Minbar Libya

بقلم عبدالرزاق العرادي

قبل أسابيع نشرت صحيفة “العرب اللندنية”، وصحيفة “إنديبندنت عربي” وهما صحيفتان إماراتيتان تحليلين منفصلين عن الظهور المطرد لرئيس البرلمان المنعقد بطبرق عقيلة صالح، وتأخر خليفة حفتر عن واجهة المشهد الليبي.

كتب التحليل المنشور في جريدة العرب محمد أبو الفضل وهو صحفي مصري، وكتبت التحليل المنشور في “إنديبندنت عربي” الصحفية المصرية إنجي مجدي.

مع تباينات قليلة بدا أن التحليلين يطرحان (بطرق مختلفة) فرضية تقول؛ إن تأخير حفتر ليس تخليا عنه، وإن تقديم عقيلة ليس استبدالا لحفتر، وإنما لأن الدول الداعمة لهما اكتشفت أن ورقة الشرعية ضاعت منها، وأصبحت تدعم جنرالا في مقابل حكومة معترف بها دوليا.

استعادة الشرعية

هذا المرتكز في التحليل يعني أن كلما يجري منذ المبادرة المصرية، التي كانت أول تقديم عملي لعقيلة صالح بعد أكثر من سنة على إقصائه بشكل شبه كامل من المشهد، مجرد مناورة لتبديد ورقة الشرعية التي كانت أقوى ما اعتمدت عليه حكومة الوفاق في التصدي لعدوان حفتر على العاصمة طرابلس، وأن الحل ليس بمواصلة المواجهة بنفس الإطار.

وإنما بتقديم واجهة مدنية منتخبة لا يمكن الطعن فيها، ومحاولة إعادة الأمور إلى ما قبل وصول السراج إلى طرابلس، بعيد توقيع الاتفاق السياسي في الصخيرات. حين كان الاعتراف الدولي منحصرا في البرلمان المنعقد في طبرق.

وعليه فإن الاستراتيجية التي يعملون عليها قد تكون من فصلين؛

الأول هو إعادة الوجه المدني إلى الواجهة، وهو ما تم عبر تقديم عقيلة في الخطاب بين يدي السيسي، ثم الجولة التي قادته إلى موسكو والجزائر والمغرب.

وقد رسخ هذا التقديم بالإعلان المتزامن لوقف إطلاق النار، من طرف السراج وعقيلة، واكتملت صورة الوجه السياسي الجديد أمام الرأي العام المحلي والدولي بإعلان رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري استعداده للتحاور مع عقيلة صالح.

وهذا مقبول في وجهه الظاهر، فهو يعني في حد ذاته إحلالا للسياسة بديلا عن الصراع العسكري، وفي صالح التوجه نحو الاستقرار، ومن البديهي أن يقبله المصرّون على استبعاد حفتر من المشهد، حتى لو حل محله شريكه السياسي في كل أفعاله عقيلة صالح، فمجرد سحب ورقة الحرب إضعاف لحفتر، لأنه أمير حرب لا يمكن أن يتعايش مع وضع سياسي صحي.

أما الفصل الثاني: فهو إعادة التفاوض على تعديل الاتفاق السياسي. وهذا في الحقيقة ملف مطروح منذ عدة سنوات، بعد فشل حكومة الوفاق الوطني في تحقيق أي من أهدافها التنموية، وفي ظل التعطيل المتعمد من طرف عقيلة صالح ورفضه الالتزام بالاتفاق السياسي، ورفضه عقد جلسة لمنح الحكومة الثقة البرلمانية المطلوبة بنص الاتفاق السياسي، وبالتالي عطل مجلس النواب.

ولولا أن صانعي الاتفاق السياسي احتاطوا بإعطاء المجلس الرئاسي الثقة بمجرد توقيع الاتفاق، لكان معسكر الكرامة قد أجهض كامل الاتفاق السياسي، وكانت الشرعية منحصرة اليوم في عقيلة صالح وعبد الله الثني، ولكم أن تقدروا حجم الكارثة حين يكون خليفة حفتر هو صاحب الكلمة الفصل في الشرعية في ليبيا.

الفصل الثاني، إذن، هو إعادة التفاوض لتعديل الاتفاق السياسي وهو مطلب لا يختلف عليه الليبيون بمختلف توجهاتهم، ولكن التدقيق في مطالب الفريق الممثل لمعسكر عقيلة صالح يوضح بجلاء أن الهدف ليس مجرد التفاوض على الاتفاق السياسي، ولا اختيار قيادة جديدة، وإنما الهدف إعطاء عقيلة صالح هذه القيادة السياسية والمالية من خلال تمكينه من رئاسة المجلس الرئاسي، وتسمية محافظ مصرف ليبيا المركزي.

لقد كان هذان المنصبان هما الوحيدان اللذان منعا حفتر و(عقيلة) من السيطرة على كامل التراب الليبي؛ الأول بامتلاكه القرار الشرعي التنفيذي (السياسي والأمني والعسكري) والثاني بامتلاكه القرار الشرعي المالي.

