Minbar Libya

لماذا يجب أن يصمت ماكرون عن تركيا؟

يحاول ماكرون إحياء ماضي فرنسا الإمبريالي والاستعماري من جديد. إنه متشوق للماضي الاستعماري العفن، والمجازر المروعة بحق الإنسانية، والمذابح، والتعذيب، ونهب ثروات الدول الأخرى وممتلكاتها بمكر وخبث.

إنه يحاول الآن بكل ما يملك من طاقة استعادة ذلك الماضي من جديد.

إن فرنسا في الحقيقة لم تستطع يوماً ما أن تتخطى حاجز ماضيها الاستعماري، ولا تستطيع. طوال الفترة الماضية وعلى اختلاف قادتها وحكوماتها لم ينقطع همها الاستعماري تجاه إفريقيا والشرق الأوسط، سواء في السر أو العلن، وهي بكل حال لم تصرف أنظارها يوماً ما عن هاتين المنطقتين.

إن فرنسا التي تعتبر اليوم من مصاف أو أوائل الدول المتقدمة، والمتطورة بصناعتها ونموّها، لطالما كان ولا يزال هذا التطور والازدهار على حساب القهر الذي تذيقه للمسلمين والشعوب الإفريقية بشكل عام.

وبهذا الشكل يمكنك رؤية النفاق وسياسية الوجهين في الديمقراطية وحقوق الإنسان لدى فرنسا التي يُنسب لها التطور والازدهار والحضارة الغربية.

من أراد رؤية خلفية تلك الحضارة والحداثة التي تشع من جبين فرنسا، عليه أن يزور المتحف الذي نصب على جثث الشهداء في الجزائر.

حينما يشاهدون الاضطهاد الذي مارسوه بحق الشعب الجزائري المولع بالحرية والاستقلالية والكرامة، لن يشعروا سوى بالخجل والخزي والعار من حجم النفاق والاحتيال اللذين يختبئان وراء كلمة تحكي عن الحضارة والحداثة الفرنسية، وبعارٍ أفظع حين الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية التي تتغنى بهما فرنسا.

من الواضح أنّ الحماس الاستعماري الذي بدا جليّاً في زيارة ماكرون إلى لبنان، وخطابه وتحركاته هناك، لا يبشّر بأي خير.

لا يمكن لماكرون الذي يتوق بشدة لماضيه الاستعماري أن يعد لبنان بشيء، بل ماكرون يفكر بما سيأخذه من لبنان أولاً وآخراً.

كذلك الأمر حينما حشر ماكرون أنفه في ليبيا، سرعان ما ذكّرتنا ممارساته وحساباته بماضي فرنسا الذي نتحدث عنه.

رأينا المقابر الجماعية في الأماكن التي تم تطهيرها من حفتر الذي يتلقى دعمه من فرنسا ماكرون.

تلك المقابر هي من طراز الممارسات الفرنسية الاستعمارية، وها هو التاريخ يعيد نفسه، وبعبارة أخرى الجميع يكشف الآن عن مزايا أو خصائص تاريخه.

لماذا أولئك يتهمون تركيا بأنها تعيد أمجاد الدولة العثمانية حينما تهمّ للدفاع عن الشعوب المضطهدة، بينما نجدهم لا يقولون أي كلمة إزاء ما تقوم به فرنسا؟

بيد أنه لا يوجد في تاريخ العثمانيين في المنطقة ما يعيب تركيا أو يجعلها تدفنه وتشعر بالعار منه.

الآن نجد عموم شعوب الشرق الأوسط يشعرون باشتياق للدولة العثمانية، ربما أكثر من الأتراك أنفسهم. ألا يجب التوقف عند سبب ذلك إذن؟

هذا يعني أن هناك أشياء حاضرة الآن تعيد للأذهان صورة العثمانيين، مقابل أشياء بالتالي تجعل الأذهان ترسم الصورة الاستعمارية لفرنسا وأوروبا عموماً، وفي خضم هذه الذاكرة تبرز التجربة العثمانية صورة ناصعة نظيفة.

إن تركيا لا تمتلك أيّاً من ذلك الهوس الاستعماري الذي يطغى على العقل الفرنسي، حيث إنها الآن لا تفعل أي شيء سوى ما يقتضيه تاريخها وهويتها وشخصيتها.

لا يوجد لها أطماع في أرض أحد، نعم تريد أن تكون قوية إلا أنها لا تسعى لاستخدام هذه القوة ضد أحد.

لا يوجد هم لها سوى زيادة إنتاجها، وجلب مزيد من الرخاء والرفاهية والشرف والحرية لشعبها.

