Minbar Libya

بقلم د. نزار كريكش

جولة الحوار بين الفرقاء الليبيين في مدينة بوزنيقة المغربية تمثل فرصة هائلة لإنهاء الأزمة الليبية، المغرب وسيط نزيه، وهناك تأييد دولي لحل سياسي، والحل العسكري يبدو غير متاح لأي من الطرفين، لكن هناك أيضاً مؤشرات مقلقة بأن الأطراف ربما تستغل الحوارات لاستكمال الاستعداد لجولة أخرى من الصراع المسلح، فإلى أين تتجه الأمور؟

الجزء الثاني

الدعم الدولي

هذا الحوار جاء في سياق مشروع البعثة الأممية، وهذان الوفدان هما من أقرتهما البعثة بعد اختيارهما في مجلس النواب والدولة، وأنهم يناقشون اتفاق الصخيرات الذي صدق عليه مجلس الأمن واعترفت به دول العالم قاطبة، وأن الحوار جاء في إطار سياسي واضح لا يتناقض والقوانين الدولية، وقد دعمت كافة الدول هذه المشاورات، وأن السياق الدولي نفسه قد يقتضي تأجيل أي نزاع في ليبيا لحين التوافق على الصورة النهائية للمنطقة، خاصة في سياقات:

ـ النزاع في شرق المتوسط والصراع السوري، والخليج الذي يخفض جناحه لإسرائيل،

ـ والمخاوف الأمريكية من الدب الروسي في المياه الدافئة الليبية،

ـ والغضب الفرنسي من النقلات التركية الاستراتيجية،

ـ وطبول الحرب التي تقرع في بيلاروسيا في شرق المتوسط؛

كلها مؤشرات تؤكد أن استراتيجية وضع الأزمة الليبية في ماراثون تفاوضي هي أمر يصب في صالح الجميع.

عقبات في طريق الحوار

إذا كانت تلك هي الفرص التي قد تجعل حوار بوزنيقة بداية لمفاوضات سياسية رسمية قد تنتهي لاتفاق جديد ينهي الأزمة الليبية، في سياق الإنهاك الذي أصاب الجميع، ووجود وسيط مغربي نزيه، والواقعية السياسية التي فهمها الفرقاء الليبيون الآن جيداً، في سياق دولي يتسم بالتسرع والفوضى وحالة اللايقين، ما يجعل ماراثون الحوار هو الحل الأفضل للأزمة الليبية في المدى المنظور، فإن عدة عوامل قد تكون عقبة أمام هذا الحوار، قد تجعله بداية لنذر حرب جديدة أعنف من سابقاتها.

ويمكننا إجمال هذه العوامل كالتالي:

أولا: أزمة التمثيل

وهذه أهم الأزمات التي تواجه حوارات بوزنيقة، فإن الذي تعلمناه من حوارات الصخيرات وذكرته مجموعة الأزمات الدولية في تحليلها لتلك المفاوضات، هو أن المفاوض يجب أن يكون ممثلاً لمن يفاوض عنه، بمعنى أنه قادر على إصدار القرارات دون الرجوع لأي أطراف أخرى، أي أنه صانع للقرار وليس وكيلاً لأحد.

هذا ليس لأن هذه المراجعات قد تهدر الأوقات والموارد، بل لأنها تؤثر وتشوش على عقل المفاوض لأسباب:

أـ أن المفاوض سيسعى لإرضاء وكلائه، بمعنى أنه يفكر في أن يخرج من الحوار بما يضمن أنه من الممكن أن يتفق عليه الأطراف التي يريد أن يمثلها، فأعضاء مجلس النواب من طبرق مثلاً يعرفون جيداً أن عقيلة صالح وخليفة حفتر لن يرضيا بأي بنود لا تصبح في صالح المشروع الذي أطلقه حفتر وقاتل من أجله.