ولتصور الموضوع أكثر؛ لكم أن تفترضوا أن رئيس المجلس الرئاسي الشرعي استدعى خليفة حفتر لقيادة المؤسسة العسكرية في العاصمة طرابلس، وان محافظ مصرف ليبيا المركزي الشرعي صرف الأموال لتمويل حفتر وسلاحه.

هل كان هناك بركان غضب؟ وهل كانت هناك زيادة في مساحة الوطن (الأزرق)؟ وهل كان هناك حديث عن الدولة المدنية؟ أو عن الديمقراطية؟ تصوروا أن حفتر أصدر بيانه بالحصول على التفويض الشعبي من مقر قيادة الأركان في العاصمة طرابلس.!

ولا يعني هذا أني أزكي كامل تصرفات السراج أو الكبير، فلي عليهما مآخذ منشورة، إنما أريد التنبيه إلى أن دورهما في هذه الأزمة كان حاسما.

لنفترض حسن النية

قد (أكرر .. قد) يكون كل هذا التحليل السابق خاطئا، وأرجو أن يكون كذلك. ليس من المستبعد احتمال أن ما تسرب عن خلاف إماراتي مصري بخصوص ليبيا انعكس على العلاقة بين حفتر وعقيلة، وهذا أمر عليه بعض المؤشرات.

ونعم هناك ترحيب شبه متزامن بوقف إطلاق النار من مصر وتركيا، وهناك تسريبات عن لقاءات استخباراتية بين مصر وتركيا، انعكست على علاقة مصر باليونان في ملف شرق المتوسط، وغابت بسببها مصر عن المناورات التي أجرتها اليونان وفرنسا، والإمارات وقبرص شرق المتوسط.

وقبل أيام نشرت صحيفة العربي الجديد ما قالت إنه تسريب عن تقرير للمخابرات المصرية ينصح الرئيس السيسي بفك الارتباط مع الإمارات في الملف الليبي.

ولا يخفى أيضا أن الاستثمار في مغامرات خليفة حفتر لن يستمر إلى ما لا نهاية، خصوصا بعد أن اتضح أنه ليس لديه خطوط استراتيجية حمراء فيما يتعلق بقواعد السياسة الدولية، وهو ما يفسره الغضب الأمريكي من استقدام روسيا إلى المياه الدافئة في ضفة المتوسط، بعد أن كانت منطقة نفوذ محتكرة للولايات المتحدة وحلفائها.

ومن هنا قد يكون هناك خلاف جدي حول الاستمرار في دعم حفتر، ومشروعه العسكري الذي أثبت فشله في كل مرة حاول فيها التقدم خطوة إلى الأمام، ولكن الريب أحوط.

ومن حقنا أن نحذر

إن التاريخ يعلمنا أن التحقق من الضمانات المطلوبة في الاتفاقيات والعقود ليس نابعا دائما من عدم الثقة في الطرف المقابل، بل على العكس إن أحد أهداف الضمانات قد يكون بالأساس تعزيز الثقة بين الأطراف وضمان حقوق الوطن الذي يدعي الجميع أنه يسعى لمصلحته.

وفي التاريخ تجارب مريرة علمتنا أن حفتر لن يتوقف عن محاولة السيطرة على السلطة، ولا شك أنه الآن متخفٍّ تحت مظلة الحراك السياسي يستعد للجولة الدموية التالية، يحشد الدعم ويغري الجند، فلا ثقة في وجوده في أي ركن من أركان الشرعية، ويجب ألا يمكن حلفاؤه من أية وسيلة يتسرب من خلالها إلى موضع يعيد منه الكرة ويعيدنا إلى القيود والظلم والاستبداد. لا يجب أن تمنح هذه الوسيلة لا له ولا لغيره.

عند توقيع الاتفاق السياسي الليبي بمدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر 2015 قال كثير من مناهضي الاتفاق، وبعضهم يقاتل اليوم إلى جانب قوات الوفاق، إن الاتفاق عبارة عن تسليم ليبيا على طبق من ذهب لحفتر، ولكن الذين صاغوا الاتفاق وشاركوا في صناعته كانوا واعين بأن الاتفاق يحمي نفسه من أن تقدم ليبيا على طبق من ذهب أو فضة لأي طرف.

لا شك أنه اتضح بسرعة لمعسكر حفتر أن الاتفاق لا يقدم إليه ليبيا على طبق، أي كان معدنه، بأي حال من الأحوال، وإن كان يضمن لليبيين، الذين انخرطوا مع حفتر في مشروعه، حقوقهم المشروعة في المشاركة في تسيير ليبيا، والمساهمة في نهضتها وبناء دولتها، باستثناء من تلطخت أيديهم بدماء الليبيين، ولذلك سعى هذا المعسكر من أول يوم كما أشرت سابقا إلى إفشال الاتفاق وظلوا يضعون العراقيل في سبيله.