وفي خضم ذلك تتميز تركيا بأنها دولة لا تلحق الضرر بأي دولة ترتبط معها بعلاقات وطيدة، ولا تهدّد استقرارها، ولا تطمع بما ليس بيدها بطريقة خبيثة ماكرة.

ولذلك السبب تركيا هي الدولة التي تطلبها وتبحث عنها شعوب هذه المنطقة.

إذا كانت هذه الأشياء تبدو بنظر الغير وكأنها “عثمانية” (بمعنى التهمة) فقد يكون هذا الغير يعاني من مشكلة ما إذن، حيث أولئك الذين لديهم مشكلة مع العثمانيين تجد حالة من الذعر والتخبط تسكنهم، تنبع من إحساسهم بأن خيانتهم للعثمانيين وخيانتهم لشعوبهم الآن، لا بدّ وأنهم سيحاسبون يوماً ما عليها، ولذلك هم في ذعر وتخبط.

على الرغم من أن تركيا لم ولا تذكر “العثمانية” إلا أنهم يرونها كابوساً كلما شهدت تركيا صعوداً نحو الأعلى. إلا أن ذلك ليس مشكلة تركيا، بل هو مشكلة أن الجميع يعيش واقع الأحاسيس النفسية التي يشكلها ما عاشه في الماضي.

ونعود إلى ماكرون، وإلى الرسومات المسيئة المنشورة مؤخراً في مجلة شارلي إبدو. كما تعلمون قامت مجلة شارلي إبدو الفرنسية بإعادة نشر الرسوم المسيئة لنبينا الكريم محمد، بينما صدرت انتقادات عديدة ضد هذه الخطوة، نجد أنّ ماكرون كان ضد هذه الانتقادات بحجة أن “رئيس الجمهورية لا يمكنه التعليق على ما يقوم به الصحفيون”، وراح يدعم إعادة نشر تلك الرسوم.

في الحقيقة، لو كانت هذه الكلمات صحيحة وصادقة فلن يكون بإمكاننا قول أي شيء يصف هذا الفعل.

إلا أننا بكل حال نعلم أن الصحفيين في فرنسا ليسوا أحراراً في انتقاءاتهم الصحفية. على سبيل المثال، لا يمكن لأي أحد منهم أن يقوم حتى بإجراء تحقيق أو استقصاء حول عدد اليهود الذي قضوا في الإبادة الجماعية إبان الحرب العالمية الثانية، حيث عليهم التسليم بأنهم ليسوا أقل من 6 ملايين يهودي مات في تلك الإبادات.

لا يمكن لأيّ قلم أن يكتب سطراً حول هذا الأمر، ولا يندرج هذا الموضوع تحت طائلة حرية التعبير.

ونتذكر تماماً ما حصل لروجيه جارودي بسبب تلك المسألة.

بل هناك مسألة أحدث ولا تزال طازجة، وهي توبيخ ماكرون للصحفي الفرنسي في صحيفة لو فيغارو الفرنسية، جورج مالبرونو، لأن الأخير كتب مقالًا حول اللقاء الذي جرى بين ماكرون ومسؤولين في حزب الله اللبناني، بحجة أنه أتى ضد المصالح الفرنسية.

هذا التوبيخ العلني لهذا الصحفي يظهر بدوره الحرية المزيفة التي يوليها ماكرون للصحفيين، أما تأييده للرسوم الكاريكاتيرية في شارلي إبدو فلم يكن يوماً لأجل حرية الصحافة، بل لأجل ترجيح شخصي في داخل ماكرون.

أي نوع من المساومة والاتفاقيات القذرة يتجلى في لقاء ماكرون بمسؤولي حزب الله، وهو ماكرون الذي يشتاق لإعادة ماضي فرنسا الاستعماري، ويحمل ما يحمل من عدم احترام إزاء الإسلام والمسلمين؟ 

لا شك أن الوقوف عند هذا مهم للغاية، إلا أن المؤكد في هذا المشهد بكل حال هو أن ماكرون يبدو تماماً كرسم كاريكاتوري من رسومات شارلي إبدو السيئة.

*********

تركيا: تصريحات ماكرون عن شرق المتوسط وقحة واستعمارية

حث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم أوروبا على إظهار موقف موحد وحازم تجاه السلوك “غير المقبول” لتركيا في شرق المتوسط، وقال إن تركيا لم تعد شريكة في شرق المتوسط، بالمقابل ردت وزارة الخارجية التركية على تصريحات ماكرون واصفة إياها بالوقحة، وبأنها تنم عن “فكر استعماري قديم”.

