Minbar Libya

قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إنّ جماعات مسلّحة مرتبطة بـ “حكومة الوفاق الوطني” الليبية استعملت القوّة الفتّاكة لفضّ مظاهرات كانت سلمية إلى حدّ كبير ضد الفساد في أواخر أغسطس/آب 2020، واحتجزت تعسفا أشخاصا في العاصمة، وعذّبتهم، وأخفتهم.

الجزء الثاني

أدلة الشهود

بسبب الخوف من الانتقام، طلب الأشخاص الذين تحدّثت معهم هيومن رايتس ووتش عدم الإفصاح عن أسمائهم.

أفادت قناة “ليبيا الأحرار” الفضائية الليبية أن مجموعة من المتظاهرين ضايقت وهاجمت طاقم تلفزيون من القناة في 23 أغسطس/آب بينما كان يستعد لتغطية الاحتجاجات في ساحة الشهداء.

قال أحد سكّان طرابلس الذي حضر مظاهرة 23 أغسطس/آب في ميدان الشهداء إنّه رأى رجلا بملابس مدنية يحمل بندقية صيد ويطلق النار على المتظاهرين في الميدان قبل الانسحاب إلى صفوف الجماعات المسلّحة التي كانت متمركزة على الطريق الساحلي. رأى الشاهد أيضا سلاحا مضادا للطائرات محمولا على آليّة يطلق النار على المتظاهرين:

عندما رأينا العنف يعمّ المكان، أردنا ترك منطقة التظاهر بأسرع ما يمكن، وكدنا نصطدم بشاحنة على متنها سلاح مضادّ للطائرات من عيار 14.5 مليمتر. بالكاد وصلنا على بعد 6 إلى 7 أمتار وبدأ إطلاق النار.

كان ذلك مباشرة قبل الأذان، حوالي الساعة 7:30 مساء. كنت منهمكا بمحاولة المغادرة، ولم أركّز على أي علامة ، باستثناء أنها كانت لون بيج ومن نوع “بيك-آب”. كان يستقلّها 10 إلى 12 شخصا يرتدون بزّات عسكرية، باستثناء عنصر واحد من الميليشيا كان بلباس مدني.

راجعت هيومن رايتس ووتش مقاطع فيديو للحادث وتوصلت إلى ما يدعم استخدام سلاح مضاد للطائرات من عيار 14.5 مليمتر مثبت على مركبة.

قال متظاهر آخر في طرابلس إن احتجاجات 23 و26 أغسطس/آب قوبلت بالعنف وإنه تعرف على أحد أعضاء لواء النواصي الذين كان يطلق النار على المتظاهرين في 23 أغسطس/آب. قال إن المتظاهرين كانوا مسالمين في الغالب، مع استثناءات قليلة:

في 23 أغسطس/آب، واجهت الجماعات المسلحة المتظاهرين بأسلحة مضادة للطائرات وغيرها لحوالي ساعة ونصف. في البداية كانوا يطلقون النار في الهواء. في 26 أغسطس/آب، ظهر موكب كبير يضم أكثر من 50 آلية عسكرية في ميدان الشهداء، يضم لواء النواصي ولواء باب تاجوراء، ولواء ثوار طرابلس، ورأيتُ العديد من الأشخاص يُعتقلون.

رغم تواجد الشرطة خلال المظاهرات في كلا اليومين، إلا أنها لم تتدخل عندما استخدمت الجماعات المسلحة الرشاشات والأسلحة الثقيلة واعتقلت أشخاصا على مرأى ومسمع وزارة الداخلية. لدى لواء النواصي السلطة على قوات الشرطة والتي في المقابل ليس لديها الثقة بالنفس لفعل أي شيء.

قال صحفي غطّى احتجاجات 23 أغسطس/آب إن هناك غضبا شديدا بين الشباب بسبب الظروف المعيشية البائسة وقلة الفرص في البلاد:

عندما وصلتُ إلى ميدان الشهداء حوالي الساعة 4 عصرا، رأيت أشخاصا أعمارهم بين 16 و40 عاما يشاركون في المظاهرة. الناس يكادون ينفجرون غضبا لأنه لا توجد ماء ولا كهرباء ولا سيولة مالية ولا فرص. نادى الناس بعزل السياسيين وطالبوا بفتح تحقيق في مزاعم الفساد.

عندما بدأ إطلاق النار، أُطلق الرصاص فوق الرؤوس وليس على المتظاهرين، لكن عندما رد المتظاهرون بالشتائم بدأت الجماعات المسلحة في إطلاق النار عليهم مباشرة. رأيت جرحى يُنقلون إلى مركز طرابلس الطبي، لكنهم نُقلوا بعد ذلك إلى مستشفى آخر.

تحليل التقارير الصحفية

ادعت عدة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أن جماعة مسلحة تعرف بـ “الأمن العام” في غوط الشعال، إلى الغرب من طرابلس، أطلقت النار وقتلت المتظاهر سند عمر الصويعي المقرحي، بعد مشادة عند نقطة تفتيش كان تحرسها المجموعة.