ومع ذلك فإن هذا “الاتفاق المعيب”، والذي تمت إعاقته من أول يوم، قد حمى المسار السياسي وصان دماء الشهداء، وحصن ليبيا من عودة الاستبداد، ولو أنه طُبق نصفه أو قرابته لكنا اليوم في وضع دستوري أفضل ولربما مستقر، ولكن أكبر عيب تعرض له هذا الاتفاق هو عدم وفاء معسكر عقيلة وحفتر، وعدم جديتهم في البحث عن حل. والعقود بحسب وفاء الموقعين عليها.

من حقنا أن نخاف ونحذر ونطالب بالضمانات الذاتية لأي خطوة نخطوها باتجاه اتفاق جديد، أو تعديل الاتفاق السياسي.

ما الضمانات المطلوبة؟

إن القراءتين المتفائلة والمتشائمة ينبغي أن توضعا في الحسبان، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف بشأن دقتهما، فإنه ينبغي أن تؤخذ مخاوف الأطراف المتحاورة بعين الاعتبار.

وبالتالي فإن أي اتفاق جديد ينبغي أن يحمل مناعة ذاتية ضد الانقلابات، وضد أي سيطرة أحادية على المشهد.

كما يجب أن يحمل مناعة ضد عدم التزام بعض الأطراف. لذلك وفي هذا الإطار فإني أقترح، واحدا من المقترحات التالية:

في حالة التوافق على تعديل الاتفاق السياسي

  1. أن تكون الرئاسة بيد شخصية توافقية تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتنحاز للدولة المدنية والمسار الديمقراطي، في حال وقع أي خلاف.
  2. إن أصر أي طرف على أن يقود المجلس الرئاسي الجديد فيجب ألا يعطى أي صلاحيات اتخاذ القرارات الكبرى؛ في الشؤون العسكرية بمفرده (قيادة الجيش أو إعلان الطوارئ والحرب..)، وفي الشؤون الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية (تمثيل ليبيا في الخارج) (إبرام أو نقض الاتفاقيات الدائمة، أو ذات الطبيعة الاستراتيجية)، وفي العموم يجب أن لا تعطى، له أي صلاحيات منفردة في المرحلة التمهيدية، أو لأي كان.
  3. منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي يجب أن يكون شخصية مستقلة معروفة بكفاءتها، تختار وفق معايير تشرف على وضعها جهات دولية معروفة، تتأكد انطباق المعايير على قائمة المرشحين القصيرة (Shortlist)، وينال ثقة المجلسين و”المسار السياسي”. ويجب أن يكون للمصرف المركزي مع المحافظ مجلس إدارة كفء وفعال.

في حال التوجه إلى عدم تعديل الاتفاق السياسي:

  1. إما أن يختار المتحاورون لجنة تنظم استفتاء على مسودة الدستور الليبي الذي صاغته “لجنة الستين”. بإشراف مستقل عن كل السلطات الحالية، وتنظم اللجنة استفتاء على الدستور يكون التصويت فيه بـ: نعم أو لا، إذا حاز المشروع على النسبة المقررة في الإعلان الدستوري صار دستور البلاد، وإلا يعاد فتحه وإجراء التعديلات وفق ما يتم الاتفاق عليه في “المسار السياسي”، وتجرى الانتخابات العامة استنادا على الدستور، ويتولى المسار السياسي تقديم مقترحات قوانين الانتخابات إلى لمجلسين للتوافق بشأنها ويصدرها مجلس النواب كما هي، وإن فشلا في التوافق عليها تعد صادرة بموجب اعتمادها من “المسار السياسي”.
  2. وإما أن يتم تكليف رئيس حكومة كفء وقادر ولديه مشروع وطني، ويستطيع أن يجلس مع كل الفرقاء (مع البركان ومع الكرامة، مع المشري ومع عقيلة، مع نظام سبتمبر في السجن أو في الخارج)، ويمنح 45 يوما لتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ تقوم بتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية؛ أولها: تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء حالة الصراع ومعالجة أضرار الحرب، وثانيها: تقديم الخدمات للمواطن، وثالثها: صناعة الحل الدائم للأزمة الليبية؛ تبدأ بالمصالحة والعفو وتنتهي بالحوار الشامل على الوضع الدائم والتوجه نحو الاستقرار والازدهار.

أخيرا..

نحن قادمون من تجارب مريرة، سالت فيها الدماء، ووضعت جبالا من عدم الثقة بين أطراف المشهد السياسي، وأرهقت البلاد، وسربت اليأس إلى نفوس من عاشوا الأمل بأن تتغير الأوضاع إلى الأفضل، وقد جرب بعضنا طرقا متعددة للسيطرة على البلاد والعباد، وقد جرب أن يخدع بني وطنه أكثر من مرة، وفي كل مرة يجد أن الأمر أصعب مما يتوقع.

فلنكن عاقلين راشدين ولو لمرة واحدة، ولنجعلها محطة عبور نحو زمن يتولى فيه زمام أمور هذا الشعب كفء يَخدمه، لا من يستغله ويستخدمه.

اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.

_________