وطالب ماكرون، خلال مؤتمر صحفي قبيل انطلاق قمة دول الجنوب الأوروبي، دول أوروبا بأن تكون أكثر حزما مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتُقرر ما ينبغي القيام به بعد فتح الحوار مع الجانب التركي لكن مع شروط صارمة، على حد قوله.

واعتبر الرئيس الفرنسي أن الاتفاقيات التي أبرمتها تركيا مع الحكومة الليبية بشأن ترسيم الحدود البحرية تهدد الحقوق المشروعة لليونان على حد وصفه، مضيفا أن عمليات التنقيب في المنطقة الاقتصادية القبرصية أمر غير مقبول. وتابع ماكرون أن تركيا لم تعد شريكا في شرق البحر المتوسط، وطالبها بتوضيح نياتها في بعض المجالات لإطلاق حوار مثمر معها.

ولم يتأخر رد السلطات التركية، إذ هاجمت وزارة الخارجية الرئيس ماكرون، وقالت إنه يحاول تقديم دروس من خلف الستار، واصفة تصريحاته اليوم بالوقحة، والتي تنبع من “فكر استعماري قديم”.

واعتبرت الخارجية التركية في بيان لها أنه ليس من صلاحية ماكرون أن يحدد منطقة النفوذ البحرية لأي دولة، لا في البحر المتوسط ولا في أي مكان بالعالم.

وشددت الوزارة على ضرورة أن تتخذ فرنسا موقفا مؤيدا للمصالحة والحوار، وأضافت أن وقوف فرنسا في صف اليونان “يشجع على التوتر ويهدد المصالح الكبرى لأوروبا والاتحاد الأوروبي”.

ومنذ أشهر، يتصاعد النزاع بشأن السيادة على مناطق بحرية في شرق المتوسط وبحر إيجة بين تركيا من ناحية واليونان المدعومة بدول أوروبية من جهة أخرى، وفرنسا من أكثر الدول الأوروبية دعما للموقف اليوناني تجاه النزاع مع تركيا، لدرجة نشرت باريس في الفترة الأخيرة معدات عسكرية في المنطقة التي تشهد توترا.

قمة مصغرة
وسيشارك ماكرون في القمة السابعة لمجموعة “ميد 7″، وهو اجتماع غير رسمي بين دول الجنوب في الاتحاد الأوروبي، مع رؤساء وزراء إيطاليا جوزيبي كونتي، وإسبانيا بيدرو سانشيز، واليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، والبرتغال أنطونيو كوستا، ومالطا روبرت أبيلا، والرئيس القبرصي نيكوس أنستاسياديس. وسيتباحث قادة دول جنوب أوروبا في جزيرة كورسيكا الفرنسية عدة ملفات، ولا سيما التوتر في شرق المتوسط.

وفي سياق متصل، قال رئيس الوزراء اليوناني إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يفرض عقوبات “مجدية” على تركيا إذا لم تسحب قطعها البحرية من المناطق المتنازع عليها شرقي البحر المتوسط، في وقت تجري فيه أنقرة مشاورات بشأن استكشاف النفط والغاز مع حكومة الوفاق الوطني الليبية.

وقال ميتسوتاكيس في مقال نشرته اليوم الخميس صحف “تايمز” البريطانية و”فرانكفورت العامة” الألمانية و”لوموند الفرنسية”، “نحتاج فعلا إلى الحوار لكن ليس تحت التهديد، ما يهدد أمن واستقرار بلدي يهدد رخاء وسلامة جميع الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي”.

ومن المتوقع أن يحدد زعماء الاتحاد هذا الشهر ردهم على تركيا، وكتب رئيس الوزراء اليوناني أنه إذا لم تسحب تركيا قطعها البحرية فإنه ينبغي فرض “عقوبات مجدية” عليها.

خريطة تظهر تعقيدات وتداخلات الحدود البحرية المتنازع عليها في منطقة شرق المتوسط (مجلة إيكونوميست)

اجتماع بالناتو
ورغم تصاعد التوتر بين أثينا وأنقرة، أفاد مراسل الجزيرة نقلا عن مصدر عسكري تركي بأن اجتماعا تقنيا سيجري اليوم بين الممثلين العسكريين الأتراك واليونانيين في مقر حلف شمال الأطلسي (ناتو) في العاصمة البلجيكية بروكسل لتناول قواعد فك الاشتباك بين الجانبين.

وأضاف المصدر أن الاجتماع جاء بناء على اتصال هاتفي بين الرئيس التركي، والأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، وقد حددت رئاسة اللجنة العسكرية للحلف موعد انعقاد الاجتماع اليوم بعد تأجيله مرات عدة، ويرمي إلى تجنب وقوع احتكاك بين القطع البحرية التركية واليونانية.

____________