وكذلك الأطراف الممثلة للمجلس الأعلى للدولة، لا يمكنها اتخاذ أي قرارات جريئة، لأنهم يعرفون حجم الخلاف في طرابلس حول أحقيتهم في الذهاب لمثل هذه الحوارات، خاصة أن متابعة ما يصدر من النشطاء والسياسيين والتناقضات بين من ذهبوا لبوزنيقة والوفد الذي ذهب لمصر، وكذلك التناقض الذي حصل قبل شهر من الآن بين خالد المشري، وإعلانه عن حوار مع عقيلة صالح، ليخرج فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي في اليوم التالي ليعلن عن مبادرة لوقف إطلاق النار.

ب ـ غياب التنسيق وعدم وجود قيادة تمثل كل طرف قادرة على اتخاذ القرار هي عقبة حقيقية قد تجعل حتى المخرجات التي تنتهي لها هذا الحوارات محل جدل ونزاع، كما حدث في اتفاق الصخيرات.

فرغم كل ما يقال عن أنه إطار للعملية السياسية في ليبيا، فإن مؤشرات نجاحه قليلة إذا وضعت الاتفاق نفسه كمعيار للواقع وتقلباته، فحكومة الرئاسي هي حكومة مفوضة ولم يصادق عليها مجلس النواب، والمناصب السيادية لم يتفق عليها الطرفان، والترتيبات المالية والأمنية كلها ذهبت أدراج الرياح، كما أن المُدد التي خطّها الاتفاق لم يلتزم أحد بها، كما أن شرعية كل الأطراف الليبية هي خارج إطار القانون، وهي شرعية سياسية جاءت بحكم الواقع.

ثانيا: أزمة الثقة

الثقة أساس أي تفاوض ناجح، وهي الأساس في بناء أي مجتمع ونظام سياسي، وفي ليبيا هذه الثقة قد تزعزعت بحكم العنف السياسي الذي تجذّر من خلال الاستمرار في منطق العنف السياسي الذي فرضه خليفة حفتر أكثر من مرة في مسار الأزمة، وهذا ما يجعل سردية أن هذه الحوارات هي كسب للوقت، وأن الدعم لم يتوقف عن قوات حفتر في سرت، وأن الطائرات الروسية والوفود تصل تباعاً لحفتر في بنغازي؛

كل ذلك يشكل عقبة حقيقية أمام المحاورين في إقناع الرأي العام الليبي أنه يمكن الوصول مع خليفة حفتر لحل سياسي، وأنه يمكن الفصل بين عقيلة صالح وخليفة حفتر، فقد دعم الأول حرب طرابلس بكل ما أوتي من قوة، ولم يصدر عنه ما يفهم منه أنه تخلّى عن حفتر.

كما أن الأطراف في طرابلس بينها نزاع كبير حول سؤال: هل حفتر يحضّر لعملية جديدة في طرابلس؟ هذه الأجواء تجعل المثل العربي حاضراً في ذهن الفرقاء الليبيين… (كيف أعودك وهذه آثار فأسك)!

ثالثا: أزمة القبول بمخرجات الاتفاق

كما ذكرنا سابقاً، لم يتطرق الحوار في بوزنيقة لكثير من القضايا العالقة من أجل توفير أجواء للحوار والتفاهم بين الفرقاء، لكن هذا لا يعني أنه سيأتي يوم للحوار حول قضايا أساسية، هي أزمات حقيقية، وهي السبب الحقيقي للنزاع في ليبيا، ففي النزاعات الدولية هناك مفهومان أساسيان يجب التفريق بينهما لمعرفة إمكانية نجاح حوارات بوزنيقة، وهي تسوية النزاع وتحوّل النزاع.

في الأول يقع المحاورون تحت ضغط الواقع، ويكون الهدف هو إنهاء الحرب والنزاع بأي وسيلة كانت، لذا يكون الاتفاق حول مظاهر وأعراض النزاع دون إدراك أسبابه الحقيقية والتعامل معها.

أما في تحول النزاع فهي مجموعة خطوات مدروسة للوصول لحالة تنقل النزاع إلى مرحلة ما بعد النزاع، ومنها للاستقرار والتنمية، أي أن هناك استراتيجية تحقق النتائج المرجوة من الحوار، وتحوّل الأزمة لفرصة وخطة عمل.

