرابلس في 23 أغسطس/آب مع ستة آخرين بعد مغادرتهم منطقة الاحتجاج، إن الأسرة لم تكن على اتصال بأقربائهم المحتجزين، ولا تعرف مكان الاعتقال. أُطلق سراح المحتجز لاحقا في 6 سبتمبر/أيلول.

قال ثلاثة شهود إن “لواء النواصي”، الذي يسيطر على محيط ميدان الشهداء، كان المسؤول الأساسي عن استخدام الرشاشات والأسلحة الثقيلة لتفريق المتظاهرين واعتقال المتظاهرين تعسفا في 23 أغسطس/آب والأيام اللاحقة.

قال متظاهران إنّ عناصر الشرطة الموجودين في ميدان الشهداء في 23 أغسطس/آب وبعد ذلك لم يتدخّلوا لحمايتهم. تدعم لقطات فيديو راجعتها هيومن رايتس ووتش هذه المزاعم، ويظهر فيديو نشر على فيسبوك في 23 أغسطس/آب سيارات شرطة مركونة في الميدان خلال ذلك الوقت، بينما استعملت الجماعات المسلّحة أسلحة ثقيلة والرشاشات لتفريق المتظاهرين بينما الشرطة لم تحاول حمايتهم.

في 26 أغسطس/آب، فرض “المجلس الرئاسي” التابع لـ حكومة الوفاق الوطني حظر تجوّل لأربعة أيام، متذرّعا بتفشي فيروس “كورونا”. مدد حظر التجول 10 أيام في 30 أغسطس/آب، وحظر التجول في الخارج من الساعة 9 مساءً حتى 6 صباحا، وهو ما يقول بعض المتظاهرين إنهم رأوه محاولةً لمنعهم من التظاهر وقد تجاهلوه في الغالب.

أضعفت سنوات النزاع المسلّح والإهمال النظامَ الصحي في ليبيا بشكل كبير. في 8 سبتمبر/أيلول، أعلن “المركز الوطني لمكافحة الأمراض” عن تسجيل ألف إصابة جديدة في البلاد. أعلنت “منظمة الصحة العالمية” أن ليبيا معرضة لخطر انتشار الفيروس بشكل كبير، وقالت إنّ للبلاد قدرات ضعيفة لكشف الفيروس والاستجابة له.

قال الخبير الأممي المختصّ في الحقّ في حرية التجمّع السلمي وتكوين الجمعيات إنّ السلطات قادرة على تقييد التجمعات العامة وحرية التنقّل بناءً على مخاوف مشروعة مرتبطة بالصحة العامة وفيروس كورونا، لكن يجب أن تكون القيود “ضرورية ومتناسبة”. أيضا، “لا تبرّر الأزمة [الصحية] استعمال القوّة المفرطة لدى فضّ التجمّعات”.

قال ثلاثة متظاهرين تمت مقابلتهم إنّ المظاهرات التي رأوها في ميدان الشهداء كانت سلمية بشكل كبير، لكن بعض المتظاهرين هاجموا سيارة أو أكثر بالحجارة أو أشياء أخرى، متسبّبين بإضرار مركبة شرطة واحدة على الأقلّ. لم يرَ أيّ من الشهود الذين حضروا المظاهرات بين 23 و29 أغسطس/آب أيّ متظاهر يستعمل الأسلحة النارية.

قالت هيومن رايتس ووتش إنّ لجوء بعض المتظاهرين للعنف، بما في ذلك رمي الحجارة، الذي لا يمثل تهديدا مباشرا للحياة، لا يبرّر استعمال القوّة الفتّاكة من قبل السلطات. ينبغي أن تتوقّف الجماعات المسلّحة المرتبطة بـ حكومة الوفاق الوطني والتي لها أدوار أمنية في طرابلس فورا عن استخدام الرشاشات، والبنادق الهجومية، وبنادق الصيد، والأسلحة المضادّة للطائرات لتفريق المتظاهرين الذين لا يهدّدون حياة هذه الجماعات أو حياة الآخرين. كما ينبغي لمكتب النائب العام فتح تحقيق مستقلّ في الانتهاكات ونشر النتائج علنا.

قالت هيومن رايتس ووتش إنّ الجهات المانحة الدولية، تحديدا تركيا، التي تزوّد حكومة الوفاق الوطني والجماعات المسلّحة التابعة لها بالأسلحة والذخيرة، عليها ضمان أنها لا تموّل هذه الانتهاكات أو تساهم فيها.

“المبادئ الأساسية للأمم المتحدة حول استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل المسؤولين عن إنفاذ القانون” تلزم الشرطة باستعمال وسائل غير عنيفة، مثل طلب إخلاء المكان، قبل اللجوء إلى القوة. ينبغي للشرطة أن تمتثل لمبدأ التصعيد الموزون للقوة. لدى استخدام القوة، ينبغي أن يلتزم المسؤولون عن إنفاذ القانون بضبط النفس، ويتصرّفوا بشكل متناسب مع الخطر المحدق، ويسعوا إلى تقليل الضرر والإصابات إلى أدنى حد.

قالت صلاح: “لا تبرّر الانقسامات السياسية والمخاوف الأمنية هجوم الجماعات المسلّحة على المتظاهرين بالرشاشات والأسلحة المضادّة للطائرات لتخويفهم وفضّ المظاهرات. ينبغي أن تجري سلطات طرابلس تحقيقا وتكشف علنا عن أسماء الجماعات المسلّحة والقادة الذين لم يمتثلوا للمعايير الأساسية لضبط الأمن وأن تحاسبهم”.

….

البقية في الجزء الثاني

_______________