راجعت هيومن رايتس ووتش صورتين مزعومتين لجثة المقرحي نشرتا على وسائل التواصل الاجتماعي. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التحقق من هوية الجثة أو سبب الوفاة أو وفاتها. قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للنائب العام التحقيق في القتل المزعوم.

كما راجعت هيومن رايتس ووتش أربع صور منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر رجلا مجهول الهوية مصابا في فخذه الأيمن، تتفق إصابته مع دخول مقذوفة من سلاح ناري. تم تحميل الصور لأول مرة في 23 أغسطس/آب الساعة 7:53 مساءً من قبل صحفي قال إن الرجل أصيب بعد أن أطلق المتظاهرون النار على طريق الشط الساحلي المحاذي لميدان الشهداء.

مساء يوم 23 أغسطس/آب، نشر مستخدم فيسبوك أربعة مقاطع فيديو متتالية، ثلاثة منها كانت بثا مباشرا يسجل المنطقة المحيطة بميدان الشهداء. في مقاطع الفيديو هذه، يمكن سماع إطلاق نار، منها طلقات رشاشات.

في الفيديو المنشور الساعة 7:51 مساءً، يمكن رؤية ثلاث سيارات شرطة على الأقل في ميدان الشهداء وهي لا تحاول على ما يبدو اتخاذ أي إجراء لأن المتظاهرين يفرون من إطلاق النار، ولكن لا يمكن تحديد مصدر النيران أو اتجاهها.

يُظهر مقطعا فيديو نُشرا على فيسبوك مساء 26 أغسطس/آب وصباح 27 أغسطس/آب رجالا ببزات مموهة في ميدان الشهداء وحوله، يحملون بنادق هجومية من طراز “كلاشنكوف” ورشاشات PK ويقودون شاحنات صغيرة مجهزة برشاشات ثقيلة من طراز ZPU -2، ومدافع آلية من طرازZU-23 2. يُطلق سلاحا ZPU-2 وZU-23 2 مقذوفاتٍ من عيار 14.5 مليمتر و23 مليمتر، وهما مصممان لمهاجمة الطائرات التي تحلق على علو منخفض.

في الفيديو المنشور في 26 أغسطس/آب الساعة 11:44 ليلا، يمر موكب من عشرات المركبات التي تحمل رشاشات خفيفة وثقيلة، ومدفعا أوتوماتيكيا من طراز ZU-23 2، بجانب سيارات للشرطة تحمل شارات، دون أن يعترضها أحد.

المعايير القانونية

تنص المعايير الدولية على ألا تستخدم قوات الأمن إلا الحد الأدنى من القوة اللازمة في جميع الأوقات. لا يجوز استخدام الأسلحة النارية عند تفريق التجمعات العنيفة إلا عندما يتعذر تطبيق الوسائل الأخرى الأقل ضررا، ولكن حتى في هذه الحالات، يجب أن تُستخدم فقط بالحد الأدنى الضروري.

لا يجوز لموظفي إنفاذ القانون استخدام الأسلحة النارية عن قصد إلا عندما يتعذر تجنب ذلك من أجل حماية الأرواح. ينبغي ألا تُستخدم الذخيرة الحية إلا عند اللزوم لحماية الحياة أو منع الإصابات الخطيرة.

استخدام الذخيرة الحية في غياب تهديد وشيك للحياة أو خطر التعرض لإصابة خطيرة، واستخدام بنادق الصيد، والرشاشات، والأسلحة الثقيلة الأخرى التي تطلق النار فوق منطقة واسعة مع احتمال إلحاق الضرر بأي شخص في طريقها، يشكلان انتهاكا لمعايير حقوق الإنسان الدولية التي تحكم استخدام القوة من قبل موظفي إنفاذ القانون.

قد يؤدي استخدام المدافع الرشاشة الثقيلة والمقذوفات من العيار المتوسط، مثل عيار 14.5 مليمتر و23 مليمتر التي تُطلقها الأسلحة المضادة للطائرات، إلى ألم ومعاناة شديدين، وبالتالي فقد يشكّل استخداما للقوة المفرطة أو غير المبررة، وقد يرقى بذلك إلى أحد أشكال سوء المعاملة.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي فورا وقف استخدام بنادق الصيد التي تطلق العديد من الكريات، مطاطية كانت أو معدنية، ضد المتظاهرين من أي مسافة كانت، لأنها بطبيعتها غير دقيقة وأثرها عشوائي. كما ينبغي للجماعات المسلحة الامتناع عن استخدام المدافع الرشاشة، وبنادق الصيد، والأسلحة الثقيلة الأخرى، بما فيها الأسلحة المضادة للطائرات، ضد المتظاهرين.

تنص إرشادات الأمم المتحدة بشأن الأسلحة “الأقل فتكا” في أجهزة إنفاذ القانون على أن المقذوفات المتعددة التي يتم إطلاقها في نفس الوقت غير دقيقة، وبشكل عام، لا يمكن أن يتوافق استخدامها مع مبدأَيْ الضرورة والتناسب، وأنه لا ينبغي أبدا استخدام الكريات المعدنية، مثل تلك التي تُطلَق من بنادق الصيد.