هذا الأخير هو الذي يجعل أمام الحوار عقبات حقيقية سيكون من الصعب القبول بها إلا بتنازلات هي من الصعوبة بمكان.

رابعا: أزمة المهجرين والنازحين في طرابلس أزمة حقيقية تحتاج لحل، وستكون عقبة حقيقية، فمعلوم أنه بعد إخراج أهل بنغازي من ديارهم قام بعض المخربين والميليشيات التابعة لحفتر بأخذ بيوت هؤلاء النازحين وتملّكوها وتحكموا فيها بيعاً أو سكناً، وهذه ليست حادثة أو حادثتين، بل حوادث كثيرة جداً، لذا سيكون فتح هذا الملف خطيراً جداً، وسيكون على حفتر أو عقيلة صالح مواجهة هذه الميليشيات إن كان يريد الحل للأزمة الليبية.

خامسا: أزمة الدماء التي سالت من الطرفين وإجراءات العدالة الانتقالية، فإن القضايا كثيرة التي رفعت من الليبيين الذين تعرضوا للقتل والتمثيل والمقابر الجماعية التي هي رهن التحقيق في محكمة الجنايات الدولية، وهذا سيضع أسئلة كثيرة عن إمكانية قبول مخرجات الحوار، لأنه من دون العدالة الانتقالية يصعب تصور تحول النزاع من مرحلة لأخرى.

سادسا: أزمة الارتهان للخارج من قبل خليفة حفتر، فهناك كثير من القواعد والمرتزقة الذين قد وجدوا ملجأً لهم في ليبيا، كما أن هنالك ميليشيات في طرابلس سيرفضون المخرجات، لأنها لا تصب في مصالحهم وسيواجهونها بالسلاح.

هذه الأزمات وغيرها كثير تجعل تسوية النزاع أمراً عارضاً، وعلى المحاورين أن يوسعوا دائرة التفاوض لتشمل كافة المنخرطين في الأزمة الليبية حتى يضمنوا تمثيل كافة الأطراف.

وهكذا يمكن أن تنشأ قواسم مشتركة لحوار وطني حقيقي يحقق الثقة، ويجعل الجميع أمام مسؤولياتهم في قبول عملية تحول كاملة، فيها رد اعتبار لكافة المتضررين بقواعد عدالة انتقالية شفافة وفقاً للتجارب الدولية، ونزاع سلاح المقاتلين ودمجهم في مؤسسات الدولة وإصلاح القطاع الأمني في البلد، ومن ثم الانتقال لعملية دستورية انتخابية يمكنها أن تحقق قواعد لحكم رشيد يحقق التنمية في ليبيا.

بداية مهمة دون شك

ـ مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، ومشاورات بوزنيقة بداية،

ـ وربما يمكن بعد اللقاء المزمع في نهاية هذا الشهر في المغرب إمكانية توسيع دائرة المشاركة، والبحث عن إجراءات دعم الثقة،

ـ وربما تكون هناك وساطة دولية، ودعم من بعثة الأمم المتحدة، التي سيكون لها مبعوث من الأمين العام للأمم المتحدة وليس نائباً عنه، بعد الاجتماع المقرر في هذا الشأن.

ـ كما أن التفاوض الروسي التركي والمفاوضات التي أعلن عنها قبل أيام بين فرنسا وروسيا،

ـ والوفد من الغرب الليبي الذي اتجه لمصر للحوار،

ـ والمشاورات الاستخباراتية بين تركيا ومصر،

كلها تصبّ في إطار أن الأزمة الليبية كغيرها من الأزمات لها منحنى قد يصل لنهايته إذا صدقت النوايا ولم تغتاله المفاجآت أو الحروب.

***

د. نزار كريكش ـ أكاديمي وباحث ليبي متخصص في علم المستقبليات ومدير مركز “بيان” للدراسات .خبير في الشأن الليبي وكاتب عدة مؤلفات ودراسات منشورة

______________

عربي بوست