مطالب المتظاهرين وردّ السلطات

تعهد “حراك 23/08” في بيان يوم 20 أغسطس/آب بالتحرك السلمي لمواجهة 11 من الشواغل الرئيسية، منها غضب السكان من نقص الطاقة، وغاز الطهي، والسيولة النقدية في البنوك؛ والعدالة الاجتماعية؛ وضرورة عقد الانتخابات؛ والتصديق على مسودة الدستور التي تم الانتهاء من إعدادها في أكتوبر/تشرين الأول 2015 من قبل “الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور”، وتوسيع ميزانيات الصحة والتعليم؛ وضرورة إنهاء المحسوبية في وظائف القطاع العام.

في 23 و27 أغسطس/آب، اتهم الوزير بشاغا “مندسّين” وأعضاء جماعات مسلحة، قال إن لا علاقة لهم بوزارة الداخلية، بإطلاق النار على المتظاهرين بالرشاشات والمدافع، ما أدى إلى إصابة متظاهرين وخلق “فوضى وأزمة جديدة”.

اتهم البيان الصادر في 27 أغسطس/آب الجماعات المسلحة بخطف بعض المتظاهرين وإخفائهم قسرا. منذ 29 أغسطس/آب، لم تنظَّم مظاهرات أخرى في طرابلس.

في بيان صدر في 26 أغسطس/آب، صرّحت وزارة الداخلية أن اللجان المسؤولة عن تنظيم المظاهرات بحاجة إلى التقدم بطلب إذن مسبق، وتحديد موعدها، ووقتها، ومكانها وفق القانون 65/2012 بشأن التجمع السلمي. في 28 أغسطس/آب، أعلنت وزارة الداخلية أنها ألقت القبض على شخص زُعم أنه مسؤول عن استخدام الأسلحة النارية ضد المتظاهرين.

اتخذ رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فايز السراج سلسلة من القرارات بين 26 أغسطس/آب و1 سبتمبر/أيلول، على ما يبدو لتهدئة الغضب العام الذي يحرك الاحتجاجات، فأوقف وزيرَ الداخلية باشاغا عن العمل مؤقتا بانتظار التحقيق في تعامل الوزارة مع الاحتجاجات، وعيّن وزيرَ دفاع ورئيس أركان عامة جديدين مرتبطين بـ حكومة الوفاق الوطني.

في 3 سبتمبر/أيلول، أعاد المجلس الرئاسي باشاغا إلى منصبه بعد إجراء تحقيق، لكنه لم يفصح عن أي تفاصيل. كما أمرت حكومة الوفاق الوطني بأن تتولى غرفة العمليات المشتركة بالمنطقة العسكرية الغربية، بقيادة اللواء أسامة الجويلي والمرتبطة بوزارة الدفاع، أمنَ العاصمة بالتنسيق مع وزارة الداخلية.

أعلنت حكومة الوفاق الوطني عن مساعدات نقدية في إطار برنامج مخصص للأسر، وشكلت لجنة للتدقيق في نفقات وزارة الصحة في 2019-2020، وأمرت وزارة العمل بمراجعة أوضاع العاطلين عن العمل وخلق المزيد من وظائف القطاع العام. وفي 1 سبتمبر/أيلول، أنشأت حكومة الوفاق الوطني أيضا وزارة جديدة للإسكان والتعمير.

الحكم والنزاع

ما يزال الحكم في ليبيا مقسما بين كيانين يخوضان نزاعا مسلحا منذ أبريل/نيسان 2019 بدعم أجنبي: حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا ومقرها طرابلس؛ و”الحكومة المؤقتة” المنافسة المتمركزة في شرق ليبيا، والمرتبطة بـ “القوات المسلحة العربية الليبية”‎ بقيادة الجنرال خليفة حفتر.

يتلقى حفتر الدعم العسكري، بما فيه الأسلحة والمقاتلين الأجانب، من الإمارات، والأردن، ومصر، وروسيا. تدعم تركيا عسكريا حكومة الوفاق الوطني، التي تتمتع أيضا بدعم كبير من المقاتلين الأجانب.

أطراف النزاع وداعميهم الأجانب يتجاهلون إلى حد كبير حظر الأسلحة على طرفَيْ النزاع، الذي أمر به “مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة” في 2011 وتم تجديده مرات عدة، بموافقة مبطنة من مجلس الأمن.

انتهى النزاع المسلح في طرابلس والبلدات المحيطة بها مثل ترهونة في يونيو/حزيران 2020، بعد أن دفعت حكومة الوفاق الوطني وقوات حفتر وحلفاءها نحو سرت، وهي مدينة ساحلية على بعد 450 كيلومتر شرق طرابلس.

على الرغم من جهود الوساطة الدولية المكثفة، رفض حفتر في 23 أغسطس/آب هدنة مؤقتة تفاوض عليها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني ورئيس “مجلس النواب”. حاليا ليست هناك مواجهات مسلحة بين الطرفين.

_______________